كان للصلح العشائري في محافظة درعا دورٌ أساسي في احتواء النزاعات خلال السنوات الماضية، ولا سيما في ظل غياب القانون وتراجع مؤسسات الدولة إبّان حكم نظام الأسد. وفي ذلك السياق، شكّل الصلح إطارًا اجتماعيًا للحدّ من توسّع الخلافات ومنعها من التحول إلى ثارات أو مواجهات مفتوحة، وما يزال يلعب هذا الدور في العديد من القضايا حتى اليوم.
ويرى عدد من أصحاب الحقوق، في حديثهم عبر بريد صفحة درعا 24، أن الصلح يتعرّض اليوم في بعض القضايا للاستغلال، إذ يقولون إنهم يواجهون ضغوطًا اجتماعية تدفعهم إلى القبول بالتسوية، بصرف النظر عن طبيعة الفعل أو خطورته.
ويشير هؤلاء إلى أن الصلح يُستخدم أحيانًا كمسار يُفضي إلى العفو عن الفاعلين دون محاسبتهم، ولا سيما في الحوادث الناتجة عن التهوّر أو الاستهتار المتعمّد بأرواح المدنيين. وفي مثل هذه الحالات، يُغلَق الملف اجتماعيًا قبل تثبيت المسؤوليات، ما يحدّ من إمكانية الردع ويُبقي أسباب الحوادث قائمة.
بينما يُميّز كثير من الوجهاء والفاعلين الاجتماعيين بين حالات الخطأ غير المقصود، التي قد يكون العفو فيها خيارًا مشروعًا إذا تمّ بإرادة حرّة، وبين حالات التهوّر المتعمّد، التي يتطلّب التعامل معها إجراءات رادعة تضمن عدم تكرارها وحماية السلامة العامة.
ويؤكد أحد الوجهاء، في حديثه للشبكة، أن بعض لجان الصلح في بعض المناطق تركّز على الوصول إلى حلّ سريع وإنهاء المشكلة، ما يدفعها أحيانًا إلى التوجّه نحو الطرف الأضعف وإقناعه بقبول الصلح، حتى وإن لم يشعر بأنه نال حقه الكامل. ويوضح أن هذا الإقناع غالبًا ما يتم عبر استحضار عبارات من قبيل “القضاء والقدر” و”العفو عند المقدرة”، الأمر الذي يضع صاحب الحق في موقف حرج ويدفعه إلى التنازل دون إنصاف فعلي.
مضيفًا، بعد سقوط نظام الأسد وبدء تشكّل قضاء ناشئ يجب فرض واقع مختلف، يُفترض فيه ألا يعمل الصلح العشائري بمعزل عن القانون، بل بوصفه مسارًا مكمّلًا له. فالمحاسبة القانونية تبقى الإطار الناظم لتحديد المسؤوليات وحماية الحقوق، فيما يقتصر دور الصلح على معالجة الآثار الاجتماعية للنزاع ومنع امتداده إلى دوائر أوسع من العنف.
وفي هذا الإطار، يبرز تحدّي إعادة ضبط العلاقة بين العرف والقانون، بما يضمن الحفاظ على دور الصلح في حماية السلم الأهلي، دون أن يتحوّل إلى أداة تُستخدم لتجاوز العدالة أو تعطيل المحاسبة. فاستقرار المجتمع، بحسب متابعين للشأن المحلي، يرتبط بوجود آليات واضحة توازن بين احتواء النزاعات وضمان عدم تكرارها.
فهل يمكن للصلح العشائري في درعا أن يؤدي دوره في حماية السلم الأهلي دون أن يتحوّل إلى بديل عن المحاسبة القانونية؟






