الباحث الاقتصادي محمد العُلبي لدرعا 24: الانتقال السريع نحو “تحرير السوق” دون بناء مؤسسات يقود إلى اقتصاد احتكاري لا اقتصاد حرّ

الباحث الاقتصادي محمد العُلبي لدرعا 24: الانتقال السريع نحو "تحرير السوق" دون بناء مؤسسات يقود إلى اقتصاد احتكاري لا اقتصاد حرّ
الباحث الاقتصادي محمد العُلبي لدرعا 24: الانتقال السريع نحو "تحرير السوق" دون بناء مؤسسات يقود إلى اقتصاد احتكاري لا اقتصاد حرّ

العُلبي: الاقتصاد يبدأ بالتعافي عندما يستطيع المواطن إيجاد فرصة عمل، ويستطيع شراء الخبز والوقود والدواء

تستمر التحديات الاقتصادية والمعيشية في سوريا، ويتصاعد الحديث عن “اقتصاد السوق الحر” ورفع الدعم ودخول الاستثمارات، وتتزايد مع كل ذلك تساؤلات السوريين حول مستقبل الأسعار والرواتب وفرص التعافي الاقتصادي الحقيقي، في وقت ما تزال فيه القدرة الشرائية تتراجع، وتواجه القطاعات الإنتاجية والزراعية صعوبات متزايدة، وسط مخاوف من اتساع الفجوة الاجتماعية وتركّز الاستثمارات في مناطق محددة دون غيرها.

للحديث حول ذلك والعديد من المواضيع الاقتصادية الأخرى، أجرت درعا 24 مقابلةً مع الباحث الاقتصادي السوري محمد العُلبي، حول مؤشرات التعافي الاقتصادي، وتأثير تحرير السوق ورفع الدعم، وأسباب التضخم وارتفاع الأسعار، إضافة إلى واقع الاستثمار والبيئة القانونية، ومستقبل الزراعة واقتصاد الظل في سوريا.

ما المؤشرات الأساسية التي تنظر إليها اليوم كباحث اقتصادي للحكم على صحة أو تعافي الاقتصاد السوري؟

لا يمكن الحكم على تعافي الاقتصاد السوري من خلال التصريحات السياسية أو الوعود الاستثمارية وحدها، بل عبر مؤشرات ملموسة تتعلق بحياة الناس والإنتاج الحقيقي. شخصياً أنظر إلى التضخم، القدرة الشرائية، البطالة، استقرار سعر الصرف الحقيقي لا الرسمي، حجم الإنتاج الزراعي والصناعي، مستوى الصادرات، توافر الكهرباء والطاقة، وحجم الفقر وانعدام الأمن الغذائي. كل هذه المؤشرات توفرها دراسات باحثين سوريين ومؤسسات دولية عاملة في سوريا بالتنسيق مع الحكومة، بينما تقوم الحكومة بإخفائها وتتذرع غالباً بضعف الإمكانيات.

الاقتصاد يبدأ بالتعافي عندما يستطيع المواطن إيجاد فرصة عمل، ويستطيع شراء الخبز والوقود والدواء

الباحث الاقتصادي محمد العُلبي

الاقتصاد لا يتعافى عندما تُعلن مشاريع بمليارات الدولارات مِن المشكوك في إنجازها. الاقتصاد يبدأ بالتعافي عندما يستطيع المواطن إيجاد فرصة عمل، ويستطيع شراء الخبز والوقود والدواء. وهذا التعافي يتطلب توفير بيئة قابلة للتنبؤ للمستثمر والمُنتج، بلا خوف من عشوائية السياسات، وتعدد مراكز القرار، وبلا خوف من توافر الطاقة أو شح السيولة وتقلب سعر الصرف.

يُطرح اليوم كثيراً مصطلح اقتصاد السوق الحر” في سوريا، لكن ماذا يعني ذلك فعلياً في بلد يعيش ظروفاً استثنائية؟ وهل تعتقد أن السوق السوري مهيأ فعلاً لاقتصاد حر وتنافسي؟

مصطلح “اقتصاد السوق الحر” يُستخدم اليوم في سوريا بكثير من التبسيط، وكأنه مجرد رفع للدعم وخصخصة لبعض القطاعات وتحرير للأسعار. لكن اقتصاد السوق الحقيقي يحتاج إلى مؤسسات قوية، قضاء مستقل، قوانين واضحة، شفافية، منافسة عادلة، حماية للملكية، ومنع للاحتكار. كلها شروط غير متوفرة.

