مدرسة في مدينة درعا امتحانات البكالوريا
مدرسة في مدينة درعا امتحانات البكالوريا

“إنّ أهم ما يميز مشكلة تسرّب الطلاب من مدارسهم، هو كونها تحتاج إلى معالجات سريعة وفورية، وكلما تأخرت هذه المعالجات كانت ضعيفة أو عديمة الجدوى. فالأمر لا يحتمل التأخير والتسويف”. هذا ما استهل به حديثه مع مراسل درعا 24 أحد أساتذة التربية في جامعة دمشق. مشيراً إلى أنّ أنجع الحلول للتسرّب من التعليم هي الإجراءات الوقائية التي تمنع حدوث المشكلة.

يستدرك الدكتور الجامعي: “أما وقد وقعت المشكلة، فلا بد من البدء فوراً بالاستجابة المخططة والمدروسة، مع عدم إهمال الإجراءات الوقائية للحيلولة دون حدوث أي انتكاسة ولضمان عدم توسع المشكلة”. ويصف الحلول التي تتخذها الحكومة في سوريا لمواجهة المشكلة بأنها جيدة، لكنها لا ترقى إلى مستوى وحجم الظاهرة وقوة تأثيرها، ثم إنها لا تستند إلى خطة وطنية شاملة ومدروسة، “الحلول الحكومية هي إجراءات مبعثرة هنا وهناك ومن وقت لآخر”، وفق تعبيره.

أما المحامي أحمد الزعبي ابن محافظة درعا، فيرى أن جميع الحلول لمواجهة التسرّب من التعليم، سواء الحكومية أو المجتمعية أو مبادرات المنظمات الإنسانية وغيرها، مهمة وضرورية، لكنها غير كافية ولن تغير شيئاً ما لم تُقطع أسبابها، بعودة الدولة والمجتمع للاستقرار.

إقرأ أيضاً: التسرّب من التعليم في درعا: أسباب عديدة ونتائج كارثية

إجراءات وحلول حكومية 

في أواخر العام 2022، أعلن وزير التربية آنذاك دارم الطباع، أن الوزارة تقوم بإجراءات للحدّ من ظاهرة التّسرب عبر تشجيعهم باتباع (المنهاج ب) أيّ اختصار كلّ سنتين بسنة، وتقديم سلّة غذائية شهرية لكلّ مُتسرِّب بقيمة 75 ألف ليرة سورية. وأوضحَ أنَّ هدف الوزارة هو الوصول إلى إعادة مليون مُتسرِّب إلى مقاعد الدراسة، وقال حينها: “حتى الآن استطعنا استقطاب 160 ألفاً”.

كذلك كان هناك إجراءات حكومية، مثل قبول الطلاب بدون وثائق رسمية، وتقديم حقائب مدرسية مجانية، وإقامة دورات تعليمية مجانية، وحملات توعية لأهمية التعليم وخطورة التسرب. بالإضافة إلى عدم إلزام الطلاب في كثير من المناطق باللباس المدرسي الموحد، وتوجيه إدارات المدارس إلى الاكتفاء بالحد الأدنى من القرطاسية لكل طالب.

يرى المحامي أحمد الزعبي أن أهم الإجراءات الحكومية التي يجب أن يُعاد تفعيلها هي قانون العقوبات الخاص بالتسرّب من التعليم، خاصة بعد إعادة سيطرة النظام في سوريا على المحافظة عام 2018، ولكن في ضوء عدم الاستقرار والتردي المستمر والمتزايد في الوضع الاقتصادي والأمني والخدمي والمعيشي، سيكون إعادة تفعيل العقوبات المتعلقة بالتسرب من التعليم كمن يصب الزيت على النار.

 يتابع الزعبي: “الحل في الاستقرار ووجود حكومة حقيقية تلتزم بواجباتها تجاه مواطنيها”.

الأستاذ مروان (اسم مستعار)، مدرس من الريف الشمالي، يتساءل في حديثه مع مراسل درعا 24: “كيف يمكن أن نتحدث عن التصدي للتسرب من التعليم والعديد من المدارس المتضررة من القصف لم يتم ترميمها وتفتقر إلى الحد الأدنى من المرافق، بالرغم من عودة النظام إلى المحافظة منذ أكثر من خمس سنوات؟”.

 يتابع: “كيف نتحدث عن وقف التسرب من المدارس والدولار الواحد يساوي خمسة عشر ألف ليرة ولا توجد فرص عمل، وراتب المدرس لا يتجاوز ثلاثين دولاراً على أحسن تقدير. هذا غير غلاء القرطاسية واللباس المدرسي والكتب التي يفترض أن تكون مجانية”.

مبادرات أهلية وحملات تبرعات 

تمت العديد من المبادرات الأهلية للتصدي لمشكلة التسرب من التعليم. ورصدت الشبكة ترميم العديد من المدارس على حساب الأهالي، وكان حضور مديرية التربية يقتصر على الافتتاح وإعلان عودة المدرسة للعمل. يقول الأستاذ قاسم، وهو مدير سابق لمنظمة إنسانية عملت في الجنوب السوري قبل العام 2018: “يحب أبناء حوران التعليم ويصرّون عليه، والتسرّب من التعليم كان بسبب ظروف أقوى من أن تُقاوم، ومع ذلك لم يقف الحوارنة مكتوفي الأيدي بل بذلوا وسعهم. لا أقول إنهم استطاعوا التغلب على المشكلة كلياً، لكنهم عملوا بمبدأ: ما لا يُدرك كله لا يُترك جله”.

