الزي الشعبي هو لباس وزينة شعب ما، يمتازون به عن غيرهم ويتوارثونه جيلاً بعد جيل، جذوره ضاربة في التاريخ، قديمة قدم هذا الشعب.

تصميم الزي الشعبي هو عمل جمعي تشترك فيه عادات وتقاليد وأعراف ومعتقدات الشعب نفسه من جهة، و طبيعة المنطقة التي يقطنها هذا الشعب و مناخها والانشطة الحياتية فيها من جهة ثانية.

لذا لا غرابة أن نجد تشابهاً كبيراً في الزي الشعبي لأهل حوران فهم يتقاسمون جغرافية واحدة وتجمعهم الكثير من العادات والتقاليد.

يتشابه الزي الشعبي لأهل درعا و السويداء واللجاة رجالاً ونساءً في خصائصه العامة، فهو فضفاض مريح يغطي كامل الجسم مناسباً بذلك لمناخ حوران وملائماً للأعمال الزراعية للحوارنة. وفي الوقت نفسه يختلف في بعض الجزئيات والتفاصيل والمسميات بين هذه المناطق الثلاثة.

الزي الشعبي للرجال في حوران

يتميز لباس الرجال في حوران بالبساطة والاتساع، وهو بذلك يتناسب مع الجو الحار الجاف ومريح أثناء القيام بالأعمال الزراعية وتربية المواشي والتي هي اهم الانشطة الاقتصادية للحوارنة، وهو أيضاً مناسب للجلوس على الارض – وهي عادة اهل حوران في الجلوس – ويغلب على لباسهم الألوان القاتمة والخلو من الزركشة.

التقى مراسل درعا 24 مع المدرّس المتقاعد الأستاذ أنس في منزله، وهو من ريف درعا الشرقي ونازح في مدينة السويداء، وحضر السهرة مجموعة من أصدقاء المدرّس وجيرانه، حيث وصف هو وأبو ماهر من مدينة السويداء لباس الرجال الشعبي في محافظتي درعا والسويداء، مبينين حجم التشابه الكبير بين اللباسين.

يقول الأستاذ أنس: “اللباس الشعبي للرجال في درعا هو الدشداشة وهي ثوب طويل حتى القدمين أبيض اللون في الصيف، وذو ألوان داكنة في الشتاء، والمزنوك هو ثوب طويل مقلّم مفتوح من الامام يشد بحزام جلدي على الوسط، أما غطاء الرأس فهو الطاقية البيضاء القطنية وفوقها الشماغ وحده أو مع العقال.

image 32
لباس رجال السهل

أما أبو ماهر فيصف اللباس الشعبي لرجال السويداء بقوله: “في السويداء يلبس الرجال القنباز وهو مشابه للمزنوك الذي ذكره الاستاذ أنس، ونلبس تحته سروال أبيض وفوقه صدرية وجاكيت. ولباس الرأس أيضاً متشابه إلا أن رجال السويداء يضعون على رؤوسهم الكوفية أو الحطة وتكون بيضاء اللون ويفضلون العقال متوسط الثخانة”.

image 33
لباس رجال الجبل

أما في منطقة اللجاة فالعباية والدامروالفروة لباس الرجال الشعبي، بالإضافة إلى القلابية أو الدشداشة، والتي يسمونها الثوب. يصف أبو طراد من قرى اللجاة لمراسلنا هذا الزي: “العباية لباس علية القوم تصنع من الصوف عادة، وتكون مفتوحة من الأمام وتطرز على جانبي الفتحة بخيوط ذهبية اللون، وتكون طويلة إلى ما تحت الركبة”.

أما الفروة فيتابع أبو طراد: “هي لباس البدوي الذي يقيه برد الشتاء ويشبه تصميمها العباية إلا أنها من قماش سميك ومبطنة بالصوف”.

image 34
لباس رجال اللجاة

لا يختص أهل اللجاة وحدهم بالعباية، حيث يلبسها أيضاً أهل درعا ويدل على أهميتها عندهم جميعاً، كثر ذكرها في الامثال الشعبية ومنها: “عباتي وأني فيها ” و “بأول خطراتو ضيّع عباتو”. وأهل اللجاة كجيرانهم في درعا والسويداء لا يتركون رؤوسهم مكشوفة، إذ يضعون على رؤوسهم الشماغ والعقال أيضاً.

اقرأ أيضاً: العمارة في حوران

اقرأ أيضاً: حوران جغرافية واحدة وتاريخ مشترك

يُصنع العقال عادةً من شعر الماعز، وله قيمة معنوية كبيرة وهو من مظاهر القوة والرشد والرجولة، وبالإضافة إلى أهميته في تثبيت الشماغ أو الحطة أثناء الشتاء والعمل بالزراعة فإن له أدواراً معنويةً كبيرةً. فصلها الحاج أبو جاسم من ريف درعا الغربي للمراسل بقوله: «أول ما يقوم به الشاب قديماً، بعد زواجه لبس “الشورة” أو (الشماغ) و”العقال”». وإذا ارتكب شخص عملاً مشيناً يقال له على سبيل الذم و التقريع ” نكست عقالنا”. يتابع أبو جاسم حديثه عن العقال ذاكراً رمزية أخرى له يقول: “إذا تعرض شخص لحادثة تخص الشرف أو القتل فإنه وأقاربه يرمون عقالاتهم ولا يعودون إلى وضعها على رؤوسهم إلا بعد أن يأخذوا بثأرهم”.

يضيف: «هناك صورتان مهمتان أيضاً لرمزية وأهمية “العقال” في الجاهات وفض النزاعات، فإذا وضع المذنب العقال في رقبته ودخل على الخصم فإن الخصم يقبله مهما كان ذنبه، وقد يكون ذلك مقدمةً للعفو عنه”. ويبين صورةً أخرى في نفس السياق وهي أنه إذا دخل رجل واضعاً عقاله في عنقه على ذي جاه فهو طلب للنصرة والعون وصلا يسع الوجيه إلا أن يستجيب لطلبه».

image 35
العقال والشماغ

الزي الشعبي لنساء حوران:

لم يقتصر عمل المرأة في حوران (السويداء ودرعا واللجاة) على الأعمال المنزلية فهي تشارك الرجال في الأعمال الزراعية ورعي وتربية الماشية، إلا أن ذلك كله لم يقف حائلاً أمام اهتمام المرأة الحورانية بلباسها و زينتها، فنساء حوران أنيقات حسنوات، وخير دليل على هذا الاهتمام، دقة وجمال ما ترتدي هؤلاء النسوة وتنوع حليهن.

و في حين أن الزي الشعبي للرجال متشابه إلى حد كبير في درعا والسويداء فإنه للنساء أقل تشابهاً. تقول السيدة صفاء صاحبة مشغل خياطة في صلخد احد مدن محافظة السويداء عن الزي الشعبي لنساء السويداء: “تلبس النساء في السويداء ريفاً ومدينةً سروالاً طويلاً و فوقه قميص وجيليه (صدرية) والطربوش على الرأس، والذي يكون على شكل مخروط يعلوه منديل من الشاش الأبيض يتدلى على الكتفين، وتلبس أيضا النساء عندنا الفستان ويتكون من قطعتين (المنتان والتنورة) متصلتين تحت الصدر، وعادةً ما يكون زي النساء كبيرات السن بألوان قاتمة بينما تكون ألوان لباس النساء الأصغر سناً زاهية ومزركشة”.

image 36
لباس المرأة في الجبل

لباس النساء في محافظة درعا ومنطقة اللجاة مختلف تماماً عما هو في السويداء تصفه أم عاصم من ريف درعا الغربي بقولها: “لباس النساء الدرعاويات فريد من نوعه ولا أعرف أحداً يرتديه إلا النساء في درعا وشمال الأردن، وهو مؤلف من عدة قطع وهي الشرش وهو عبارة عن ثوب طويل يغطي جسم المرأة من الكتفين حتى القدمين ويصنع من أفخر أنواع الأقمشة كالمخمل والجوخ وبألوان مختلفة تناسب عمر المرأة، ويتميز الشرش بأنه مفتوح عند منطقة الصدر، لذلك تلبس النساء تحته تنورة مزركشة طويلة وسروال ملون”.

تتابع : “أما غطاء الراس فهو قطعتين الشنبر الأسود الذي يغطي العنق والجزء المفتوح من الشرش وفوقه منديل ملون يسمى المحرمة أو الطفخة إذا كانت المراة شابة أو منديل أسود يسمى العصبة للنساء كبيرات السن”.

ولا يقتصر الاختلاف بين لباس المراة الشابة وكبيرة السن من حيث اللون فقط، فهناك خلاف آخر إذ يكون شرش الشابة مطرزاً عند الجزء المفتوح ونهاية الأكمام  والحواف السفلية، ويخلو شرش المراة كبيرة السن من التطريز.

لباس المرأة في محافظة درعا
لباس المرأة في السهل

الحاجة أم قسيم من بصرى الشام تُخرج لمراسلتنا دامرها من خزانتها وتحدثها عنه وهي تقلبه بحنان بين يديها: “نلبس الدامر فوق الشرش في الشتاء، وكما ترين لونه خمري ومنه ألوان أخرى كالأخضر والأزرق وهو يشبه الجاكيت والرجال أيضاً يلبسون الدامر لكنه لا يكون مزركشاً ولامطرزاً ولونه أسود”.

image 37
الدامر و لباس الرأس في السهل واللجاة

حلي النساء في حوران

تستمد ازياء نساء درعا و السويداء جماليتها من دقة تصميممها وتناسق أجزائها وألوانها وتزيدها الحلي جمالاً وروعةً. وغالبية حلي نساء الجنوب السوري مصنوع من الفضة والذهب، ولكل جزء من الجسم حليه، فالأساور والمباريم (أسوارة ذهبية مجدولة بعناية) تزين المعاصم وجزء من الساعدين، والخواتم للأصابع، أما العنق فله القلائد والأطواق، وعند سؤال مراسلتنا لأم ادهم من قرى اللجاة عن حلي العنق أجابت: «تلبس البدويات المرشم (طوق من العنق إلى الصرة) ونتفاخر فيه واذا اردنا التغزل بالبنية نقول: المرشم بصدره كما الشاخ مدقوق. ويسميه جيرانا الفلاحين الكردان».

وأما حلي الأذن فهي الأقراط والتي تسمى التراكي عند أهل السويداء ويسميها أهل درعا الحلق ولا يقتصر الأمر على هذا الحد فنساء اللجاة تزين أسنانها الامامية بتلبيسها بالذهب ويسمونه ثنية الذهب، ويضعن قطعة ذهبية أو فضية على الأنف تسمى الخزام أو الشناف. وأما الخلخال فهو حلية الساقين ولا يوضع إلا في ساق واحدة وغالباً ما يكون من الفضة. وللرأس حلي غاية في الجمال تتناغم مع أغطية الرأس فتزيدها فوق حسنها هيبة وبهاء. يسميها أهل درعا العرجة وأهل السويداء الطربوش.

تصف أم عاطف من الصنمين في ريف درعا الشمالي لمراسلتنا العرجة فتقول: “العرجة تشبه الطاقية القماشية ولونها أحمرخمري تشك بالليرات الذهبية أو الأرباع، وتنتهي من الأسفل بشراشيب مصنوعة من الصوف الملون”.

image 38
العرجة

اما الطربوش فتحدثنا عنه السيدة أحلام من القريا في ريف السويداء: “الطربوش عبارة عن قرص من الفضة يتدلى على جوانبها قطع ذهبية نسميها الغوازي، بالإضاقة إلى شكة على شكل صفين من قطع ذهبية نسميها رباعي على الحواف السفلية ومن تحت الشكة تبرز ليرة ذهبية نسميها قرينصة”. أما في اللجاة وفقا لأم أدهم فالنساء يتزين بليرة ذهبية وهلال فضي يتدليان على الجبين.

image 39
الزي الشعبي في الجبل مع الطربوش

اقرأ أيضاً: الآثار في حوران، عراقة الماضي تروي حكايات الحاضر

وعن لباس رجال الدين يحدثنا خوري من بيت دحدل مغترب في ألمانيا يقول سكان السهل والجبل سنة ومسيحية ودروز, بالنسبة لرجال الدين كل رجل دين لباسه هو لباس طائفته المعروف. أما الاهالي بشكل عام فلكل منطقة زيها الشعبي نفسه بغض النظر عن التنوع الديني.

مع الهجوم العنيف للموضة و التحول عن الأعمال الزراعية إلى أنشطة أخرى والهجرة خارج المنطقة وخاصة إلى دول الخليج العربي فقد تراجع ارتداء الزي الشعبي وخاصة عند فئة الشباب والصبايا. نتيجة لذلك تحول الشباب والكثير من الصبايا إلى لبس البنطال والقميص والجاكيت، وانتشر بشكل كبير ارتداء النساء العباية الخليجية في محافظة درعا. إلا أن الانصراف عن الزي الشعبي لا يعني باي شكل من الاشكال الابتعاد عن القيم والعادات و التقاليد. يقول الحاج أبو لؤي وهو مختار إحدى قرى الريف الشمالي من درعا: “صحيح أن قلة من الرجال والنساء يرتدون اليوم الزي الشعبي إلا أننا نعتز به ونحرص على اقتنائه ونرتديه في مناسباتنا وخاصة في الأعياد والزواج و الجاهات والصلحات”.

يتابع أبو لؤي: “في الأعراس مازلنا نشاهد العرجة على رأس العروس يوم زفافها أما العريس فيرتدي في يوم زفافه البدلة الرسمية وفوقها العباية الحورانية الأصيلة جامعاً بذلك بين التراث والحداثة”.

تُعتبر الازياء الشعبية في حوران من الموروثات التي تبرز بوضوح عادات وتقاليد وتراث المنطقة وتعبر عن بيئتها وأصالة أهلها و هي وإن اختلفت في تفاصيلها ومسمياتها إلا أنها تتشابه في خصائصها العامة وتحكي تاريخ وعراقة الحوارنة سهلاً وجبلاً ولجاةً.

رابط التقرير: https://daraa24.org/?p=25530

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.