تشهد محافظة درعا ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار العقارات والشقق السكنية، حتى بات امتلاك مسكن في محافظة درعا هدفًا بعيد المنال، ورافق ذلك ارتفاعاً كبيراً في تكلفة الإيجارات، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وتدني مستوى الدخل للفرد. وقد انعكس ذلك سلبًا على كل فئات المجتمع وخاصة فئة الشباب مما جعل السكن بالنسبة لهم أمرًا مستحيلًا وثانويًا أمام ضرورات الحياة الأخرى.

وذكرت صحيفة الوطن شبه الرسمية في وقت سابق أن كلفة بناء منزل بمساحة 100 متر مربع في سوريا خلال العام الماضي 2021 بلغت نحو 80 مليون ليرة سورية، حيث بلغت كلفة البناء من دون الكسوة والتقطيع الداخلي على العظم نحو 40 مليون ليرة سورية.

عبءٌ ثقيلٌ على الشباب

يعاني الشباب اليوم ضغوطا كثيرة بسبب ارتفاع أسعار العقارات، فهم يضطرون إما للسفر أو لتقاسم العقارات مع آبائهم، وذلك لعجزهم عن شراء سكن يناسب دخلهم الشهري. (محمد زعبي شاب في الثلاثين من العمر، مهنته الحدادة، وهو أحد أبناء الريف الشرقي لمحافظة درعا) يقول لمراسلة درعا 24، بأنه اصطدم بواقع الأسعار الخيالي الذي فاق تصوره، وذلك عندما قرر شراء بيت للسكن، مكوّن من غرفتين ومطبخ وحمام، بثمن معقول يتناسب مع المبلغ الذي بحوزته، ليتفاجأ أن أسعار الشقق السكنية ضمن بلدته تبدأ من الـ 150 مليون وتصل لقرابة الـ 300 مليون ليرة سورية، وذلك حسب المنطقة والمساحة.

أضاف: “إنّ عائق امتلاك البيت أكبر عائق يقف في وجه تحقيق زواجي، فكل ما قمت بجمعه وإدخاره بالكاد يكفي تغطية تكاليف الزواج الباهظة، بعد الغلاء الفاحش وسوء الأوضاع الاقتصادية”. لذلك قرر الشاب أن يلجأ إلى استئجار شقة سكنية، حتى يتمكن من إتمام زواجه، وقد صرف النظر تمامًا عن فكرة الشراء أو البناء التي باتت ضربًا من ضروب الخيال.

 أما (علي أحمد، 35 عاماً، يعمل في مجال صيانة المحركات) يصف واقع ارتفاع أسعار العقارات في درعا بأنه قد تجاوز كل الحدود، فهو يعمل على الادخار يوميًا منذ قرابة الـ 5 سنوات، آملًا أن يتمكن من إتمام بناء منزله فوق منزل أهله، وقد حال الارتفاع المستمر لأسعار المواد الأولية من قدرته على إكمال عملية البناء، فقد استنفذ كل النقود التي كانت بحوزته، ولم يتمكن من الانتهاء. 

وأشار أنه إذا استمر الوضع على هذا النحو يتوقع أن يستغرق العمل أكثر من 10 سنوات إضافية لتشطيب منزله، نظرًا لغلاء مواد البناء وارتفاع أجور الأيدي العاملة أيضًا. وختم قائلًا: الأسعار لا ترحم أبدًا، والمواطن بالكاد قادر على تامين الغذاء والمستلزمات الضرورية اليومية.

معاناة الطبقة الوسطى والفقيرة

لقد أدى ارتفاع أسعار العقارات إلى وضع بات من المستحيل فيه على من ينتمي إلى الطبقة الوسطى والفقيرة أن يملك منزله الخاص.