 يوضح السيد قاسم: “أُطلقت حملات لجمع التبرعات في كثير من القرى مثل صيدا والجيزة والحراك وداعل ونوى وجاسم لدعم المدارس، حيث تم ترميم عدد من المدارس وتأمين مازوت التدفئة وصيانة الحمامات. بالإضافة إلى دعم المدرسين من خلال تأمين مواصلات مجانية لهم في ضوء الرواتب المنخفضة التي غالباً لا تكفي أجرة مواصلات للمدرسين الذين يقيمون في قرى غير القرى التي يدرسون بها”.

يكمل الأستاذ قاسم: “وأنا على علم بأنه تم تقديم إعانات مالية للمدرسين في بعض القرى. وأغلب، إن لم يكن كل، هذه التبرعات جاءت من أبناء المحافظة المقيمين في دول الخليج أو الذين هاجروا إلى بلدان أوروبا وغيرها”.

يعلق الشيخ أبو إبراهيم، إمام مسجد في الريف الشرقي على ذلك: “أفتى كثير من المشايخ بجواز إعطاء زكاة الأموال للمدرسين. صحيح أنه من المؤلم أن يحتاج مربي الأجيال إلى الصدقات، لكن أنا مع ذلك، فالظروف أقوى منّا جميعاً”. وختم لقائه مع مراسل درعا 24 قائلاً: “نرجوا الله أن يتغير الحال إلى أحسن”.

ضرورة عودة المنظمات الغائبة منذ العام 2018

يرى الأستاذ سوسر طالوستان، الاستشاري في قضايا حماية الطفل ومنسق مشارك في مشروع حماية ضمن برنامج استجابة شمال غرب سوريا، ضرورة أن تقوم المنظمات الإنسانية بدورها وأن تعود إلى الجنوب السوري. يقول في حديثه مع المراسل: “لا أدّعي أن التدخل الإنساني في شمال غرب سوريا كان مثالياً، لكنه بالتأكيد تدخل مهم وساهم في تخفيف مشكلة التسرب من التعليم”. 

وتابع: “هنا أريد الإشارة إلى أحد التدخلات المهمة المتعلقة بفئة الأطفال من 13 إلى 17 عاماً، الذين انقطعوا عن التعليم لفترات طويلة. هذه الفئة لا يمكن إعادتها إلى المدارس، لكن من الحلول الناجعة استهدافهم بتدخل التدريب المهني المتضمن أنشطة محو الأمية وتعليمهم المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، جنباً إلى جنب مع تعليمهم مهنة يفضلونها وتتناسب بنفس الوقت مع سنهم”.

كما يؤكد الأستاذ سوسر على أهمية رفع الوعي المجتمعي، سواء للأطفال أو مقدمي الرعاية أو الأشخاص المفتاحيين في المجتمع، حول أهمية التعليم وخاصة في ظروف الأزمات. ويشير أيضاً إلى أن من أهم شواغل الحماية التي تعالجها إدارة الحالة هي الانقطاع عن التعليم، وهو تدخل فردي فعال.

أما (الأستاذ ع.ا، موظف سابق في منظمات إنسانية عملت في قطاع التعليم في المنطقة الجنوبية قبل العام 2018 ومقيم حالياً في أوروبا)، فيؤكد على أهمية دور المنظمات في الحد من التسرب من التعليم. يقول: “عملت في قطاع التعليم في المنطقة الجنوبية، حيث كنت وزملائي سعداء ونحن نرى جدوى البرامج التي كنا نقدمها. منظمات مثل غصن زيتون وبسمة للإغاثة والتنمية وإحسان في الحد من تسرب الأطفال من التعليم وإعادة إدماجهم بالمدارس”.

يتابع: “قدمنا بدعم من NRC وغيرها برامج التعليم الرسمي (المنهاج ب) ومناهج التعليم غير الرسمي وخاصة برنامج التعلم الذاتي (SLP) والدروس التعويضية وحزمة تعليم الأطفال المؤقتة (CEP-T) وحزمة تعليم الأطفال في حالات الطوارئ (CEP-E) وبرنامج التعلم المسرع (ALP) والقراءة والكتابة والحساب والصف الاسترشادي والتدريب المهني. هذا بالإضافة إلى جلسات وحملات التوعية ودعم المدرسين بالرواتب والمدارس بالأثاث وخاصة رياض الأطفال ودعم الطلاب بالقرطاسية والحقائب المدرسية وسلل الملابس وغير ذلك”.

بين مسببات ما زالت قائمة، وحلول حكومية قاصرة وغير مخططة، ومبادرات مجتمعية خجولة وعشوائية، وأدوار غائبة للمنظمات الإنسانية، تبقى مشكلة التسرّب من التعليم وجعاً في حاضر ومستقبل حوران ينتظر العودة إلى الاستقرار الأمني والسياسي والإداري، وتفعيل القوانين وتوحيد الجهود وإشراك الجميع في التخطيط والتنفيذ لحزمة من الحلول الناجعة المدعومة من المجتمع الدولي والجهات الإنسانية.

رابط التقرير: https://daraa24.org/?p=41506

Similar Posts