أدوية أجنبية مُصنّعة بدرعا، ولكن ماذا عن المحتويات؟

ادوية اجنبية مصنّعة محليا ولكن ماذا عن المحتويات
أدوية أجنبية مُصنّعة بدرعا، ولكن ماذا عن المحتويات؟

اشترى “خالد المحمد” أحد أدوية أبيه المريض هذه المرة، من موزع لأحد معامل الأدوية، بهدف شرائه بسعر أقل من سعره في الصيدليات، لكن لم يستجب الأب لهذا العلاج كسابقه، ليتبيّن لاحقاً أنّ هذا الدواء ليس الدواء الأجنبي الذي يشتريه كلّ مرّة، بل هو نسخة معدلة منه، ومصنّعة محلياً.

أحد الصيادلة من الريف الغربي في محافظة درعا، تحدث إلى درعا 24 وقال (على سبيل المثال) بأنّ دواء ميروبينيم (Meropenem) المضاد الحيوي الذي يُعطى في الحالات الشديدة مثل “ذات الرئة”، والذي تم استعماله مؤخراً في حالات كوفيد – 19 القوية، كان سعر المُستورد منه بشكل نظامي من 35 إلى 50 ألف ليرة سورية – حسب بلد التصنيع – وأمّا المُهرّب فإنّ سعره لا يقلّ عن 27 ألف ليرة. يقول الصيدلاني “قبل فترة قصيرة عُرض هذا الدواء عليّ بأقل من 7 آلاف ليرة، وعند فتح العلبة، تبيّن أن المادّة المصنوعة، هي عبارة عن بودرة أو طحين، هي لن تنفع المرضى مُطلقاً بل ربّما تضرهم”.

تتبّعت درعا 24 هذه الوقائع، والوقائع الأخرى المشابهة في محافظة درعا، والتقى عاملين في قطاع بيع الأدوية، وعاملين سابقين في تصنيع أدوية أجنبية محلياً، وكشف عن مكنات مُخصّصة، وعلب أدوية أجنبية، يتم تهريبها من دول مجاورة، وكشف عن أدوية منتهية الصلاحية، ولكن يتم تعديل تاريخ إنتاجها.

عامل في قطّاع بيع وتوزيع الأدوية تحدث إلى درعا 24 بأنّ الكثير من المرضى يشتكون من ارتفاع أسعار الأدوية، خاصّة بعد رفع الأسعار الأخير من قبل وزارة الصحة، والدواء المستورد عن طريق الشركات النظامية سعره مرتفع جداً أيضًا، ويعجز المواطنون عن شرائه. فمثلاً علبة دوفاكين – Dovaken تُباع المستوردة منها بشكل نظامي في الصيدليات بحدود الـ 75 ألف ليرة سورية، بينما المُهرّبة تُباع بأقل من 50 ألف ليرة. يقول: “أجبرت الحكومة المواطنين على شراء الأدوية المُهرّبة، حيث أسعار الأدوية المُستوردة مرتفعة جداً، وغالباً غير متوفرة”.

إقرأ أيضًا: أسعار الدواء مختلفة بين صيدلية وأخرى، فما السبب؟

بدايات تصنيع الأدوية الأجنبية محلياً

بعد فرض اتفاقية التسوية والمصالحة في منتصف العام 2018، وإعلان السلطات في سوريا سيطرتها على الجنوب السوري كاملاً، وإعادة فتح معبر نصيب – جابر على الحدود الأردنية السورية، وأصبح الجانب السوري تحت سلطة أجهزة أمنية، ومليشيات محلية تابعة لها، نشط في بداية فتح المعبر إدخال مكنات لصناعة نوعيات معينة من الشوكولا صغيرة الحجم، وحبات “السميري” المعروفة، وحسب مصدر مُطّلع رفض الكشف عن اسمه، فإنّ هذه المكنات صغيرة الحجم، ويسهل تركيبها في مساحات صغيرة، وقد أصبحت هذه المكنات تُستعمل لصنع حبات الدواء والذي من المفترض أن يكون مُهرّب، بينما هو ليس إلا عبارة عن مواد عادية لا علاقة لها بالمادة الدوائية.

حسب مصدر آخر فهناك عدّة ورشات في محافظات درعا والسويداء وريف دمشق، أمّا قي درعا فتتوزع الورشات، في بلدة نصيب والحراك شرقي درعا، وقرية خراب الشحم غربها، والشيخ مسكين وسطها، وشمال درعا في مدينة الصنمين.

إقرأ أيضًا: هل سترتفع أسعار الدواء أيضاً كبقية الأسعار؟

طريقة التصنيع، وكيف يتم الحصول على المواد؟

حسب شهادة أحد العاملين في تصنيع أدوية أجنبية محلياً، فإنّه يتم الحصول على علبة دواء من نوع معيّن لإحدى شركات الدواء العالمية، من دول مجاورة “لبنان – الأردن – تركيا – العراق”، ويتم طحن هذه الحبوب، وإضافة مواد أخرى عليها، فيتم بذلك تصنيع كميات كبيرة بمواد أساسية قليلة جداً، من خلال مكنات الحلويات و”السميري” والتي تم تهريبها مسبقًا من معبر نصيب – جابر، ويتم طباعة قوالب لشركات أدوية أجنبية، بالإضافة إلى العُلَب، وطرحها في الأسواق بأسعار رخيصة. 

تتبّعت درعا 24 عمل بعض هذه الورشات، والتي يملكها تجّار كبار وأصحاب رؤوس أموال، وتبيّن أنّهم يحصلون على بعض المواد الدوائية والتي يتم إضافتها لتصنيع هذه الأدوية، من معامل الأدوية وشركاتها في سوريا، ومن شركات الاستيراد، ومن مواردها المختلفة، بما فيها وزارة الصحة في سوريا، ولتسهيل عملهم وتنقّلهم، شكّلوا شراكات مع ضبّاط في الأجهزة الأمنية وضبّاط في الفرقة الرابعة.

فيما يخصّ الطباعة فقد علمتْ درعا 24 بأنّ هناك أصحاب مطابع، وبالذات في المنطقة الغربية من درعا، يقومون بتنفيذ عمليات طباعة العلب الكرتونية المزوّرة، ووضع كود جديد، ويتم استخدام أسماء شركات عالمية، يثق فيها جميع الناس، بينما يحصلون في غالب الأحيان على المواد الأولية من شركات أدوية محلية.

إقرأ أيضًا: وزارة الصحة ترفع أسعار الأدوية استجابةً لطلب معامل الأدوية

تزوير تواريخ لأدوية منتهية الصلاحية، وتورط مشافٍ خاصة في صفقات أدوية فاسدة

تحدث كذلك إلى درعا 24 عامل في أحد المطابع بريف درعا، بأنّه بالإضافة إلى طباعة علب الأدوية، فإن هناك أيضاً من يقومون فقط بتغيير تاريخ الصلاحية للعلبة، ووضع كود جديد، بحيث تصبح كأنها علبة جديدة، بتاريخ جديد.

منذ قرابة 10 سنوات، وبعد عجز الكثير من المواطنين من التوجه إلى المشافي في مراكز المدن، وتوقف الدعم الحكومي للمشافي في المناطق الخارجة عن سيطرة السلطات في سوريا، نشطت في ذلك الوقت مشافي ميدانية، دعمتها منظمات طبية دولية، وزودت العديد منها بأدوية أجنبية، وبأجهزة حديثة. 

وبعد سيطرة الجيش والأجهزة الأمنية في العام 2018 على الجنوب السوري، تم إغلاق هذه المشافي، ونقل بعض معداتها إلى مشافي رئيسية ضمن مراكز المدن، وسرقة الكثير منها من قبل ضباط في الأجهزة الأمنية والجيش، والقوات المحلية الرديفة لها، وتم بيع الكثير من الأجهزة والأدوية والمستحضرات المسروقة لبعض المشافي الخاصة. 

لم يتم الكشف عن السرقة وعمليات البيع من قبل الأجهزة الأمنية بل تم التستر عليها بسبب مكاسب شخصية ومادية تم تحقيقها خلال ذلك كون العديد من ضباطها مشتركين في هذه العملية.

إقرأ أيضًا: في انتظار توريدات وزارة الصحة، حياة مرضى الفشل الكلوي في خطر!

أدوية منتهية الصلاحية في أحد مشافي مدينة درعا

تم في شهر يونيو / تموز 2021 الكشف عن أدوية فاسدة موجودة في أحد المشافي الخاصة في درعا، حيث تم ضبط كميات كبيرة من الأدوية المنتهية الصلاحية معظمها أدوية تخدير.

وتحدث حينها مصدر من فرع الأمن الجنائي عبر صحيفة الوطن شبه الرسمية، بأنّه وبناء على المعلومات الواردة لقيادة شرطة محافظة درعا، بأنّ الكميات المنتهية الصلاحية التي تم ضبطها كبيرة، تضم مئات العبوات من الأدوية المخدرة وآلاف القطع من المستلزمات الطبية المنتهية الصلاحية من فترات متنوعة، ويتم استخدامها في غرف العمليات.

وقال المصدر، بإنّ مصدر تلك الأدوية والمستلزمات هي مناطق كانت سابقاً خارج السيطرة في المحافظة، وبأنّ بعضها أميركية وتركية وأوروبية المنشأ، وبعضها أردني ومصري، إضافةً لوجود مستودع تجهيزات طبية وأدوية عمرها أكثر من عشر سنوات، ويتم استخدامها رغم انتهاء صلاحيتها.

وأكد المصدر أنه تم توقيف مدير المشفى والمدير الإداري وإلقاء القبض على باقي المتورطين واعترفوا أن الغاية الأساسية هي الربح المادي وشراء المواد بسعر بخس لكونها منتهية الصلاحية، ومن خلال تحري جوالات المتورطين تم التأكد من أن صاحب المشفى يتفاوض مع الموردين لشراء مواد منتهية أو مقاربة للانتهاء لرخص ثمنها، إضافة إلى أنه يتم تغطية الكميات الموجودة من الأدوية الفاسدة عبر فواتير وهمية لتغطية مصدرها الأساسي.

“انتحار” أحد المتورطين في قضية الأدوية الفاسدة

بعد اعتقالهم بأيام قليلة جداً، أعلنت صفحات إعلامية رسمية في درعا إقدام أحد المتورطين الرئيسيين بقضية الأدوية المنتهية الصلاحية، وقالت تلك المصادر حينها بأنّ انتحار هذا الشخص يخفي أمور كثيرة، كانت ستساعد في اكتشاف أمور جديدة وأوسع في هذه القضية. لكن تم التكتم على ذلك، ثم حذفت هذه الصفحات المنشور، وأعلنت تحويل المتورطين في القضية إلى محكمة الإرهاب في العاصمة دمشق. 

يعتبر ملف الدواء بشكل عام في سوريا من أعقد الملفات خلال السنوات العشر الأخيرة، وتتلاعب فيه شركات الأدوية الكبرى، وتتحكم في تسعير الأدوية، وترفع أسعارها دون أي ضوابط من وزارة الصحة أو الأجهزة المختصة بذلك، وقد أجبرت في شهر يونيو – تموز 2021 هذه الشركات وزارة الصحة على رفع أسعار أكثر من 11 ألف صنف دوائي، وبنسبة تقارب 30%. في وقتٍ أصبح فيه الدواء مثل أي سلعة تجارية في السوق المحلي، وعلى الرغم من حاجة المواطنين له أكثر من حاجتهم لبقية السلع بما فيها الطعام والشراب، فإن هناك صعوبات كبيرة تواجه المواطنين في الحصول عليه في محافظة درعا وعموم المحافظات السورية.

الرابط المختصر: https://daraa24.org/?p=13994قناة درعا 24 على تيليجرام

أخبار متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *