في الدلافة مدرسة تنتظر طلابها.. وغياب المياه يُبعد العائلات عن القرية

قرية الدلافة التابعة للمسيكة الشرقية في اللجاة بريف درعا
قرية الدلافة التابعة للمسيكة الشرقية في اللجاة بريف درعا

فتحت مدرسة الدلافة الابتدائية أبوابها مع بداية العام الدراسي الجديد. حضر الكادر التدريسي، وكانت المدرسة جاهزة لاستقبال طلابها، لكن معظم المقاعد بقيت بلا أصحابها.

في هذه القرية الصغيرة في منطقة اللجاة بريف درعا، المشكلة ليست في المدرسة؛ يقول سكان تحدثوا إلى درعا 24 إن غياب المياه دفع كثيراً من العائلات إلى العيش بعيداً عن منازلها، ومعها ابتعد الأطفال عن مدرستهم.

ويقدّر الأهالي نسبة غياب الطلاب هذا العام بنحو 90 في المئة.

تضم قرية الدلافة، التابعة لبلدية مسيكة الشرقية، نحو 150 إلى 200 منزل، بحسب أحد أبنائها، لكن عدداً قليلاً منها ما يزال مأهولاً بصورة دائمة.

ويقول هذا المواطن: “آخر ظهور لمياه الشرب كان في عام 2011”. ومنذ ذلك الحين، بات شراء المياه المنقولة بالصهاريج جزءاً من حياة من بقي فيها.

بدأت بعض العائلات بالمغادرة منذ عام 2012 ولم تعد إلى منازلها، فيما غادرت أخرى لاحقاً، تستقر معظم تلك العائلات في سهول حوران. وهناك من يغادر الدلافة في الصيف ويعود في الشتاء، حين يمكن الاعتماد جزئياً على مياه الأمطار المجمعة.

بالنسبة لهم: المياه تحدد المكان الذي يمكنهم العيش فيه.

احتفال بالبئر.. والمياه لم تصل

في آذار الماضي، بدا أن أزمة عمرها 15 سنة، تقترب من نهايتها.

حُفر بئر جديد في الدلافة بأموال حملة “أبشري حوران”، ووصل الحفر إلى المياه وأُجريت تجربة لضخها. ونشرت مؤسسة المياه في درعا لاحقاً مادة بعنوان “تشغيل بئر الدلافة في منطقة اللجاة يعزز استقرار مياه الشرب ضمن حملة أبشري حوران”.

لكن بعد نحو ستة أشهر، يقول سكان الدلافة إن شيئاً أساسياً لم يتغير: المياه لم تصل إلى منازلهم، والبئر لم يدخل الخدمة فعلياً.

ولا تتوقف المشكلة عند البئر. فشبكة المياه التي يفترض أن تنقل المياه إلى المنازل تحتاج هي الأخرى إلى الصيانة، بحسب السكان، الذين يقولون إنها تعرضت لأضرار نتيجة القصف خلال سنوات الحرب.

وفي انتظار الحل، تأتي مياه الدلافة من خارجها.

يشتري الأهالي الصهاريج القادمة من بلدة بصر الحرير شرقي درعا، ويتراوح سعر الصهريج الواحد بين 200 و250 ألف ليرة سورية.

وتصبح الكلفة أكبر بالنسبة لمربي المواشي. يقول أحدهم إن إبقاء الأغنام في المنطقة قد يتطلب صهريج مياه كل يوم، ولذلك ينقل بعض المربين مواشيهم خلال الصيف إلى سهول حوران لتوفير المياه، ثم يعودون في الشتاء للاعتماد على مياه الأمطار المجمعة.

طفلان لم يدخلا المدرسة

بين الطلاب الغائبين طفلان لأحد أبناء الدلافة، يفترض أن يكون أحدهما في الصف الرابع والآخر في الصف الثاني، لكن والدهما يقول لـ “درعا 24” إنهما لم يدخلا المدرسة حتى الآن.

للرجل أربعة أطفال، لكنه لم يتمكن من الاستقرار مع أسرته في الدلافة. يتردد إلى القرية للعناية بأشجاره، بينما تقيم عائلته بين قرى الريف الشرقي لدرعا.

وتحوّل حالة هذه الأسرة نسبة الغياب التي يتحدث عنها الأهالي من مجرد رقم إلى نتيجة مباشرة لأزمة القرية: المنزل موجود والمدرسة موجودة، لكن العائلة تعيش في مكان آخر.

أزمة تتجاوز الدلافة

تعتبر الدلافة كقرية صغيرة هي جزء من أزمة مياه أوسع تعيشها منطقة اللجاة ومعظم مناطق محافظة درعا، حيث خلّفت سنوات الحرب أضراراً في شبكات المياه والبنية التحتية، وحفر الآبار عشوائياً، مما أدى إلى استنزاف المياه الجوفية، فيما ما تزال قرى وبلدات تعتمد بدرجات متفاوتة على الصهاريج ومصادر المياه البديلة لتأمين احتياجاتها.

وفي اللجاة تحديداً، حيث تتباعد التجمعات السكانية وتشكّل المياه عاملاً أساسياً في الزراعة وتربية المواشي واستقرار السكان، لا يبقى أثر انقطاعها محصوراً في صعوبة الحصول على مياه الشرب؛ بل يمتد إلى قدرة العائلات على البقاء في قراها والحفاظ على مصادر رزقها وإرسال أطفالها إلى مدارسهم.

وتختصر الدلافة جانباً من هذه الأزمة: بئر جديد وصل إلى المياه وأُعلن عن تشغيله، وشبكة تحتاج إلى الإصلاح، وصهاريج تأتي من خارج القرية، وعائلات تعيش بعيداً عن منازلها.

وبعد سنوات من التعامل مع نقص المياه بوصفه مشكلة خدمية، تظهر مدرسة الدلافة هذا العام وجهاً آخر لها: حين لا تصل المياه إلى القرية، قد لا يصل الطلاب أيضاً إلى مقاعدهم.

اقرأ أيضاً: الشومرة: أزمة مياه وكهرباء، وتعليم ضائع منذ العام 2018

موضوعات ذات صلة