المعتقلون
مفرج عنهم عام 2012 بموجب عفو رئاسي لم يشمل رسميا "متورطين في قضايا إرهاب"

تقول السيدة سهام العلي (اسم مستعار لشابّة من ريف درعا الشمالي) لمراسلة درعا 24: “أخي معتقل من أكثر من عشر سنوات، ولا نعرف إذا كان حياً أو ميتاً، الله وحده يعلم بالعذاب الذي تعانيه عائلتنا، وخاصة عند مشاهدة صور المعتقلين على التلفزيون أو الإنترنت، من يوم اعتقاله إلى اليوم لم تدخل الفرحة دارنا”. تتابع بحرقة: “أمي من عشر سنين لا تلبس إلا الأسود”.

م. أبوزيد المدرس والشاعر من أبناء مدينة درعا، معتقل سابق، يصف بصوت مخنوق للمراسل ظروف اعتقاله وأشكال التعذيب الذي تعرض له: “تم توقيفي من قبل فرع الأمن العسكري، وبقيت فيه لمدة سنة وسبعة أشهر، ثم تم تحويلي إلى سجن صيدنايا… لا أصدق أني خرجت!”.

يضيف: “في الفرع كنت في زنزانة أقل من عشرة أمتار مربعة، ولا يقل عدد الموقوفين فيها عن ثمانين، كنا ننام واقفين، ذقنا جميع أشكال التعذيب الدولاب والشبح و …، لكن ذلك كله لم يكن شيئاً أمام ما تعرضنا له في صيدنايا … تمنينا الموت مع كل صباح ومساء. قُتل الكثير أمام أعيننا، لم ندر عند تصفية أي شخص هل نفرح له أم نحزن عليه”.

هذه الحالات من الاعتقال التعسفي على خلفية المعارضة السلمية لنظام الحكم في سوريا، أو بسبب الرأي والتعبير عن الرغبة في التغيير أمر يعرفه السوريون جيداً، ومنذ عقود. وقد تحوّل بعد آذار – مارس 2011 إلى ظاهرة وجرح مفتوح، خاصة في محافظة درعا التي اندلعت منها الشرارة الأولى للاحتجاجات المستمرة حتى اليوم.

السلطات لا تعترف بوجود معتقلين والمنظّمات توثّق

فيما يُعتبر الحصول على معلومات دقيقة وشاملة حول أعداد المعتقلين، وتفاصيل عن ظروف اعتقالهم، أمر صعب في حالة الأزمات المعقدة، كما هو الحال بالنسبة للصراع السوري، وخاصة مع الغياب التام لأي بيانات رسمية من أطراف النزاع، ولا سيما الحكومة السورية، التي لا تعترف أصلاً بوجود معتقليّ الرأي، وهو ما يؤكده دائماً المسؤولون الحكوميون، من مختلف المستويات، ففي لقاء مع قناة روسيا اليوم في حزيران 2022 قال الرئيس السوري : “لا يوجد في سوريا ما يُسمّى معتقل سياسي … المعارضة للحكومة شيء، والتعدي على المسلّمات الوطنية شيء آخر”.

على النقيض من ذلك، هناك العديد من المنظمات والهيئات الحقوقية المحلية والدولية، التي تعمل على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، وتقديم معلومات حول المعتقلين. فوفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن حصيلة الاعتقال التعسفي، منذ آذار 2011 حتى حزيران 2023: لا يزال 155243 شخصاً بينهم 5204 طفلاً و 10171 سيدة قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري، على يد أطراف النزاع و القوى المسيطرة في سوريا، وأن قوات النظام مسؤولة عن 88% من هذه الحالات.

إقرأ أيضاً: الإفراج عن المعتقلين، وحجم الكارثة في سوريا

 ‏وفي محافظة درعا ووفقاً لقاعدة البيانات في مكتب توثيق الشهداء في درعا بلغ عدد المعتقلين والمفقودين في المحافظة، ما يزيد على 6800 شخصاً، لا يعرف عن مصيرهم شيء. وعلى الرغم من إعلان الحكومة السورية سيطرتها على درعا في صيف 2018، بعد اتفاق التسوية، الذي تم التوصل له، بوساطة روسية، تضمنت تسليم السلاح وتسوية أوضاع من كانوا مطلوبين لحكومة دمشق، إلا أن عمليات الاعتقال لم تتوقف.

قال محمد الشرع أحد أعضاء مكتب توثيق الشهداء في درعا، في تصريح لوكالة نورث بريس، إنه لا يوجد سبب واضح أو محدد لاستمرار القوات الحكومية بالاعتقالات، والتي لم تتوقف منذ صيف العام 2018، ولغاية اليوم.

 وفقاً لقسم المعتقلين والمختطفين في مكتب التوثيق، فقد تم توثيق ما لا يقل عن: 19 معتقلاً ومختطفاً، خلال شهر أيار / مايو 2023 فقط، تم إطلاق سراح 5 منهم في وقت لاحق من ذات الشهر. علماً أن هذه الإحصائية لا تتضمن من تم اعتقالهم بهدف سوقهم للخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياطية.

ينوه مكتب التوثيق أن الأعداد الحقيقية للمعتقلين هي أعلى مما يتم توثيقه، حيث يواجه المكتب رفض وتحفظ العديد من عائلات المعتقلين، عن توثيق ببيانات ذويهم، نتيجة مخاوفهم من الوضع الأمني داخل محافظة درعا.

فيما وثقت رابطة معتقلي ومفقودي الجنوب، منذ أيام قليلة في 14 حزيران / يونيو 2023، وفاة الشاب “رامي محمد فايز الحريري” من بلدة صيدا من ريف محافظة درعا الشرقي، بعد اعتقال دام قرابة السنتين والنصف في سجن صيدنايا العسكري سيء الصيت، وذلك على الرغم من حمله لبطاقة تسوية.

من الجهات المسؤولة عن عمليات الاعتقال؟

وعن الجهة المسؤولة عن عمليات الاعتقال في درعا، يذكر الناشط الحقوقي ع. المسالمة لمراسل درعا 24 أن ثلاثة أفرع أمن مسؤولة عن عمليات الاعتقال في محافظة درعا، وهي شعبة المخابرات العسكرية، وفرع أمن الدولة، وفرع المخابرات الجوية.

اما عن الاعتقالات من قبل غير الأفرع الأمنية، فقد أكد المسالمة على حدوث بعض حالات الاعتقال من قبل الفصائل المحلية في درعا، في الفترة بين 2012 و2018 إلا انه لا تتوفر أرقام دقيقة عن ذلك، واكد ان هذه الاعتقالات توقفت بعد حزيران 2018.

بدوره المحامي أحمد الزعبي بيّن لمراسلنا أن المعتقلين في درعا يفتقرون إلى حقوقهم القانونية الأساسية، مثل الوصول إلى محاكمة عادلة وحق الدفاع، بالإضافة إلى الغياب الكامل للإجراءات القانونية المنصفة، وسيطرة النظام السوري على القضاء.

ويؤكد الزعبي معاناة الأطفال والنساء الذين يتم اعتقالهم من ظروف صعبة وقسوة، حيث يفتقدون الرعاية الصحية والتعليم، ويتعرضون لمخاطر العنف والاعتداءات الجنسية والتعذيب.

آثار الاعتقال تحفر في الأجساد والنفوس

إن الكشف عن مصير المعتقلين في محافظة درعا أمر يؤرق ذويهم والمؤسسات الحقوقية والمدنية في المحافظة، ولا سيما في ضوء التقارير والتسريبات والشهادات التي تتحدث عن أشكال قاسية جداً للتعذيب يتعرض له المعتقلون.

تنقل رابطة معتقلي ومفقودي صيدنايا الكثير الكثير من الشهادات الحية لصور التعذيب التي تعرض لها معتقلو صيدنايا.

لقد حفرت اشكال التعذيب وصور العذاب التي تعرض لها المعتقلون المفرج عنهم عميقاً في أجسادهم ونفسياتهم. يقول الدكتور عيسى الخطيب من أبناء حوران: “عندما تخصصت في الطب النفسي، لم أكن أتوقع أن أعالج حالات بالقسوة والصعوبة التي لمستها عند معالجة أشخاص تعرضوا للاعتقال. تضمنت التدخلات الطبية التي مارستها مع هذه الحالات جلسات الدعم النفسي والاجتماعي، علاج أشكال متقدمة من الاكتئاب، الامراض الجسدية ذات المنشأ النفسي، الإحالة إلى أطباء عصبية وقلبية وداخلية”.

اما المرشدة الاجتماعية ريم الخالد فتحدث مراسلتنا عن الآثار النفسية والاجتماعية القاسية، التي يتعرض لها النساء والأطفال بعد الإفراج عنهم: “لاحظنا تعرض بعض المعتقلات للطلاق، وتعاني كثير من المعتقلات السابقات من الوصمة، يعاني الأطفال الذين تعرضوا للاعتقال من أمراض نفسية، ويجدون صعوبة في الاندماج في المجتمع، بالإضافة إلى تسربهم من التعليم”.

انحسرت الأعمال العسكرية في محافظة درعا، لكن لم تتوقف عمليات الاعتقال، ولم يتم الكشف عن مصير المعتقلين، وبالرغم من الألم والحسرة، يعيش أهل حوران، كما كل السوريين على أمل عودة المعتقلين.

الرابط: https://daraa24.org/?p=31682

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *