الميراث حق مشروع للمرأة

لا تزال الكثير من النساء في درعا تواجه مصائر متعددة للحرمان من الميراث، نتيجة هيمنة سلطة العادات الاجتماعية أو خوفاً من وصمهن لمطالبتهن بهذا الحق على أنهن نساء خارجات عن المألوف. وعلى الرغم من أن القانون والشريعة الإسلامية تُعطي المرأة كامل  الحق بالحصول على حصتها من الميراث إلا أن الكثير من نساء درعا يواجهن عراقيل متعددة، تحول دون قدرتهن على المطالبة بحقهن الشرعي في الميراث.

 التقت مراسلة درعا 24 بسماح، امرأة في العقد الرابع من عمرها، وهي إحدى المحرومات من الميراث في ريف درعا الشرقي، للتعرّف على قصتها، التي وصفتها بالمؤلمة، وبدأت كلامها بصوت مرتجف مملوء بالقهر والحزن: “توفي والدي وأنا في سن صغيرة وترك لنا أملاك وأراضٍ كثيرة، وبقيت كل تلك الأملاك تحت تصرف إخوتي الذكور لأكثر من عشر سنوات، ولكن بعد قرابة خمس سنوات على زواجي طلب منّي إخوتي التنازل عن حصّتي في الميراث، مقابل تقديم تعويض مالي بسيط، بحجة أن تلك الممتلكات بالكاد تكفيهم، ولم يفكر أيّ منهم في أحوالي”.

كانت تعاني سماح أوضاعاً مادية سيئة جداً، فزوجها عامل وتسكن معه في بيت للإيجار، ومردود عمل زوجها بالكاد يكفيهم قوت يومهم. ترددت هذه المرأة كثيراً قبل أن ترفض طلب إخوتها بالتنازل عن كافة حقوقها، وخاصة أنها تراهم يتمتعون بأموالهم وأموالها، وهي في أشد الحاجة للمال، وحين قررت أن تواجههم بذلك كانت ردة فعلهم قاسية عليها جداً.

 خاضت السيّدة رحلةً طويلةً في المحاكم، استمرت لعدة سنوات، إلى أن حصلت على أحكام نهائية بالحصول على ميراثها المسلوب، ولكن على الرغم من ذلك فهي لا تشعر بالفرح والسعادة الكاملة، لأن ما خسرته بالمقابل كان أكثر مما حصلت عليه في هذه المعركة، فقد خسرت أهلها الذين قرروا مقاطعتها نهائياً، واعتبارها في عداد الموتى، على الرغم من محاولتها لإعادة أواصر الود معهم، إلا أن كل ذلك لم ينفع، لأنها أصبحت بنظرهم الابنة العاقّة والفاقدة للحياء، كما كانوا يصفونها.

إقرأ أيضاً: العادات والتقاليد تسلب المرأة حقّها في الميراث والقانون لا يساعدها

 تعتبر سميرة محمد، وهو اسم مستعار لسيّدة أخرى كان لديها رحلة أطول من سماح للحصول على ميراثها، ورغم ذلك لم تأتِ بأيّ حلّ، فقد لجأت للكثير من المحاولات للحصول على حقها ولكن دون فائدة. تؤكد في حديثها مع المراسلة أنّها لا تفكر باللجوء إلى القضاء أو تقديم شكاوى ضد إخوتها في المحاكم، لأنها تعتبر أن هذا الموقف من أصعب المواقف التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان في حياته، بأن يقف وأفراد أسرته كالخصوم أمام القاضي، ويتبادلون الكلام السيء والإهانة والكره لبعضهم.

إضافةً إلى أنّها ستفقد “عزوتها” وستكون وحيدة في مواجهة مصاعب الحياة، إذا ما قررت اتباع طريق المحاكم، لذلك فضلت التنازل عن حقها والقبول ببعض الأموال التي قدّمها إخوتها لها كنوع من التعويض عن حقها، الذي تقاسموه مناصفةً بينهم دون قدرة منها على الكلام.

