توغلات وحرائق واعتقالات.. التمدد الإسرائيلي يهدد مصادر الرزق في درعا والقنيطرة

من قرية زبيدة بريف القنيطرة - أيلول 2026 - مراسل درعا 24.
من قرية زبيدة بريف القنيطرة - أيلول 2026 - مراسل درعا 24.

بات القصف المدفعي الإسرائيلي المتكرر على القرى والبلدات في محيط شريط فك الاشتباك جنوبي سوريا، يتجاوز كونه مجرد تصعيد أمني، حيث تحول خلال الأشهر الماضية إلى نهج استنزاف يومي يهدد المصادر الاقتصادية والزراعية لسكان محافظتي القنيطرة ودرعا. وفي ظل توالي الاعتداءات، يجد الأهالي أنفسهم محاصرين بين حرائق تلتهم محاصيلهم، وتوغلات برية بلغت حد اختطاف الرعاة وتفتيش المزارعين داخل أراضيهم.

هذا الأثر المتراكم ألقى بظلاله المباشرة على مربي الماشية كمصدر دخل رئيسي. ففي 22 أيلول الجاري، أدى قصف مدفعي إسرائيلي فجراً على قرى حوض اليرموك في درعا إلى نفوق 15 رأساً من الماعز، مجرداً عائلة من مصدر رزقها. حادثة تعيد للأذهان ما جرى في 6 نيسان الماضي بمحيط قرية الصمدانية الغربية بريف القنيطرة الأوسط، حين استهدفت قذيفة مدفعية أرضاً رعوية، ما أسفر عن نفوق 6 رؤوس ماشية وإصابة راعيها.

يلخص مختار الصمدانية الغربية، هايل العبد الله (أبو جهاد)، الأثر النفسي والاقتصادي لهذه الاستهدافات المستمرة، موضحاً لـ “درعا 24” أن المزارعين باتوا يعيشون هاجساً دائماً من القصف المفاجئ أثناء قطاف المحاصيل الصيفية.

ويضيف: “هذه الاعتداءات تضيق الخناق المادي على السكان عبر ضرب مصادر أرزاقهم، ورغم بحث هذه الانتهاكات المستمرة مع قوات الأمم المتحدة للوصول إلى رادع، إلا أن النتيجة لا تزال دون جدوى”.

من جهتها تشير أم محمد الحسن، وهي من سكان قرى حوض اليرموك غربي درعا، وتعتمد أسرتها على تربية المواشي والزراعة، إلى أن القصف والتوغلات المتكررة منعت عائلتها من الوصول إلى مناطق اعتادت استخدامها للرعي.


وتوضح أن ذلك اضطر الأسرة إلى شراء كميات أكبر من الأعلاف وتحمل تكاليف إضافية، لافتةً إلى أن كثيراً من السكان باعوا مواشيهم وتركوا العمل في هذا المجال.

من قرية زبيدة بريف القنيطرة - أيلول 2026 - مراسل درعا 24.
من قرية زبيدة بريف القنيطرة – أيلول 2026 – مراسل درعا 24.

الحرائق تهدد أيضاً

وإلى جانب استهداف المواشي، تشكل الحرائق التهديد الأكبر للمحاصيل، خاصة في قرى الريف الشمالي للقنيطرة. يروي “أبو صدام”، أحد سكان بلدة جباتا الخشب، أن الهاجس الأبرز للأهالي هو احتراق مساحات زراعية واسعة جراء الشظايا والقنابل المضيئة.

الدخان المتصاعد من قصف الاحتلال الإسرائيلي حرش بلدة بئر عجم، وآثار القصف في جباتا الخشب
الدخان المتصاعد من قصف الاحتلال الإسرائيلي حرش بلدة بئر عجم، وآثار القصف في جباتا الخشب

مخاوف الأهالي تجسدت واقعاً في 21 آب الفائت، حين اندلع حريق استمر ليومين متتالين والتهم أراضي زراعية تقع جنوب غرب جباتا الخشب، بمحاذاة خط فض الاشتباك وتحديداً قرب “خط سوفا 53” (وهو مشروع هندسي عسكري إسرائيلي مستحدث في المنطقة العازلة). وقد تفاقمت الخسائر حينها بسبب عجز فرق الدفاع المدني عن الوصول لإخماد النيران لخطورة الموقع وقربه من الأراضي المحتلة.

ولم تقتصر الانتهاكات الإسرائيلية على القصف عن بعد، بل تطورت لتأخذ طابعاً ميدانياً شاملاً يمتد من القنيطرة إلى ريف دمشق. ففي 10 آب، توغلت قوة إسرائيلية باتجاه الأراضي الزراعية في الصمدانية الغربية وفتشت المزارعين أثناء عملهم. وبلغ التصعيد ذروته في 23 أيلول باختطاف راعي أغنام واقتياده إلى الداخل المحتل أثناء رعيه في أرضه بريف القنيطرة.

هذا التضييق الأمني امتد ليصل إلى بلدة بيت جن بريف دمشق الغربي، التي تكتسب ثقلاً استراتيجياً لموقعها على سفوح جبل الشيخ ومحاذاتها للجولان المحتل. البلدة تعرضت لسبع قذائف في 18 أيلول، سبقتها بأيام توغلات برية باتجاه كروم مزرعة بيت جن، ما أجبر الفلاحين على إخلاء حقولهم.


ويأتي هذا التصعيد الأخير ضمن محاولات إسرائيلية لفرض واقع أمني جديد في البلدة التي طالما اعتبرتها المنظومة الأمنية الإسرائيلية نقطة توتر قابلة للانفجار.

اقرأ أيضاً: خط “سوفا 53” يحاصر الرعاة ويبتلع الأراضي في ريف القنيطرة

ما الموقف الحكومي من كل ذلك؟

هذا الواقع الميداني المتدهور، تقابله الجهات الرسمية السورية بالتحركات الدبلوماسية. مطالبةً بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي سيطرت عليها بعد 8 كانون الأول 2024 والعودة إلى خطوط اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وأكد مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، خلال جلسة لمجلس الأمن في 17 أيلول، أن دمشق ماضية في التوصل إلى اتفاق أمني برعاية أميركية، مشدداً في الوقت نفسه على أن هذا المسار لا يعني القبول بالاحتلال أو التنازل عن الحقوق السورية.

فيما جدد الرئيس السوري أحمد الشرع هذا الموقف خلال زيارته إلى نيويورك، مؤكداً تمسك سوريا باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ومطالباً بانسحاب إسرائيل إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024. كما كشف أن المفاوضات بين الجانبين كانت قد اقتربت، وفق قوله، من التوصل إلى تفاهمات واسعة قبل تعثرها.

وبينما تراهن دمشق على الضغط الدولي والمفاوضات للوصول إلى ترتيبات توقف الاعتداءات، يواجه المزارع والراعي في الجنوب السوري واقعاً معقداً؛ إذ تدفعه الحاجة الاقتصادية للتمسك بأرضه ومصدر رزقه، في مواجهة تصعيد إسرائيلي متواتر يصادر الأراضي ويستبيح الحدود.

من ريف القنيطرة - أيار 2026
من ريف القنيطرة – أيار 2026

اقرأ أيضاً: توثيق ميداني: استمرار أعمال مشروع “سوفا 53” جنوب القنيطرة وسط قيود مشددة على الأهالي

موضوعات ذات صلة