في الحالة السورية، نحن لا نعيش سوقاً حرة بالمعنى الاقتصادي الحقيقي، بل سوقاً عشوائية مشوهة تعاني من ضعف الدولة المؤسساتي، وتداخل النفوذ السياسي مع الاقتصادي، وغياب بيئة تنافسية متكاملة. لذلك، فإن الانتقال السريع نحو «تحرير السوق» دون بناء هذه المؤسسات يقودنا تدريجياً إلى اقتصاد احتكاري (رأسمالية محاسيب) أكثر منه اقتصاداً حراً.

سوريا تحتاج إلى إعادة بناء اقتصادها ولكن بشكل متدرج ومحسوب بدقة وبشكل علمي، يوازن بين الانفتاح الاقتصادي وبين الحماية الاجتماعية ودور الدولة التنظيمي، لا إلى قفزات غير مدروسة تتسبب بتدهور أحوال المواطنين، وتراكم المشاكل سيتسبب بالنهاية بمشكلة سياسية للسلطة نفسها، وأعتقد أن الاحتجاجات المختلفة في الآونة الأخيرة مؤشر شديد الوضوح على بداية تزعزع عميق للثقة.

إلى أي مدى يمكن أن يؤدي تحرير السوق في سوريا بغياب الضوابط والرقابة إلى زيادة الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء؟

هذا الخطر قائم بالفعل، وربما بدأنا نلمسه منذ الآن. في الاقتصادات المستقرة قد يؤدي تحرير السوق إلى زيادة الكفاءة والإنتاج، لكن في غياب مؤسسات رقابية قوية، فإن النتيجة قد تكون نقل الثروة بشكل متسارع نحو الفئات الأقوى مالياً والأكثر قرباً من النفوذ.

الخطر هنا إذاً ليس في السوق بحد ذاته، وإنما في تحرير سوق غير متكافئة أصلاً

الباحث الاقتصادي محمد العُلبي

عندما تُرفع الأسعار والدعم بسرعة، بينما تبقى الأجور منخفضة، وتغيب المنافسة الحقيقية، يتحول العبء بالكامل إلى الطبقات الفقيرة والمتوسطة، دون حتى الحاجة لفرض ضرائب عليها، وأعتقد أن مسودة القانون الضريبي التي تفخر السلطة بإعفاء الفقراء من الضرائب هي أكبر إدانة لها، هذا يطول شرحه، لكن من يفهم كيف تُصاغ السياسات يعرف ذلك تماماً.

الخطر هنا إذاً ليس في السوق بحد ذاته، وإنما في تحرير سوق غير متكافئة أصلاً، حيث يملك البعض القدرة على الاحتكار والوصول إلى الموارد والتمويل، بينما يعجز معظم السوريين حتى عن حماية دخولهم من التآكل اليومي.

الاقتصاد السوري بعد سقوط النظام: بين المبادرات المحلية واستثمارات المليارات
اقرأ أيضاً: الاقتصاد السوري بعد سقوط النظام: بين المبادرات المحلية واستثمارات المليارات

ما الأسباب الحقيقية لتضخم الأسعار الحالي؟ ولماذا يشعر المواطن أن دخله يتآكل؟

التضخم الحالي في سوريا ليس ناتجاً عن عامل واحد فقط. هناك ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة وهذه عوامل مُستوردة، ولكن اعتمادنا الواسع على الاستيراد، والتراجع حاد في الإنتاج المحلي، إضافة إلى أزمة الثقة النقدية وتقلبات سعر الصرف والسياسات المالية والنقدية المتشددة التي تخنق السوق بدل معالجته هي عوامل داخلية لن تتغير إن تراجع التضخم المستورد، بعكس ما يظنهُ البعض ويسوّق له في الإعلام.

