تعتبر القهوة العربية في حوران تقليداً أصيلاً يتوارثه الأبناء عن الآباء والأجداد. وهي من أساسيات المضافات الحورانية، ومن أهم مرتكزات التراث الشعبي الحوراني، التي مازالت مستمرة منذ القِدَم وإلى يومنا هذا، والقهوة المرّة موجودة في معظم البيوت في حوران وخاصة في منطقة اللجاة.

وكان اليمنيّون أوّل من عمل على تحميص بذور البن وسحقها. وسُجِّل في القرن الرّابع عشر في اليمن أوّل استعمالٍ غير طبّي للبُن. وبدأت زراعته على نطاقٍ واسعٍ منذ ذلك الوقت، ثم انتقلت القهوة من اليمن إلى أنحاء الجزيرة العربية، وبلاد الشام.

image 25
القهوة العربية

صناعة القهوة وتقديمها

يستيقظ الحاج “أبو محمد المقداد” مع شروق الشمس، وشغله الشاغل أن يجهز القهوة المرّة، حيث يقوم بتحميص القهوة وطحنها بالمهباش حيث قال بأن المهباش كان يوضع بالسمن العربي لمدة خمس سنوات، ثم يُخرج بعد أن يكون قد تشبع من السمن ليكون جاهزاً للاستخدام. وفق ما أوضحه أثناء حديثه مع مراسل درعا 24. يقول: “تغير ذلك قليلاً الآن وأصبح كثيرون يستخدمون المطحنة بدل المهباش والمحمصة الكهربائية بدل المحماس والترمس أو براد القهوة بدلا من الدلة، وقلة قليلة حافظت على استخدام الأدوات القديمة، ويشتري البعض القهوة محمصة جاهزة أيضاً”.

قال الحاج «أبو علي» من منطقة اللجاة:” ما زال معظم اهل اللجاة يصنعون القهوة بالطريقة القديمة وخاصة شيوخها ووجهائها حيث تُحمّص القهوة أوّلاً على النار بواسطة “المحماسة”، وتُحرّك القهوة حتى تنضج وتأخذ اللون الأسود تقريبا، ثم تُطحن القهوة بواسطة المهباش، وبعد غليها ووضع البهارات تسكب في الدلة النحاسية”.

وفيما يخص آداب تقديم القهوة، قال: “يجب حمل الدلة باليد اليسرى وأن يشرب المعزّب قبل الضيف فنجاناً واحداً، ثم يقدم القهوة للضيف باليد اليمنى، وإذا شرب الضيف الفنجان الأول يصبّ له الثاني والثالث إلى أن يهز الضيف الفنجان تعبيراً عن أخذ كفايته”.

أضاف «أبو علي» بأن الربابة هي الآلة الموسيقية المفضلة لدى عشائر البدو في اللجاة، ولكن المهباش يُستخدم كآلة موسيقية أيضاً حيث تُوضع القهوة المُحمَّصة داخل المهباش، ويقوم الرجل الذي يطحن القهوة بالطرق داخل المهباش باستخدام عصا المهباش وبنغمة محددة ومتناسقة حيث يصدر عن ذلك لحناً عذباً.

وأما “أبو جميل حامد، 70 عام” من محافظة السويداء، فيقول: “القهوة في مضافات السويداء لا تختلف عنها في مضافات درعا، هي تقليد واحد ومتشابه في كلا المحافظتين، وهذا ما يدل على وحدة الحال بينهما، ويتم تقديمها في بيوت العزاء وفي الأفراح وفي جميع المناسبات”. لافتاً إلى أنها أيضاً لا تغيب في الجاهات وعند عقد رايات الصلح.

ويؤكد ارتباطها بالكثير من معاني الحب والألفة، فهي حاضرة دائما في الحياة الاجتماعية بين الناس، وأثناء حل النزاعات والخلافات، “القهوة ليست فقط مجرد ضيافة بل هي باب الخير”.

تغيّر الحال لكن لم تتغير العادات والتقاليد

كان لانتشار فيروس كورونا في العالم دوراً كبيراً في تغيير عادات المجتمعات، بما فيها المجتمع في حوران، حيث تقديم القهوة اختلف قليلاً، وقلّ تجمّع الناس في المضافات خلال تلك الفترة. يحدثنا حول ذلك الحاج “أبو جميل” يقول: “مع انتشار فيروس كورونا في سوريا، واكتشاف العديد من الحالات من المصابين بالفيروس في السويداء، وما أعقبه من فرض حجر صحي ومنع التجمعات قلّ الضيوف، وبدأنا بتقديم القهوة المرة في كؤوس البلاستيك في الأتراح والأفراح والتي اقتصرت على عدد قليل من المقربين”.

وحول ذلك يشير “أبو محمد” بأن ذات الأمر حصل في درعا أيضاً، يقول: “حتى بيوت العزاء التي كان يتم إنشاؤها توقفنا عن إنشائها، لكن في حالة وفاة أحدهم يتم استقبال التعازي في المنازل وبأعداد قليلة، ويتم تقديم القهوة المرة بطريقة مختلفة”.

image 26

ارتفاع أسعار القهوة ومستلزماتها

رصدت درعا 24 في جولة على الأسعار في الأسواق في بعض المناطق، اتضح خلالها أن سعر الكيلو الواحد من القهوة الخضراء (بدون تحميص) يتراوح بين 35 و 40 ألف ليرة سورية، والقهوة المحمصة فهي تختلف حسب نوعها أيضاً ويبلغ سعر الكيلو 36 ألف ليرة فما فوق، وأما كيلو الهيل الضروري لصناعة القهوة المرة فيترواح سعر الكيلو بين 60 و 90 ألف ليرة سورية ويصل إلى مئة ألف ويتجاوزها حسب جودته ونوعيته.

هذه الأسعار المرتفعة جداً للقهوة والهيل فضلاً عن الغاز الضروري أيضاً لتجهيزها، لم تمنع الحاج السلطان من السويداء ولا المقداد من درعا ولا أبو علي من اللجاة من متابعتهم في صناعة القهوة وتقديمها، مُصرّين على أنها تقليد مهم، وبأنه مهما ارتفعت أسعارها فلا يمكن الاستغناء عنها.

 يؤكد جميعهم بأن سعر الكيلو الواحد من القهوة وما يلزمه من الهيل والغاز وغير ذلك هو ما يزيد على ما يكسبه موظف في الحكومة شهرياً، ولكن ما دامت أوضاعهما المادية تسمح بذلك فهم مستمرون في تجهيزها وتقديمها، مشيرين إلى أن هناك القليل من الناس ممن أقلع عن صناعة القهوة.

تبقى القهوة العربية في حوران سواء في درعا أم السويداء أم اللجاة حاضرة لا تُغيبها الحرب ولا وباء كورونا ولا غلاء أسعارها وضيق المعيشية. تبقى ثقافةً وتاريخاً، ترمز إلى قيم الكرم والمحبة والشجاعة، لا تتبدل ولا تتغير على الرغم من التطورات والاختلافات التي طرأت على المجتمع، فما أن تدخل على العديد من منازل أبناء حوران حتى يسارعون إلى تقديم القهوة.

رابط التقرير: https://daraa24.org/?p=25473

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.