أفرجت الأجهزة الأمنية عن عدد من المعتقلين السوريين خلال الأيام القليلة الماضية، وبينهم العشرات من أبناء محافظة درعا. مما يعيد إلقاء الضوء على حجم الكارثة في سوريا، حيث هناك آلاف المعتقلين والمختفين قسرياً بعد اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية، بينهم مَن وصل لأهلهم خبر وفاتهم تحت التعذيب منذ سنوات، لكن أهاليهم يأملون أن يكون هناك خطأ، وأن يكونوا ما زالوا على قيد الحياة وينتظرون الإفراج عنهم يوماً ما.

وثقت درعا 24 خروج 131 معتقلاً منذ 2 مايو / أيار 2022 وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، بينهم 72 تم الإفراج عنهم في الخامس من مايو بشكل جماعي في مبنى المجمع الحكومي. وبعد الاستفسار من أقارب المُفرج عنهم ومن أشخاص مقربين منهم، تبيّن أنّ معظمهم، تمّ اعتقالهم بعد التسوية الّتي تمّت في العام 2018 وبعضهم ممن انتهت محكوميتهم، ولكن احتفظت الأجهزة الأمنية بهم ليتم الإفراج عنهم في هذا التوقيت.

 عملية الإفراج أعادت الأمل لأولئك المعتقلين منذ سنوات طويلة

فيما يبقى العديد من أبناء محافظة درعا قيد الاعتقال حتى اليوم هم من أصل أكثر من 131 ألف معتقل في عموم سوريا وفقاً لما وثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان. يقول محمد أمين، وهو اسم مستعار لشقيق أحد المعتقلين منذ العام 2012: “تم اعتقال أخي عند مروره على أحد الحواجز الأمنية، وانقطعت أخباره منذ ذلك الحين، ودفعنا مبالغ مالية طائلة لسماسرة وضباط في الأجهزة الأمنية للحصول على معلومات عنه، ولكن دون فائدة، قيل لنا فيما بعد بأنّه مات، لكن! يبقى لدينا الأمل بأن يكون على قيد الحياة ويخرج يوماً”.

تبع عملية الإفراج عن المعتقلين ضجة واسعة على صفحات التواصل الاجتماعي والفيس بوك بشكل خاص، حيث نشر ذوو المعتقلين من أبناء مدن وبلدات محافظة درعا صور أبنائهم على أمل الوصول إلى معلومات عن طريق الأشخاص المُفرج عنهم حديثاً.

إقرأ أيضًا: معظم المعتقلين المفرج عنهم من السجون، اعتقلوا بعد العام 2018 وبقضايا جنائية

يقول (أبو علي، 55 عاماً) بأن الإفراج عن المعتقلين جعلني انشر صور ابني المعتقل منذ 7 سنوات على الفيس بوك، وأحاول التواصل مع المُفرج عنهم لعل وعسى أن يكون أحدهم قد التقى به وأنه ما زال على قيد الحياة. يشير بأنه رأى صورة ابنه ضمن صور قيصر، وقال: ” إن الملامح متغيرة كثيراً، وربما يكون شخصاً آخر”.

تجاوز ذلك صفحات التواصل الاجتماعي إلى النزول إلى الشوارع، حيث تجمّع الآلاف من ذوي المعتقلين في منطقة جسر الرئيس في العاصمة دمشق بعد أول عملية إفراج. فقد كانت الأجهزة الأمنية تنقل المُفرج عنهم من السجون إلى منطقة جسر الرئيس في البرامكة، دون إصدار قوائم إسمية أو تفاصيل عن المعتقلين المُفرج عنهم. وقد نزلت كاميرا إذاعة شام إف إم شبه الرسمية إلى هذه المنطقة، ورصدت معاناة الأهالي في انتظار وصول المعتقلين، وأجرت مقابلات معهم، لكنها حذفت الفيديو في وقت لاحق.

إقرأ أيضًا: الإفراج عن عشرات المعتقلين، وآلاف الأهالي ما زالوا ينتظرون أبناءهم

وتبع ذلك قيام مصدر في وزارة الداخلية المواطنين عبر اتصال هاتفي مع جريدة الوطن شبه الرسمية بدعوة المواطنين لعدم الانتظار تحت جسر الرئيس أو في أي مكان آخر للقاء ذويهم، حيث لم تخصص الوزارة أي مكان محدد لتجميع المفرج عنهم ممن شملهم العفو وعدد كبير منهم غادر السجن مستقلاً سيارة أجرة أو من خلال وسيلة ثانية.

عودة السماسرة لاستغلال ذوي المعتقلين

يعاود اليوم السماسرة المرتبطون ببعض الضباط في الجيش والأجهزة الأمنية لاستغلال أهالي المعتقلين وابتزازهم بطلب مبالغ عالية جداً تتراوح بين الـ 10 والـ 15 ألف دولار أمريكي. للمساعدة في إطلاق سراح أبنائهم.

يوضح (رياض العبد الله والد أحد المعتقلين) أن أحد المحامين الذي يعمل في هذا المجال ويتلقى مبالغ مالية أحياناً فقط لمعرفة بأي سجن يتم إيقاف المعتقل! عاود الاتصال بي وقال: ” بأن الفرصة الآن أكبر في الإفراج عن شقيقي، وبأنه يستطيع إدراج اسمه ضمن قوائم المُفرج عنهم، وطلب مبلغ 10 آلاف دولار، وطلب من ذوي معتقلين آخرين 15 ألف”.

مؤكداً أنهم لا يمتلكون هذا المبلغ، وبأنهم دفعوا أضعافه خلال السنوات الماضية ولكن بلا فائدة.

سوريا لا تحتاج إلى مراسيم عفو بل إلى حل سياسي

جاء الإفراج عن المعتقلين بعد صدور المرسوم التشريعي رقم /7/ لعام 2022، الذي صدر في 30 أبريل / نيسان 2022 وقضى بمنح عفو عام عن الجرائم (الإرهابية) المرتكبة من السوريين قبل تاريخ 30\4\2022.

واستثنى المرسوم الجرائم التي أفضت إلى موت إنسان، والمنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب رقم /19/ لعام 2012 وقانون العقوبات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /148/ لعام 1949 وتعديلاته.

وجاء في المرسوم أيضاً أنه لا يؤثر هذا العفو على دعوى الحق الشخصي، وللمضرور في جميع الأحوال أن يقيم دعواه أمام المحكمة المدنية المختصة، ويُعد هذا المرسوم نافذاً من تاريخ صدوره.

رأي قانوني

 علق العضو السابق في اللجنة الدستورية المحامي السوري «إدوارد حشوة» على  قانون العفو رقم 7 لعام 2022 عبر صفحته الشخصية على فيس بوك بأن هذا القانون تم صياغته بسرعة، واحتوى على عناوين يحتاج تنفيذها إلى إجراءات وتفاصيل، وتحديداً للمواد المحكوم بها وهو بشكله الراهن صدر لأسباب سياسية تريد الايحاء بأن النظام غير سلوكه تجاه معارضيه.

يوضح: “مع كل النواقص في المرسوم فإنه يتضمن جانباً إيجابياً لأن النظام عبره سيطلق دفعة من المعتقلين بموجب عفو منه! وبموجب هذا العفو الغامض سيتحكم النظام بأسماء من يشملهم ويسلم القوائم إلى النيابة العامة التي لا تستطيع مع غمض العفو إطلاق معتقلين وليس لديها الأحكام والمواد   والتهم التي اعتقلوا بسببها، ولم يحكموا بعد وهم الأكثرية.

ولفت إلى أن استثناء من تسبب بموت أحد من العفو لا معنى له لأن من اعتقل بهذا السبب عذب حتى الموت وجلد وقتل من زمان، ولا يوجد معتقلون من هذا الصنف ليتم استثناءهم! كذلك يشمل العفو المحكومين غيابياً والمتوارين، وليس مخصصاً للموجودين في سجون النظام، لأن عدم وجود نص بالتخصيص فالمطلق يؤخذ على إطلاقه ولا يجوز تخصيصه بدون نص.

فيما لا يوجد نص يلزم الموجودين بالخارج بالحضور وتسليم أنفسهم، ليشملهم العفو ولو لم يحضروا ويجربوا حظهم وهو أمر يصعب جدا بسبب فقدان الثقة، وكثيرون شملتهم أحكام سابقة وسلموا انفسهم وخاصة في الفرار الخارجي والداخلي واختفوا!

وختم حشوة: “اعتقد أن سوريا تحتاج إلى حل سياسي واسع لأن مراسيم العفو مهما تعددت لن تغير من وحشية النظام، ولن تحقق الثقة بدولة إرهابية تدعي أن من يعارضها هو إرهابي!”.

منشور للمحامي ادوارد حشوة حول المرسوم
منشور للمحامي ادوارد حشوة حول المرسوم

ويبقى الآلاف من أهالي المعتقلين والمختفين قسرياً يتعلقون بآمالٍ واهية بعد سنوات من الانتظار ومبالغ طائلة تكبدها بعضهم في سبيل النذر اليسير من المعلومات عن أحبائهم.

رابط التقرير: https://daraa24.org/?p=23018

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.