التدخين بين طلاب المدارس في سوريا.. ماذا تكشف درعا عن واقع الظاهرة؟

التدخين بين طلاب المدارس في سوريا.. ماذا تكشف درعا عن واقع الظاهرة؟
التدخين بين طلاب المدارس في سوريا.. ماذا تكشف درعا عن واقع الظاهرة؟

داخل أحد الصفوف الدراسية في ثانوية بمدينة داعل في ريف درعا الأوسط، وبينما كانت الحصة الدراسية مستمرة، أشعل أحد الطلاب المراهقين سيجارة وبدأ بالتدخين أمام زملائه، فيما وثّق طالب آخر المشهد بكاميرا هاتفه المحمول.

لم يستغرق المقطع المصور، الذي انتشر على منصات التواصل الاجتماعي في شباط/فبراير الماضي، وقتاً طويلاً حتى أثار موجة واسعة من الانتقادات. وأكد مدير التربية والتعليم في محافظة درعا، محمد الكفري، آنذاك، أن المديرية باشرت التحقيق في الحادثة، واتخذت إجراءات قانونية وتربوية بحق المتورطين، مشيراً إلى أن ما جرى لا يمثل واقع جميع مدارس المحافظة، لكنه يستدعي تعزيز الانضباط المدرسي وتكثيف برامج التوعية.

ورغم انتهاء الحادثة، إلا إنها أعادت إلى الواجهة نقاشاً أوسع حول انتشار التدخين بين طلاب المدارس السورية، ومدى قدرة المؤسسات التعليمية والأسر على مواجهة هذه الظاهرة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتشار السجائر الإلكترونية بين فئة المراهقين.

ظاهرة تبدأ في سن مبكرة

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن معظم المدخنين يبدأون التدخين خلال سنوات المراهقة، وهي المرحلة التي يصبح فيها اليافعون أكثر عرضة لتأثير الأصدقاء والرغبة في التجربة وإثبات الذات، ما يجعل الوقاية المبكرة داخل الأسرة والمدرسة عاملاً أساسياً للحد من الظاهرة. 

ووفقاً للمسح العالمي لتدخين الشباب (GYTS)، الذي أُجري في سوريا عام 2010 وشمل طلاباً تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عاماً، فإن 38% منهم كانوا يستخدمون أحد منتجات التبغ، فيما بلغت نسبة مدخني السجائر التقليدية 12.3%، ووصلت نسبة مدخني النرجيلة إلى 25%.

ورغم أن هذه البيانات تعود إلى آخر مسح وطني متاح، فإنها تعكس وجود الظاهرة داخل الفئات العمرية المدرسية منذ سنوات، في ظل غياب بيانات وطنية أحدث توضح حجم انتشار التدخين بين الطلاب في سوريا.

إطار قانوني يمنع التدخين داخل المدارس

يحظر المرسوم التشريعي رقم 62 لعام 2009 التدخين داخل المدارس والمعاهد والجامعات، كما يمنع بيع منتجات التبغ لمن هم دون الثامنة عشرة، ويلزم المؤسسات التعليمية بتنفيذ برامج توعية حول أضرار التدخين وطرق الإقلاع عنه ضمن الأنشطة التربوية.

إلا أن مختصين يرون أن وجود التشريعات وحده لا يكفي، ما لم يقترن بتطبيق فعلي داخل المدارس، ورقابة على بيع منتجات التبغ للقاصرين، إلى جانب برامج توعية مستمرة تستهدف الطلبة وأسرهم.

اقرأ أيضاً: الدخان يملأ المكاتب الحكومية في درعا… والمراجعون يشتكون

السجائر الإلكترونية… تحدٍ جديد

لم تعد السجائر التقليدية وحدها مصدر القلق داخل البيئة المدرسية، إذ برزت السجائر الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة بوصفها أحد أكثر منتجات النيكوتين انتشاراً بين المراهقين.

وفي شباط/فبراير 2026، أعلنت مديرية الشؤون الصحية في دمشق اتخاذ إجراءات للحد من تصنيع وبيع وتداول السجائر الإلكترونية، بعد تزايد انتشارها بين اليافعين وطلاب المدارس.

وأوضح مدير الشؤون الصحية رضوان السواق أن هذه الخطوة جاءت لحماية الصحة العامة، محذراً من الاعتقاد السائد بأن السجائر الإلكترونية أقل ضرراً من السجائر التقليدية، رغم احتوائها على النيكوتين ومواد كيميائية قد تؤدي إلى الإدمان.

“تعلمته من أصدقائي”

يروي الطالب (ع.ز)، وهو طالب في الصف الثاني الثانوي، أن أول تجربة له مع التدخين كانت عندما كان في الصف السابع، بعد أن شجعه أحد أصدقائه على ذلك.

ويقول إن التدخين بدأ سراً، لكنه أصبح أكثر انتشاراً بين بعض الطلاب مع مرور الوقت، مؤكداً أنه يحاول تجنب التدخين داخل المدرسة خوفاً من العقوبة أو إبلاغ ولي أمره، إلا أن اعتياده على السجائر يدفعه أحياناً إلى التدخين في أماكن بعيدة عن الأنظار، مثل دورات المياه.

ويضيف أنه جرّب السجائر الإلكترونية مؤخراً، لكنها لم ترتبط لديه بالإدمان كما حدث مع السجائر التقليدية، موضحاً أنه يشتري السجائر من مصروفه الشخصي.

ولا يُخفي هذا الطالب أن التدخين صار لديه ولدى عدد من أصدقائه خلال مرحلة المراهقة، مرتبطاً بالرجولة وإثبات الذات.

المدرسة… خط الدفاع الأول

تقول الأستاذة فكرية دبو مديرة إحدى المدارس في مدينة نوى بريف درعا في حديثها لمراسل درعا 24، إن التدخين أصبح أحد أبرز التحديات الصحية والاجتماعية التي طالت مختلف الفئات العمرية، بما فيها طلبة المدارس.

وتوضح أن اكتشاف الحالات يتم بوسائل متعددة، منها حديث الطلاب فيما بينهم، أو ضبطهم في أماكن بعيدة عن الأنظار، إضافة إلى رائحة الدخان التي تكشف بعضهم داخل الصفوف.

وتشير إلى أن المدرسة تعتمد في المقام الأول على التوعية والإرشاد، إلى جانب التوعية الدينية، مؤكدة أن التعامل مع الطالب يجب أن يكون بأسلوب تربوي قبل اللجوء إلى العقوبات.

وتضيف دبو أن الإجراءات تبدأ بالإنذار، وقد تصل عند تكرار المخالفة إلى نقل الطالب إلى مدرسة أخرى، بحسب الأنظمة والتعليمات المعمول بها.

وتلفت إلى أن التعامل مع السجائر الإلكترونية يختلف نسبياً عن السجائر التقليدية، موضحة أن الطالب يستجيب غالباً للتنبيه والتوعية عند ضبطه للمرة الأولى بسبب صعوبة الحصول عليها مقارنة بالسجائر العادية، في حين تتطلب السجائر التقليدية إجراءات إضافية تشمل استدعاء ولي الأمر، نظراً لسهولة توفرها وانتشارها بين الطلاب.

كما ترى أن ظاهرة التدخين كانت أكثر انتشاراً خلال السنوات الماضية، في ظل الظروف التي مرت بها البلاد، لكنها تراجعت نسبياً في بعض المدارس خلال السنوات الأخيرة مع عودة الانضباط وتعزيز برامج التوعية.

لماذا ينتشر التدخين بين الطلاب؟

ترى مديرة المدرسة فكرية دبو أن انتشار التدخين بين بعض الطلاب يرتبط بعدة عوامل متداخلة، من أبرزها المشكلات الأسرية، والضغوط الاجتماعية، والتعنيف داخل الأسرة، وتأثير الرفاق، والفضول، وتقليد الكبار، مؤكدة أن هذه الأسباب تتطلب معالجة تربوية ونفسية، لا الاكتفاء بالعقوبات.

ويتفق معها اختصاصي الأمراض النفسية الدكتور منال القاسم، الذي يرى أن مرحلة المراهقة تُعد من أكثر المراحل حساسية، إذ يندفع بعض الطلاب إلى تجربة التدخين نتيجة عوامل نفسية واجتماعية متعددة، تتمثل في حب التجربة، والرغبة في إثبات الاستقلالية وإثبات الذات، والهروب من التوتر والضغوط، إلى جانب تأثير الأصدقاء والتقليد والبيئة المحيطة.

ويشير إلى أن هذه العوامل قد تتداخل مع ظروف أسرية ومدرسية تجعل الطالب أكثر قابلية لتبني سلوكيات خطرة إذا غاب الاحتواء والتوجيه المبكر.

فيما يرى القاسم، أن مرحلة المراهقة تُعد من المراحل الحرجة التي يندفع فيها عدد الطلاب نحو تجربة التدخين نتيجة عوامل نفسية عامة تتمثل في حب التجربة ومحاولة إثبات الاستقلالية والهروب من التوتر وعوامل نفسية ذاتية تشمل إثبات الذات والفضول والهروب من الضغوط، بالإضافة إلى عوامل بيئية متعلقة بالمحيط الاجتماعي والمدرسي مثل ضغط الأصدقاء والتقليد.

ويشير إلى أن هذه العوامل قد تتداخل مع ظروف أسرية أو مدرسية واجتماعية تجعل الطالب أكثر قابلية لتبني سلوكيات خطرة إذا غاب الاحتواء والتوجيه المبكر.

اقرأ أيضاً: اضطرابات نفسية ناتجة عن الحرب، وإقبال على العيادات في درعا

“ليست مسؤولية الأسرة وحدها”

يرى مراد محمد البيك (43 عاماً)، وهو ولي أمر لثلاثة أبناء في سن الدراسة من بلدة تل شهاب، أن أخطر ما في الظاهرة ليس مجرد رؤية طالب يحمل سيجارة، وإنما تحول التدخين لدى بعض المراهقين إلى رمز للرجولة أو وسيلة لإثبات الذات.

ويقول: “لا يقلقني أن أرى طالباً يحمل سيجارة فقط، بل يقلقني أن يصل إلى مرحلة يشعر فيها أن التدخين أمر طبيعي أو علامة على الرجولة.”

ويوضح إن كثيراً من الطلاب لا يبدأون التدخين حباً به، وإنما بدافع الانتماء إلى مجموعة من الأصدقاء أو تقليد شخص يعتبرونه قدوة، معتبراً أن المشكلة الحقيقية تكمن في الأسباب التي تدفع الطالب إلى إشعال السيجارة الأولى.

ويضيف أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول، لكنها ليست الجهة الوحيدة المسؤولة، لأن الطالب يتأثر أيضاً بالمدرسة والشارع ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن القدوة تسبق النصيحة، وأن رؤية طفل لشخص بالغ يدخن قد تكون أكثر تأثيراً من عشرات رسائل التوعية.

ويشدد على أن التواصل بين المدرسة والأسرة يجب ألا يقتصر على اكتشاف المخالفة، بل ينبغي أن يكون شراكة مستمرة هدفها الوقاية والعلاج، لا اللوم والعقاب فقط.

المدرسة… بين التوعية والانضباط

ترى المديرية فكرية دبو أن نجاح المدارس في الحد من الظاهرة يعتمد على التعاون مع أولياء الأمور، من خلال المتابعة المستمرة والحوار مع الأبناء، مشيرة إلى وجود تعاون جيد من كثير من الأسر في هذا الجانب في مدينة نوى.