المواطن يشعر بأن دخله يتآكل لأن الأسعار تتحرك بسرعة أكبر بكثير من الأجور. حتى عندما ترتفع الرواتب أو تُمنح «مكرمات»، فإنها غالباً تكون أقل بكثير من معدل ارتفاع الأسعار الحقيقي. لذلك، يصبح المواطن عملياً أفقر مع مرور الوقت حتى لو ارتفع دخله «الاسمي» قليلاً.

في ظل البدء بخطوات نحو خصخصة بعض القطاعات في سوريا، ورفع أسعار الكهرباء والاتصالات وغيرها؛ هل تعتقد أن رفع الدعم هو ضرورة اقتصادية أم أنه خطأ وأثره سيء على المواطن؟

رفع الدعم قد يكون ضرورة مالية في بعض الحالات، خاصة عندما يكون الدعم عشوائياً أو غير عادل أو يذهب إلى شبكات الفساد والتهريب، لكن المشكلة ليست في المبدأ وحده، بل في طريقة التنفيذ وتوقيتها.

لا يمكن رفع أسعار الكهرباء والمحروقات والاتصالات في بلد يعاني غالبية سكانه من الفقر دون وجود بدائل حقيقية، ودون بناء شبكة حماية اجتماعية فعالة.

المشكلة اليوم أن كثيراً من السياسات تُطبق بمنطق مالي بحت يركز على تخفيف العبء عن الخزينة، دون النظر الكافي إلى أثر ذلك على الاستقرار الاجتماعي والقدرة الشرائية. وفي اقتصاد منهك، قد يؤدي رفع الدعم غير المدروس إلى تعميق الركود لا إلى الإصلاح، أي قد يأتي بنتائج عكسية.

الحديث يتزايد عن الاستثمارات والوعود العربية ويتم الإعلان حول ذلك بشكل مستمر؛ ما الذي يمنع المستثمر فعلياً من العمل في سوريا؟ وماذا عن البيئة القانونية؟

المستثمر لا يبحث فقط عن فرص الربح، بل عن بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ. المشكلة في سوريا اليوم ليست فقط العقوبات أو التمويل، بل أيضاً ضعف البيئة المؤسساتية والقانونية. ورغم رفع الجزء الأكبر من العقوبات، لا يزال هناك عقبات خارجية: تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، ووجودها على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية، إضافة إلى الامتثال المفرط من طرف البنوك المُراسلة والعالمية بسبب السمعة السيئة ووجود سوريا ضمن مجموعة الدول E1، هذا يرفع على الجميع تكاليف التأمين والامتثال ويجعل من سوريا طاردة.

أما على الصعيد الداخلي، فهناك مخاوف مرتبطة باستقلال القضاء، وضمان الملكية، وآليات فض النزاعات، والقدرة على تحويل الأرباح، إضافة إلى تعدد مراكز القرار والفساد والبيروقراطية. حتى المستثمر المتحمس للدخول إلى سوريا يُفاجأ غالباً بحجم التعقيدات الإدارية والقانونية والضبابية التنظيمية.

الاستثمار يحتاج ثقة طويلة الأمد، وهذه الثقة لا تُبنى عبر المؤتمرات والإعلانات فقط، وإنما عبر إصلاحات فعلية تضمن استقرار القوانين ووضوح العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، وهذا لا يمكن أن يقوم في بيئة محاسيب.

هل ترى أن المشاريع الاستثمارية التي يتم الإعلان عنها، إن تحققت، ستنعكس على المحافظات الجنوبية كدرعا مثلاً أم ستبقى محصورة في دمشق ومحيطها؟

الخطر الحقيقي أن تبقى الاستثمارات متركزة في دمشق وبعض المناطق المحيطة بها أو في قطاعات محددة كالعقارات والخدمات والاتصالات، بينما تبقى المحافظات الطرفية خارج الدورة الاقتصادية الفعلية.

لكي تستفيد المحافظات الجنوبية أو الشرقية أو الزراعية، لا بد من وجود سياسة تنموية واضحة تقوم على توزيع الاستثمار جغرافياً، وربط المشاريع بالتشغيل المحلي والبنية التحتية والإنتاج الحقيقي، لا بالمضاربات العقارية فقط.

إذا غابت هذه الرؤية، فإن الفجوة التنموية بين المركز والأطراف ستتعمق أكثر، وهو ما يحمل مخاطر اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية على المدى الطويل.