نساء درعا رهائن لِـ “تقاليد بالية” 

تحدثتْ المراسلة إلى الباحثة الاجتماعية هند السلامة، التي تؤكد أن هناك ثقافة تسيطر على بعض العائلات في درعا، تقول أن المال يجب ألا يذهب “للغريب” على حد وصفهم، رغم أنّه يحقّ للمرأة الحصول على كامل حقّها في الإرث طبقاً للقانون والشريعة الإسلامية، وذلك ضمن مجتمع لا تُحدث فيه النساء ضجةً صاخبة للمطالبة بحقوقهن المشروعة.

 تضيف: “الكثير من نساء درعا لازلنَ رهائنَ لتقاليدَ بالية، حيث أنّهنَ يواجهنَ تحديات اجتماعية عديدة، تحول دون حصولهن على الميراث، مما يدفعهن للتنازل عن حقوقهن، إما مُحرجات أو مُكرهات، وذلك بسبب سطوة المورثات المجتمعية، التي ترفض الاعتراف بحق المرأة في الميراث، فالإحساس بالعار والضغط الاجتماعي يمنع الكثيرات من مقاضاة إخوتهن أو أقاربهن في المحاكم”. 

تتابع السلامات: “إن الوصول إلى المحاكم في بعض الحالات، قد يكون منصفاً ولكن في المقابل سنجد هناك مجتمع وأسرة نابذة ورافضة لهؤلاء النساء في الغالب، وبالتالي تقع المرأة أمام خيارين: إما التنازل عن كافة حقوقها أو عداوة أهلها وفقدان العلاقة الجيدة معهم. فضلاً عن نظرة المجتمع السلبية التي تعتبر خروج المرأة للمطالبة بإرثها بأنه تمرد على الأعراف المجتمعية، وخروج عن الحياء والأخلاق العامة”.

 وتؤكد الباحثة أن المرأة حتى وإن كانت مقتدرة يجب أن تطالب بحقها لكي تكسر هذه المورثات النمطية.

القانون موجود لكن اللجوء إليه صعب 

يقول المحامي أدهم الحوراني للمراسلة، بأن الكثير من النساء تمتنع عن اللجوء إلى المحاكم، بسبب الإجراءات القانونية التي يصفها بالمعقدة والمملة، التي تستغرق وقتاً طويلاً في عملية حصر الإرث وفرز الممتلكات والأراضي والحصص بين الورثة، إضافةً إلى طول فترة الانتظار التي تمتد في الكثير من الأحيان لسنوات طويلة، والاعتراض والاستئناف المتكرر. وكل ذلك يحتاج لجهد وتكاليف مالية عالية من رسوم وأتعاب للمحامين وأجور للتنقلات، ما يعني أن المرأة ستخسر جزءاً كبيراً من حصتها في دفع تلك الرسوم. وفق ما يوضح المحامي.

 ويشرح بأنه في ظل غياب أدوات واضحة لتغيير المورثات الاجتماعية والثقافية، لا يمكن للعدالة التي يصفها بالبطيئة، والتي تجعل المرأة تفكر كثيراً قبل المطالبة بحقها بالميراث عن طريق القضاء، أن تكون هذه الوسيلة هي الخيار الأمثل لحصول المرأة على حقها في الإرث، خاصة في ظل عدم وجود جهات تتوجه إليها المرأة لطلب المساعدة دون الحاجة لقضاء العديد من السنوات بين أروقة المحاكم دون نتيجة. مما يجعل المرأة نفسها ترضى بالأمر الواقع وتتنازل عن حقها في الأراضي والعقارات، التي تكون قيمتها أضعاف ما تحصل عليه، بسبب المورثات الاجتماعية السائدة، و “بسبب أن القانون موجود فعلاً، ولكن يصعب على النساء  أن تلجأ إليه”، وفق ما ختم المحامي حديثه.

وتبقى المرأة ضحية للأعراف الاجتماعية التي تُصنفها وتميزها على أنها خرجت عن المألوف، وضحية لقانون موجود وغائب في نفس الوقت بسبب الصعوبة التي تتكلفها المرأة للحصول على حقها عن طريقه. في حين تغيب المنظمات والجمعيات التي تُشجّع النساء على المطالبة بحقوقهن بشكل عام.

الرابط: https://daraa24.org/?p=35195

إذا كنتم تعتقدون بأن هذا المقال ينتهك المعايير الأخلاقية والمهنية يُرجى تقديم شكوى

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *