باتت الهجرة إلى خارج البلاد هي الفكرة والهدف الأساسي للشباب في سوريا عامّة ومحافظة درعا خاصّة، حيث لم تعد أبسط مقومات الحياة متوفرة، مما دفع بهم لمواجهة شتى أنواع المخاطر وأصبحوا يعيشون لحظات الموت في كل خطوة يخطونها وباتت الهجرة وإن كانت محفوفة بالمخاطر، المخرج الوحيد بالنسبة لهم، كي يعيشوا حياة كريمة، ويصنعوا لأنفسهم ولأهاليهم مستقبلاً أفضل.

الموت يحاصر الشباب في درعا

يتطلع آلاف الشباب في محافظة درعا للهجرة لأسباب مختلفة سواء كان ذلك هرباً من جحيم الفقر والبطالة، وعدم الاستقرار السياسي والأمني الذي بات ينعكس بشكلٍ سلبي على شتى مناحي الحياة، فالتهديدات والاغتيالات تحيط بهم من كل اتجاه.

 لم تعد المخاطر التي سيتعرضون لها في طريق الهجرة تعنيهم، فهمهم الوحيد الوصول إلى بلد يحميهم ويوفر لهم سبل الحياة الشريفة، فالموت يحاصرهم من كل مكان، بعد أن أوصدت بلدهم جميع السبل أمامهم.

 يقول أبو احمد (55عاماً) وهو أحد وجهاء مدينة درعا: «إن تزايد أعداد الراغبين بالهجرة يعكس المرارة التي يعاني منها الناس جراء الأوضاع المأساوية، وهذا نتاج طبيعي للمشاكل التي تحيط بهم ويعانون منها، وانعدام الحلول لتلك المشاكل على المدى القريب»، وأضاف «ماذا يمكن ان تكون النتيجة أمام شباب محبط وبلا عمل ويواجه أصعب الظروف ولا يرى امامه أي بارقة أمل تلوح في الأفق؟  فمن الطبيعي أن يندفع لخوض مغامرة الهجرة المحفوفة بالمخاطر في سبيل الوصول الى أوروبا»، وأكد انه «خلال الشهر الفائت فقط غادر درعا بين الـ 1000 والـ 1500 شاب منهم من وصل إلى أوروبا، ومنهم مازال يحاول الوصول، ومنهم للأسف لقي حتفه، وعلى الرغم من ذلك فهناك أعداد كبيرة من الشباب تتجهز للهجرة غير أبهين بالنتائج الكارثية التي واجهها من سبقهم».

 يقول الصحفي “محمد الحمادي” وهو احد أبناء محافظة درعا لمراسلة درعا 24: «موجات اللجوء ليست وليدة الأيام والشهور الأخيرة، بل هي حال السوريين منذ 11 عاماً، منذ ان بدأت البراميل المتفجرة والصواريخ تنهال فوق رؤوسهم ورؤوس أولادهم».

أضاف «بأن موجات النزوح واللجوء بدأت مع ملاحقة الأفرع الأمنية للمطالبين بالحرية والتغيير الديمقراطي، شيء طبيعي أن تكون سوريا على مدار عدة أعوام الأولى عالمياً في أعداد اللاجئين مع انعدام الأمن وجميع مقومات الحياة، فسوريا اليوم بشكلها الحالي، محكومة من قبل ميليشيا وعصابات هي خطر على أهلها، ولن تنتهي هذه الظاهرة إلا بمعالجة جذور المشكلة من قبل المجتمع الدولي …….  6 ملايين لاجئ في بقاع العالم ومثلهم نازح داخل سوريا، لم يتركوا منازلهم إلا بحثاً عن الحياة وعن حقوقهم المشروعة والمكفولة في كل الأديان والقوانين والدساتير».

اقرأ أيضاً: شهادات لمهاجرين من درعا في ليبيا حول سجون الهجرة وتجار البشر

مستقبل ضائع

يبحث الشباب اليوم عن مستقبل أفضل في الخارج بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية في المنطقة، ومنهم من يقوم بدفع مبالغ كبيرة مقابل الهرب من هذا الواقع، يقول محمد (30 عاماً) وهو أحد أبناء الريف الغربي لمحافظة درعا: «إنه باع قطعة من الأرض ودفع أكثر من 8 آلاف دولارا ليسافر الى أوروبا من أجل بناء مستقبله بعد أن تلاشت كل فرص الأمل لديه بتحسن الأوضاع، وأنه نادم على عدم الهجرة سابقاً، حينما اتيحت له العديد من الفرص، فبلد اللجوء قدم له الكثير ومنحه الحق في أن يحيا حياة آمنة كريمة»، وأضاف «إن حالة الفوضى والتوتر والضياع هي حال جميع الشباب في درعا، فتردي الأوضاع الاقتصادية وغياب الأمن والأمان كلها أسباب تدفع الشباب للهجرة ، فالبقاء مع استمرار البطالة وهشاشة الاقتصاد ستزيد الواقع المأساوي بالنسبة لهم».

(سناء ع) ناشطة اجتماعية قالت لمراسلة درعا 24: «يعاني الشباب في درعا من حصار خانق يلاحقهم على جميع الأصعدة مما جعلهم يفكرون بالهجرة دون التفكير بالمخاطر التي سيتعرضون لها، ويستمر تدفق الشباب قاطعين السهول والبحار ويفقد الكثير منهم حياته قبل أن يصل الى هدفه، بينما يبقى العديد منهم محتجزين لدى تجار البشر في البلاد التي فشلو في اجتياز حدودها، آملين في الوصول الى مبتغاهم ، فلو وجد هؤلاء الشباب العدل  والأمان وفرص العمل في بلدهم لما فكروا بالهجرة» .

أضافت «وسط الأزمات السياسية والاقتصادية التي تمر بها سوريا ومحافظة درعا، ومحاولة أهلها الهروب من واقع فرضته حرب أمعنت في افقار بلدهم وتدميرها، وحين تطبق على انفاسهم سلطة فاسدة، تبقى الهجرة هي خيار أهلها الوحيد بحثاً عن الأمان الاجتماعي والاستقرار ولتحقيق أحلامهم التي حرموا منها».

إقرأ أيضاً: “ليبيا” واحدة من محطات رحلة الهجرة الصعبة، فما الذي يجبر شباب حوران على خوضها رغم الصعوبات؟

  لعل ظاهرة هجرة الشباب من أبرز الظواهر التي خلفتها سنوات الحرب في سوريا، ولكن على الرغم من توقف العمليات العسكرية، تزداد وتيرتها بشكل ملحوظ، وبات التفكير بالهجرة يستحوذ على تفكير جلّ السوريين الذي يعيش أكثر من 90 % منهم تحت خط الفقر، ومما يزيد من معاناتهم تراجع مستوى الأمن والأمان، والاتجار بالمخدرات وتردي القطاع الصحي، ناهيك عن ازمة ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات وانقطاعها. كل هذه العوامل متحدة كانت عاملاً ضاغطاً على مئات الآلاف من الشباب للرحيل عن وطنهم سعياً للاستثمار والعمل والاستقرار، وسبباً رئيسياً للهجرة التي سنشهد تأثيراتها على المدى البعيد، إذ أن محافظة درعا وسوريا عموماً تفقد اليوم العنصر البشري القادر على إدارة القطاعات والنهوض بها وإحداث التغيير السياسي المنشود، فهم يعتبرون الخسارة الأكبر التي لا تعوض على الرغم من كل الخسائر التي لحقت بسوريا خلال السنوات الماضية. 

الرابط: https://daraa24.org/?p=26412

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.