السياسات المطلوبة تبدأ بتخفيض كلفة الإنتاج عبر توفير المحروقات الزراعية بأسعار مدعومة

الباحث الاقتصادي محمد العُلبي

اقرأ أيضاً: بعد احتجاجات… مرسوم رئاسي يمنح مكافأة تشجيعية على تسعيرة القمح

تواجه المحافظات الزراعية في الجنوب ومناطق أخرى في سوريا تحديات هائلة في كُلف الإنتاج من محروقات وأسمدة وأدوية وغيرها؛ كيف يمكن للسياسات المالية الحالية أن تدعم الفلاح؟

دعم الفلاح يجب أن يكون أولوية اقتصادية لا مجرد ملف اجتماعي. سوريا دولة زراعية ولن يغير من ذلك تشييد فندقٍ في دمشق. الزراعة أحد أعمدة الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.

السياسات المطلوبة تبدأ بتخفيض كلفة الإنتاج عبر توفير المحروقات الزراعية بأسعار مدعومة ومنضبطة، وتأمين الأسمدة والبذار والقروض الزراعية، وتحسين النقل والتخزين والتسويق، إضافة إلى وضع سياسات شراء حكومية عادلة للمحاصيل الاستراتيجية.

إذا تُرك الفلاح وحيداً أمام ارتفاع التكاليف وتقلبات السوق، فإن النتيجة ستكون تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد، ويحوّل الفلاح تدريجياً إلى مطوّر عقاري وهذا حصل في بلدان الجوار، مما سيفاقم هشاشة الاقتصاد أكثر فأكثر.

كيف ترى أثر اقتصاد الظل على الدولة والسوق والمواطن؟

اقتصاد الظل في سوريا أصبح واسعاً جداً نتيجة الحرب وضعف المؤسسات والأزمات المتراكمة. وهو يضر الدولة لأنه يحرمها من الإيرادات، ويضر السوق لأنه يخلق منافسة غير عادلة، ويضر المواطن لأنه يفتح المجال أمام سلع وخدمات غير خاضعة للرقابة أو المعايير.

لكن من المهم أيضاً فهم أن اقتصاد الظل ليس مجرد «مخالفة»، بل هو أحياناً نتيجة مباشرة لتعقيد القوانين وارتفاع الضرائب (الاستهلاكية) وضعف الثقة بالمؤسسات. لذلك، معالجة اقتصاد الظل لا تكون فقط عبر التشدد الأمني والضريبي، بل عبر تبسيط الإجراءات، وتحسين البيئة الاقتصادية، وبناء الثقة بين الدولة والمُنتج والمواطن.

اقرأ أيضاً: البطالة في الجنوب السوري: واقع يومي صعب وأرقام مرتفعة

ختاماً: هل أنت متفائل أم متشائم بشأن مستقبل المعيشة والتعافي الاقتصادي في سوريا؟

أنا لست متشائماً تجاه سوريا كبلد، لكنني قلق من المسار الاقتصادي الحالي إذا استمر بالشكل نفسه. سوريا تمتلك مقومات تعافٍ كبيرة: موقع جغرافي مهم، موارد بشرية، وحاجة هائلة لإعادة الإعمار والإنتاج. لكن هذه الإمكانيات وحدها لا تكفي.

التعافي الحقيقي يحتاج إلى مؤسسات، وعدالة، وشفافية، وسياسات اقتصادية توازن بين الإصلاح المالي والحماية الاجتماعية، وبين جذب الاستثمار وحماية المجتمع من الاحتكار والتهميش.

إذا استمرت الفجوة بين الخطاب الاقتصادي والواقع المعيشي، فإن معاناة السوريين ستتفاقم حتى لو ارتفعت المؤشرات الشكلية. أما إذا جرى بناء نموذج اقتصادي أكثر توازناً وعدالة وإنتاجية، فهناك فرصة حقيقية للخروج التدريجي من الأزمة، ولو كان الطريق طويلاً وصعباً.

اقرأ أيضاً: الخبير الاقتصادي زياد الغزالي لشبكة درعا 24: “تُختبر العملة السورية الجديدة بقدرتها على الصمود أمام تقلبات السوق”

موضوعات ذات صلة