“أم محمد”.. خيّاطة حورانيّة حاكت مستقبل عائلتها من رماد الحرب

"أم محمد".. خيّاطة حورانيّة حاكت مستقبل عائلتها من رماد الحرب
"أم محمد".. خيّاطة حورانيّة حاكت مستقبل عائلتها من رماد الحرب

في منزلٍ متواضعٍ بمدينة جاسم بريف درعا الشمالي، تحتفظ “أم محمد” بآلة خياطة، كشاهدٍ على رحلة بقاءٍ طويلةٍ وسط حربٍ مزّقت البلاد خلال السنوات الخمسة عشر الماضية. بالنسبة لها، كانت تلك الآلة وسيلة لإطعام أربعة أطفال، وحمايةً لها ولعائلتها من مدّ اليد للآخرين.

تقول: “ما كان عندي أي خيار، يا بشتغل يا بضيع الأولاد”.

قبل سنوات من تحوّل البلاد إلى ساحة حربٍ مفتوحةٍ، تزوجت أم محمد من رجل منفصل، وانتقلت إليها مسؤولية طفلين صغيرين. لاحقاً، أنجبت منه طفلين آخرين، لكن حياتها ازدادت تعقيداً في عام 2014، حين قُتل زوجها إثر سقوط قذيفة بفصف للنظام البائد أثناء تواجده في مكان عمله.

وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن أربعة أطفال، في بلد ينهار اقتصادياً وأمنياً، ومن دون أي مصدر ثابت للدخل. ولم يكن أمامها متسعٌ للحداد، حيث بدأت العمل في الحقول الزراعية كعاملة مياومة، وقضت ساعات طويلة خلف ماكينة الخياطة، تصلح الملابس للأقارب والجيران، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الأسرة.

تروي السيّدة: “كنت أشتغل بالأرض الصبح، والمسا وبالليل أخيط للناس. أهم شي الأولاد ما يحتاجوا حدا”.

ورغم قسوة الظروف، تمكن الابن الأكبر من إكمال دراسته، واليوم يعمل في اختصاصه في القطاع الصحي.

أما الابن الآخر، فيدرس الهندسة، في مفارقة تختصر جانباً من الحكاية السورية نفسها: عائلة فقدت معيلها تحت أنقاض الحرب، لكنها بقيت تحاول تعلّم كيفية البناء.

تقول إحدى النساء المقرّبات من العائلة إن أم محمد لم تفرّق يوماً بين طفلي زوجها وطفليها البيولوجيين، وتعاملت مع الأربعة بوصفهم أبناءها جميعاً، في وقت دفعت فيه الحرب كثيراً من العائلات إلى التفكك والتشتت.

في سوريا، حيث تصدّرت صور الدمار والقتال عناوين الأخبار لسنوات، بقيت قصص كهذه بعيدة عن الضوء؛ قصص نساء حملن أعباء العائلة كاملة، بصمت، ومن دون خطاب بطولي. ولم يكن صمودها شعاراً سياسياً، بل فعلاً يومياً كان يتكرر أمام ماكينة خياطة قديمة، وبين تحمّل عبء أطفال كان عليها أن تمنحهم فرصة للاستمرار، ونجحت بذلك.

اقرأ أيضاً: عمل المرأة في درعا: بين نظرة المجتمع والإيمان بأهمية دورها

موضوعات ذات صلة