اللاجئون السوريون: إحصائيات ومقومات العودة بعد سقوط النظام السوري وتحدياتها
بعد أكثر من 14 عامًا من التشرد الجماعي داخل سوريا وخارجها، يعيش ملف عودة اللاجئين والنازحين السوريين تحوّلًا كبيرًا بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. وتشير إحصاءات الأمم المتحدة ومنظمات الهجرة إلى تسجيل حركة عودة ملحوظة للسوريين إلى مناطقهم الأصلية من أماكن نزوحهم داخل البلاد أو لجوئهم خارجها، فهل تحققت شروط العودة في محافظة درعا خاصة وسوريا عامة، وما التحديات التي لا تزال قائمة؟
3 مليون بين نازح ولاجئ عادوا
تكشف تقارير أممية وحكومية أن أكثر من 1.2 مليون لاجئ سوري عادوا من دول الجوار خلال عام واحد بعد سقوط النظام، إضافة إلى نحو 1.9 مليون نازح داخلي غادروا مواقع النزوح وعادوا إلى مدنهم وقراهم الأصلية، ليصل العدد الإجمالي للعائدين إلى أكثر من ثلاثة ملايين شخص منذ كانون الأول/ديسمبر 2024.

وفي تفاصيل التوزيع بحسب بيانات منظمات الهجرة، فإن عدد العائدين من الخارج حتى نهاية عام 2025 يُظهر أن نحو 84,843 شخصًا عادوا إلى محافظة درعا، في حين بلغ عدد العائدين من النازحين داخليًا إلى المحافظة منذ ديسمبر 2024 نحو 13,794 شخصًا.
وتستند هذه الأرقام الخاصة بتوزيع العائدين بحسب المحافظات إلى تقديرات وتقارير أممية، في ظل غياب إحصاءات رسمية تفصيلية مفصّلة حتى الآن.
عودة اللاجئين من الأردن
تُظهر المعطيات على الأرض أن غالبية اللاجئين العائدين إلى محافظة درعا قدموا من الأردن، الذي أعلنت فيه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في نهاية عام 2025، أن أكثر من 177 ألف لاجئ سوري عادوا طوعًا إلى سوريا خلال عام واحد منذ سقوط النظام، في واحدة من أكبر موجات العودة المسجّلة من دولة جوار.
ونقلت قناة المملكة الأردنية عن المتحدث باسم المفوضية قوله إن 177 ألفًا و99 لاجئًا سوريًا عادوا من الأردن إلى سوريا خلال الفترة الممتدة بين 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى التاريخ نفسه من العام الجاري.
وأوضح أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجّلين لدى المفوضية في الأردن بلغ حتى 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 نحو 444 ألفًا و991 شخصًا، يشكّل السوريون غالبيتهم بعدد 421 ألفًا و511 لاجئًا، تليهم الجنسية العراقية بنحو 12 ألفًا و419 لاجئًا، ثم اليمنية بـ6 آلاف و77 لاجئًا، فالسودانية بـ4 آلاف و267 لاجئًا، والصومالية بـ324 شخصًا، إضافة إلى 393 شخصًا من جنسيات أخرى.
وفيما يتعلق بالتمويل، أشار المتحدث باسم المفوضية إلى أنها تلقت 115 مليونًا و37 ألفًا و596 دولارًا فقط، وهو ما يمثل 31% من إجمالي التمويل المطلوب، ما يترك فجوة تمويلية تقديرية تبلغ 257 مليونًا و799 ألفًا و380 دولارًا، أي ما يعادل 69% من الاحتياجات المالية.
وأكد أن أولوية المفوضية خلال عام 2026 ستتركز على ضمان استمرارية تقديم الدعم للاجئين المقيمين في الأردن، بالتوازي مع مساندة من يختارون العودة الطوعية إلى سوريا، مشيرًا إلى أن ميزانية الاحتياجات المقدّرة لعام 2026 تبلغ نحو 280 مليون دولار للحفاظ على الخدمات الأساسية ودعم برامج العودة.
ويُظهر هذا العجز في التمويل محدودية قدرة المنظمات الأممية على مواكبة الاحتياجات المتزايدة للعائدين داخل سوريا، لا سيما في المحافظات التي تعاني دمارًا واسعًا في البنية التحتية، ومنها محافظة درعا.
اقرأ أيضاً: مناشدة من عدد من ساكني مخيم الزعتري: حاجة ماسة لمساعدتهم في العودة إلى ديارهم
دوافع العودة
لم يكن سقوط النظام وحده ما دفع بعض السوريين إلى التفكير بالعودة، بل جاء القرار نتيجة تداخل مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. صحيح أن انتهاء حقبة نظام الأسد، الذي شكّل مصدر خوف دائم للاجئين والمهجّرين منذ عام 2011، فتح باب الأمل بإمكانية العودة، إلا أن عوامل أخرى لعبت دورًا مؤثرًا في اتخاذ هذا القرار.
فمع مرور السنوات، تصاعدت الضغوط الاقتصادية في دول اللجوء، وازدادت صعوبة العيش في المخيمات والبلدان المستضيفة، ما جعل خيار البقاء خارج البلاد أكثر قسوة وأقل استقرارًا. إلى جانب ذلك، حضرت بقوة رغبة كثيرين في لمّ شمل العائلة واستعادة الروابط الاجتماعية، والبقاء في الوطن رغم حجم الدمار والخسائر.
تحديات كبيرة للعائدين
شهدت محافظة درعا، مهد الثورة السورية عام 2011، خلال السنوات الماضية موجات نزوح واسعة طالت مئات الآلاف من سكانها داخل سوريا وخارجها. وبعد سقوط النظام، بدأت أعداد كبيرة من الأسر بالعودة إلى مناطقها الأصلية، في مشهد يعكس رغبة متزايدة في استعادة الحياة، رغم الواقع الصعب.
غير أن هذه العودة لا تخلو من تحديات قاسية. فما زالت أزمة السكن واحدة من أبرز العقبات، إذ تعرّض عدد كبير من المنازل للدمار أو الأضرار الجسيمة، في ظل ضعف الدعم المادي المخصص لإعادة البناء والترميم، ما يدفع بعض العائدين إلى الإقامة في مساكن مؤقتة مثل “الكرفانات”، أو لدى أقاربهم، أو استئجار منازل، وهو خيار بات بالغ الصعوبة مع ارتفاع الإيجارات التي تصل في بعض مناطق المحافظة إلى نحو 400 دولار شهريًا.
إلى جانب ذلك، يواجه العائدون نقصًا واضحًا في الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والتعليم والرعاية الصحية، في مناطق واسعة من المحافظة، الأمر الذي يضاعف الأعباء المعيشية على الأسر ويحدّ من قدرتها على الاستقرار.
كما تبقى مسألة الأمن والاستقرار عاملًا مؤثرًا في قرار العودة الدائمة، فبالرغم من الهدوء النسبي في بعض المناطق، لا تزال مخاطر متفرقة حاضرة، تشمل مخلفات الحرب والألغام، إضافة إلى وجود مجموعات مسلحة في بعض المدن والقرى، ما يفرض حالة من الحذر وعدم اليقين لدى كثير من العائلات.
يقول أحد العائدين إلى ريف درعا الشرقي إن قرار العودة “لم يكن سهلًا، لكنه بدا الخيار الوحيد بعد سنوات من الغربة”، مشيرًا إلى أن السكن وتأمين مصدر دخل شكّلا أولى الصعوبات التي واجهته بعد عودته.
استطلاع رأي حول التحديات
أظهر استطلاع أجرته شبكة درعا 24 حول أبرز التحديات التي يواجهها اللاجئون العائدون إلى محافظة درعا، وشارك فيه 1240 شخصًا، أن السكن وإعادة ترميم المنازل يشكّل التحدي الأكبر، إذ حصل على 52% من الأصوات (نحو 632 مشاركًا).
وجاء غياب فرص العمل والدخل في المرتبة الثانية بنسبة 26% (334 صوتًا)، فيما حلّ ضعف الخدمات الأساسية (الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم) ثالثًا بنسبة 16% (196 صوتًا).

في المقابل، اعتبر 5% من المشاركين (50 صوتًا) أن المخاوف الأمنية هي التحدي الأبرز، بينما رأى 1% فقط (24 صوتًا) أنه لا توجد تحديات كبيرة تواجه العائدين.
وتعكس نتائج الاستطلاع أن تحديات العودة إلى درعا وسوريا عامة ذات طابع معيشي واقتصادي بالدرجة الأولى، مع تركّز القلق على السكن وفرص العمل أكثر من الجوانب الأمنية.
المبادرات الحكومية والدولية
بعد سقوط النظام، تبنّت جهات رسمية محلية في سوريا، بالتعاون مع شركائها الدوليين، برامج لتسهيل عودة اللاجئين والنازحين، بالتنسيق مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الهجرة الدولية. وشملت هذه الجهود تنظيم عمليات العودة الطوعية عبر معابر رسمية من الدول المجاورة، وتقديم مساعدات إنسانية للأسر العائدة، إضافة إلى التعاون مع السلطات المحلية لمساعدة العائدين على استعادة وثائقهم المدنية.
غير أن هذه المبادرات تأتي في ظل استمرار نقص التمويل الدولي، ما ينعكس بشكل مباشر على بطء مشاريع إعادة الترميم وتحسين الخدمات الأساسية، خصوصًا في محافظات الجنوب، ومنها محافظة درعا.
يبقى التحدي الأكبر بعد عودة اللاجئين والنازحين إلى محافظة درعا وبقية المحافظات السورية، هو تحويل هذه العودة من حركة مرحلية إلى استقرار دائم، يضمن للسوريين حياة كريمة في أرضهم بعد سنوات طويلة من التشرد والمعاناة. وبين الرغبة في العودة وواقع الاستقرار الصعب، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تمتلك درعا اليوم المقومات الكافية لتحويل عودة اللاجئين من لحظة أمل إلى مسار حياة مستدام؟