 يقول رياض المحمد، وهو خبير اقتصادي: “إن ارتقاع قيمة العقارات جعل من الحصول عليها حلمًا بالنسبة للمواطن السوري، فالتضخم الحاصل لم يرافقه ارتفاع في الرواتب أو دخل الفرد، وهذا ما أدى الى سحق الطبقة الوسطى، وجعل من عمليات الشراء حكرًا على الأثرياء وأمراء الحرب والمغتربين، أما الطبقة الوسطى والفقراء فمصيرها الإيجارات”.

وأوضح الخبير لمراسلة درعا 24 بأنّ أسعار مواد البناء قفزت بين عامي 2011 و2022 وفقاً لما يلي:

المادةالسعر عام 2011السعر عام 2021السعر عام 2022الزيادة بين 2011و 2022
الحديد3700031500003700000مئة ضعف للطن
الإسمنت5000420000500000مئة ضعف للطن
الرمل والبحص600350004500075مرة للمتر المكعب
البلوك5- 12750- 12501000- 1500بحدود مئة ضعف للواحدة
أجرة العامل باليوم4007000- 800010000- 1200025 ضعف
الدولار الأمريكي502000400086 ضعفاً
متوسط الرواتب2000060000100000200 ضعفاَ

كان راتب الموظف يعادل تكلفة أربعة أمتار مربعة على العظم، وصارت عشرة رواتب تعادل كلفة متر مربع واحد، فكل ذلك وضع طبقة الفقراء والطبقة الوسطى أمام خيارات محدودة جداً.

 أسباب عدة للارتفاع

شهدت الأسواق العقارية تضخمًا كبيرًا في الأسعار، حيث تضاعفت لأكثر من عشرين ضعفًا عمّا كانت عليه قبل عشر سنوات، وقد قال الخبير الاقتصادي محمد الجلالي لصحيفة الوطن أن الحرب في أوكرانيا أدت لارتفاع أسعار النفط، وبالتالي ارتفعت تكاليف الشحن عالميًا للمواد المستوردة بنسبة تقارب 30%، إضافًة الى تكاليف التأمين، ما انعكس على أسعار المواد المستوردة في سورية بالتزامن مع تذبذب سعر الصرف في السوق السوداء، ما أدى إلى ارتقاع أسعار مواد البناء والإكساء.

بدوره (المحامي محمد. ع) قال في تصريح لـ درعا 24 بأن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعًا كبيرًا لأسعار العقارات، حيث تجاوز سعر الشقة السكنية مساحة 150 متر ضمن أحياء مدينة درعا الـ 200  مليون ليرة سورية، وفي المناطق السكنية البسيطة يتراوح سعر الشقة بين الـ 70 والـ 150 مليون ليرة سورية، وذلك بسبب انخفاض قيمة الليرة السورية، وارتفاع أسعار مواد البناء والأيدي العاملة، وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار هو نتيجة حتمية للتضخم المالي الحاصل، بالإضافة الى العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، وهذا ما سيؤدي حتمًا  الى معاناة المواطنين وازدياد نسبة الطلاق والراغبين بالهجرة من فئة الشباب نتيجة عدم الاستقرار، وتدهور القدرة الشرائية للمواطن.

الموافقات الأمنية وإجراءات الإيداع تساهم في إعاقة عمليات البيع والشراء

 لقد شكلت قوانين البيوع العقارية المعقدة وإجراءات الإيداع المصرفي والموافقات الأمنية والضرائب التي تم فرضها على عمليات البيع والشراء عائقًا كبيرًا بوجه المواطنين الراغبين بالبيع أو الشراء، وسبّبت حالة من الركود في السوق العقارية.

ففي 25 آذار 2021 أقر مجلس الشعب السوري قانون ضريبة البيوع العقارية، والذي تضمن إضافة ضريبة 1%  من القيمة الرائجة على العقارات والآراضي الواقعة خارج المخطط التنظيمي، و %2 للأراضي الواقعة داخل المخطط التنظيمي، و%3 عن بيع العقارات غير السكنية.

وكذلك فرض القانون إيداع 5 ملايين ليرة سورية من المالك، وتجميد 500 الف ليرة سورية  في البنك لمدة 3 أشهر، بالإضافة الى الحصول على الموافقات الأمنية التي باتت تشكل وسيلة استغلال مباشرة للمواطنين من قبل السماسرة المرتبطين بالأجهزة الأمنية، حيث تستغرق مدة استخراجها الـ 3 أشهر تقريبًا.

وزير المالية: السوق العقارية كانت واجهة لغسل الأموال

قال وزير المالية الدكتور «كنان ياغي» في تصريح لوكالة سانا: «إن الضريبة المتوجبة وفق القانون أصبحت تقدر بنسبة محددة من القيمة الرائجة للعقار، مشيراً إلى أن القانون يحد من تدخل العامل البشري في تحديد الضريبة على البيوع العقارية بالاعتماد بشكل أساسي على نظام المعلومات الجغرافية “جى اي اس».

 وأضاف في تصريحات صحفية بأنه لم يكن هناك وجود لمؤشرات وضوابط واضحة لسوق العقارات قبل صدور القانون رقم 15 لعام 2021 الخاص بالضريبة على البيوع العقارية، مشيراً إلى أن القانون سيكون المحور المؤسس لسوق عقارية منظمة ومتوازنة، ولاسيما وأن للسوق مواصفات وخصائص غريبة، أهمها أنها جزءٌ كبيرٌ من اقتصاد الظل، فلا إحصائيات أو قاعدة بيانات يمكن الاستناد عليها لتوضيح حجمه أو قيم الصفقات المنعقدة ضمنه كون جميع العمليات تقاس على قيم تخمينية قديمة لم يتم تعديلها بما يتناسب مع أسعارها الراهنة، وذلك بموجب قوانين تعود لأربعة أو خمسة عقود على الأقل، معتبراً أنها تمثل الوجهة الرئيسية لغسل الأموال لغياب المراقبة أو المساءلة، فمعظم الأموال مجهولة أو مشبوهة المصدر، والأعمال غير المشروعة لا تدخل القنوات المصرفية التي تفرض السؤال والتتبع، فتكون العقارات وجهتها الوحيدة، وتشكل الجاذب الأكبر بغياب المعايير الموضوعية والعلمية الواضحة في الوحدات الإدارية لعملية التسعير العقاري من جهة، وأرباحها المضمونة من جهة أخرى كونه تم الربط بين العقارات وسعر الصرف الذي فسح المجال واسعاً للتلاعب ومهد لارتفاعات متتالية غير منطقية.

وقال وزير المالية أن حجم البيوع العقارية التي تمت خلال 23 يوماً بعد صدور قانون البيوع العقارية رقم 15 تجاوزت 1850 عملية بيع، توزّعت عقود البيع إلى 25.1% بريف دمشق، 13% في اللاذقية، 12.5% في حمص، 12.2 في حلب، 11.1% في دمشق، 9.5% قي حماه، 7.7% بطرطوس، 4.9% في السويداء، و3.3% في درعا.

(أبو عمر 47 عاماً) يقول: “لقد قدر منزله في ريف درعا الشرقي من قبل اللجنة المختصة بـ 500 مليون ليرة سورية، وبعته بمبلغ وقدره 250 مليون ليرة سورية، ودفعت مبلغًا وقدره 5 مليون ليرة كضريبة على المبلغ المقدر من قبل اللجنة، ولم يؤخذ بعين الاعتبار المبلغ الحقيقي للبيع”. وأضاف بأن الضريبة تحسب على أساس القيمة الرائجة للعقار بغض النظر عن السعر المباع به، وقد وصف هذه القوانين بالظالمة والمجحفة، وأنها بمثابة السرقة العلنية لمال المواطن. 

أصبح حلم امتلاك بيت يبتعد يومًا بعد يوم عن شباب درعا الذين يواجهون غلاء المعيشة، بل وأصبح أكبر همهم البحث عن مسكن يستطيعون استئجاره بإمكانيات متواضعة، ليتمكنوا من الزواج  والمكافحة من أجل العيش لا أكثر.

رابط التقرير: https://daraa24.org/?p=24127

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.