وتؤكد أن المدارس تستطيع القيام بدور أكبر عبر تنظيم الأنشطة الرياضية والفنية والتطوعية التي تتيح للطلاب التعبير عن أنفسهم بطرق صحية، إلى جانب تنظيم برامج توعية وندوات حول أضرار التدخين، وإشراك الأسرة في هذه الأنشطة.

وفي السياق نفسه، يرى الدكتور القاسم أن دور المدرسة ليس تطبيق العقوبات، وإنما يشمل التوعية الصحية، والمتابعة، والإرشاد النفسي، وتطبيق السياسات الوقائية داخل البيئة التعليمية.

ويضيف أن التعامل مع الطالب المدخن ينبغي أن يبدأ بإبلاغ ولي الأمر بأسلوب تربوي هادئ، وإشراك الطالب في الأنشطة الرياضية والثقافية، مع تفضيل العقوبات التربوية البديلة والابتعاد عن العنف، مؤكداً أن الأسرة تبقى المصدر الأول للدعم النفسي، وأن احتواء المراهق وتعزيز ثقته بنفسه يمثلان جزءاً أساسياً من الوقاية والعلاج.

ويحذر الدكتور القاسم من أن بعض أساليب التعامل مع الطالب المدخن قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ومن أبرزها الضرب، والصراخ، واللوم المستمر، والتشهير أمام الأقارب أو الأصدقاء، أو المراقبة المفرطة التي تنتهك خصوصيته.

ويؤكد أن الطالب في هذه المرحلة يحتاج إلى الاحتواء أكثر من العقاب، داعياً إلى تعزيز الحوار داخل الأسرة، والاهتمام بالصحة النفسية للمراهقين، وسد الفجوات في التوعية الأسرية والمدرسية، خاصة عند تعرض الأبناء لضغوط أو صدمات نفسية.

تكشف الشهادات التي جمعتها شبكة درعا 24، والمقابلات مع المختصين أن التدخين بين بعض طلاب المدارس لا يرتبط بعامل واحد، وإنما هو نتيجة تداخل ظروف أسرية ونفسية واجتماعية، إلى جانب تأثير الأصدقاء وسهولة الوصول إلى منتجات التبغ.

ورغم وجود تشريعات تمنع التدخين داخل المؤسسات التعليمية، يرى مختصون أن الحد من الظاهرة يتطلب أكثر من العقوبات، من خلال تفعيل دور الإرشاد النفسي، وتعزيز التعاون بين الأسرة والمدرسة، وتشديد الرقابة على بيع منتجات التبغ للقاصرين، إلى جانب توفير أنشطة رياضية وثقافية تستثمر طاقات المراهقين في بيئة آمنة.

وفي ظل غياب بيانات وطنية حديثة حول حجم الظاهرة، تبقى الوقاية والتوعية والتدخل المبكر، إلى جانب بناء علاقة قائمة على الحوار والثقة مع الطلاب، من أهم الأدوات لحماية البيئة المدرسية والحد من انتشار التدخين بين اليافعين.

المصادر

  • * منظمة الصحة العالمية (WHO): المسح العالمي لتدخين الشباب في سوريا (Global Youth Tobacco Survey – GYTS) للفئة العمرية 13–15 عاماً.
  • * المرسوم التشريعي رقم 62 لعام 2009 المتعلق بمنع التدخين في المؤسسات التعليمية والأماكن العامة ومنع بيع منتجات التبغ للقاصرين.
  • * مديرية التربية والتعليم في محافظة درعا: تصريحات مدير التربية محمد الكفري بشأن حادثة التدخين داخل ثانوية داعل والإجراءات المتخذة (شباط 2026).
  • * مديرية الشؤون الصحية في دمشق: تصريحات مدير الشؤون الصحية رضوان السواق حول إجراءات الحد من انتشار السجائر الإلكترونية بين المراهقين.
  • * صحيفة الثورة السورية: تقارير حول انتشار السجائر الإلكترونية ومخاطرها الصحية بين اليافعين وطلاب المدارس

موضوعات ذات صلة