«الكفاءة هي الطريق الوحيد لنجاح البلد في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة، والتي يُفترض أن تُصلح فيها المؤسسات، ويُعالج الخلل الإداري والفساد».
بهذه الكلمات لخّص أحد المواطنين، في حديثه لشبكة درعا 24، نظرته إلى أهمية التعيينات في المؤسسات والدوائر الحكومية بمحافظة درعا وفي عموم المحافظات السورية.
مضيفًا: «بالمحسوبيات والمصطلح الجديد المعروف بـ(التزكية) لن تُبنى دولة ولا مؤسسات».
تُظهر هذه الشهادة جانبًا من نقاش متصاعد في الشارع المحلي في محافظة درعا، تُطرح خلاله تساؤلات حول معايير التعيين، وحدود العدالة الوظيفية، وتأثير ذلك على مسار إعادة بناء المؤسسات في محافظة ما تزال منهكة بفعل سنوات طويلة من المعاناة.
تحدّثت شبكة درعا 24 إلى أحد الموظفين في القطاع العام، أوضح أن اعتماد (التزكية) في بدايات المرحلة الانتقالية كان يُنظر إليه كإجراء مؤقت، هدفه منع عودة شخصيات متورطة بالفساد أو بانتهاكات سابقة إلى مواقع القرار في المحافظة.
غير أن هذا الخيار – بحسب المصدر – سرعان ما انحرف عن غايته الأساسية.
ويتابع: «تحوّلت التزكية تدريجيًا إلى مدخل جديد للفساد، وبات أي شخص يملك علاقات أو صداقات ضمن دائرة القرار، قادرًا على تزكية من يشاء، دون النظر إلى الخبرات أو الكفاءة، وأحيانًا دون التدقيق في الماضي السياسي أو الوظيفي، حتى لو كان للمُزكّى ارتباط سابق بالنظام».
مؤشر على المزاج العام – استطلاع رأي
أجرت شبكة درعا 24 استطلاع رأي عبر منصاتها، طرحت فيه سؤالًا مباشرًا: ما الذي يتحكم اليوم في التعيينات داخل المؤسسات والدوائر الحكومية في محافظة درعا؟، وشارك فيه حتى اليوم 1168 شخصًا.
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 69% من المشاركين يرون أن المحسوبيات والعلاقات الشخصية هي العامل الأبرز الذي يتحكم بعملية التعيين، في حين اعتبر 14% أن الولاءات الفصائلية والسياسية هي المعيار الحاكم. بالمقابل، رأى 9% فقط أن الكفاءة والخبرة ما تزال الأساس في التعيينات، بينما اختار 8% من المشاركين خيار «لا أعرف».
وتشير هذه الأرقام إلى انطباع سائد لدى شريحة من الرأي العام المحلي، إذ يعتقد ما يقارب ثمانية من كل عشرة مشاركين في الاستطلاع، أن التعيينات تخضع لاعتبارات غير مهنية، مقابل نسبة محدودة ترى أن الكفاءة ما تزال حاضرة في عملية اتخاذ القرار.
إلى جانب نتائج الاستطلاع، تكشف شهادات مواطنين رصدتها الشبكة تقاطعًا واضحًا في الرأي حول غياب الكفاءة كمعيار حاسم في التعيينات. يقول أحدهم:
«معيار التعيينات اليوم ينقسم بين خيارين: محسوبيات شخصية وتخادم، أو ولاء فصائلي ومحاصصة سياسية لإرضاء بعض الجماعات خشية افتعال الفوضى».
ويعبّر مواطن آخر عن الشعور ذاته، معتبرًا أن الكفاءة باتت عنصرًا ثانويًا، إن لم تكن مغيّبة بالكامل، قائلًا:
«المحسوبيات والتزكية، وأضف عليها الولاءات الفصائلية، هي الفيصل اليوم… أما الكفاءة والخبرة فهي غائبة عن المشهد».
في حين يحذّر مواطنون من أن استمرار هذا النهج في التعيينات يهدد الأداء الإداري، وأيضًا قد ينعكس توترًا اجتماعيًا أوسع. ويقول أحدهم:
«في محسوبيات وولاءات واضحة جدًا، وهالكلام مرفوض ولازم يتغير، لأن في استياء بالشارع واضح، وممكن يجرّ الوضع لموقف صعب يهدد السلم الأهلي، بسبب الحزازات والكراهية التي تنشأ بين الناس نتيجة ذلك».
التعيينات في مرحلة انتقالية
في المراحل الانتقالية، تُعدّ التعيينات الإدارية من أكثر الملفات حساسية، إذ يُفترض أن تشكّل مدخلًا لإصلاح المؤسسات، واستعادة ثقة المواطنين بالدولة، وتحسين الأداء الخدمي. غير أن هذه التعيينات، عندما تُدار بمعايير غير واضحة أو غير معلنة، تتحول إلى عامل توتر بدل أن تكون أداة استقرار.
يقول الصحفي علي عيد في مقابلة سابقة مع درعا 24 أن الكفاءة لا ترتبط بولاء سياسي أو أيديولوجي، وأن المسؤولين في الدولة مهمتهم خدمة الناس، ومعايير الفشل والنجاح بسيطة وواضحة.
ويلفت إلى أن عدم تحقيق التشاركية يترتب عليه مخاطر حقيقية من انقسام مجتمعي بسبب الشعور بالإهمال والاستئثار بصنع القرار، إضافة إلى مخاطر الاصطفافات المحلية التي يمكن أن يصنعها هؤلاء بفعل إحساسهم بالقوة والسطوة ودعم المركز المطلق لهم كأشخاص بفعل التشابه الفكري أو العلاقة الخاصة، وهذا ينطبق على البلاد كلّها لا على درعا أو غيرها من المحافظات.
ويختم: “المواطنون جميعهم هم أولاد الدولة، حتى إن أخطأ الأولاد فهم مسؤولية الأبوة، وأعني الدولة، وعليها تقويمهم وتأمين مأكلهم وأمنهم، العقوبة مهتها الإصلاح وإعادة الدمج، ودون ذلك فنحن نصنع مجتمعًا حاقدًا لا مجتمعًا معافى”.
تفاوت الرواتب: امتداد مباشر لاختلال معايير التعيين
لا ينفصل الجدل حول التعيينات ومعايير الاختيار في الوظائف الحكومية عن ملف تفاوت الرواتب داخل الدائرة الواحدة، وهو ما يراه موظفون نتيجة مباشرة لآليات تعيين تقوم على التزكية والعلاقات، لا على الكفاءة أو سنوات الخدمة.
تلقت شبكة درعا 24 شكاوى متعددة من موظفين في مؤسسات حكومية بمحافظة درعا، أفادوا بوجود فروقات كبيرة في الأجور بين موظفين يعملون في المؤسسة نفسها ويؤدّون المهام ذاتها، لكنهم يتقاضون رواتب متفاوتة بشكل لافت.
ويقول أحد الموظفين، الذي أمضى أكثر من 20 عامًا في الخدمة العامة:
«بعد الزيادة الأخيرة أصبح راتبي يقارب 100 دولار، بينما رواتب الموظفين الذين جرى تعيينهم بعد سقوط النظام يتقاضون بالدولار الأميركي،حيث تصل إلى 300 دولار على الأقل».
ويضيف الموظف أنه يحمل شهادة جامعية ولديه سنوات خدمة طويلة، في حين يتقاضى بعض الموظفين المعيّنين حديثًا رواتب تصل إلى 400 دولار، رغم أن بعضهم خريجون جدد أو لا يحملون شهادات جامعية، ما يعمّق شعور الظلم داخل بيئة العمل الواحدة.
إقرأ أيضاً: تفاوت الرواتب داخل الدائرة الحكومية الواحدة في درعا: موظفون بالليرة وآخرون بالدولار
ويرى مراقبون أن استمرار هذا التفاوت في الرواتب الشهرية، في ظل غياب معايير واضحة وشفافة، لا يهدد العدالة الوظيفية فحسب، بل يعكس خللًا أعمق في آليات التعيين نفسها، حيث تتحول الرواتب إلى امتياز مرتبط بطريقة الوصول إلى الوظيفة، لا بالكفاءة أو الخبرة، ما يعيد ملف التعيينات إلى واجهة الجدل بوصفه مدخلًا أساسيًا لأي إصلاح إداري حقيقي.
وجهة نظر حكومية: الترهل الوظيفي هو أصل للأزمة
في المقابل، قال مصدر مقرّب من الحكومة لشبكة درعا 24 أن النقاش الدائر حول تفاوت الرواتب والتعيينات لا يمكن فصله عن أصل المشكلة المتمثّل في الترهل الوظيفي الذي ورثته الدولة من النظام المخلوع. موضحًا أن الدولة وجدت نفسها أمام جهاز إداري يضمّ نحو مليون و800 ألف موظف ضمن الوظيفة الرسمية، في حين أن الحاجة الفعلية لا تتجاوز 400 إلى 500 ألف موظف فقط، حيث يُصنّف هذا ضمن ما يُعرف بـ”البطالة المقنّعة”.
وبحسب المصدر، فإن معالجة هذا الخلل بشكل فجائي عبر تقليص أعداد الموظفين كانت ستؤدي إلى ظلم اجتماعي واسع، وقد تخلق توترات إضافية في مرحلة حساسة. لذلك، اعتمدت الدولة مسارًا تدريجيًا يقوم على رفع الرواتب أولًا، رغم استمرار الترهل الوظيفي، تفاديًا لأي صدمة اجتماعية.
ويضيف أن رفع الرواتب بنسبة وصلت إلى نحو 200% خلال عام واحد يُعد، وفق المعايير الدولية، خطوة ناجحة نسبيًا، رغم أنه لا يحقق بعد المستوى المعيشي الذي تطمح إليه الدولة نفسها. ويؤكد أن الهدف النهائي هو تأمين دخل يضمن كرامة العيش، وبناء جهاز وظيفي قائم على الكفاءة لا المحسوبية.
وفي ما يتعلق بتوجيه الموارد، يلفت المصدر إلى أن الدولة اضطرت، في هذه المرحلة، إلى إعطاء أولوية للقطاعات السيادية والمفصلية، وعلى رأسها الأمن والدفاع، بوصفها قطاعات مرتبطة بالاستقرار الوجودي والسيادي للدولة. ويشير إلى أن الانتقال لاحقًا سيكون نحو قطاعات أخرى، مثل التعليم، ثم القطاعات القضائية والخدمية، لكن ذلك مرتبط بتوفر الموارد.
مؤكدًا أن الإمكانات المالية للدولة ما تزال محدودة، ما يجعل الاعتماد الحالي منصبًا على المعابر والضرائب المباشرة وغير المباشرة. ويرى أن أي رفع فجائي للرواتب إلى مستويات تتراوح بين 500 و600 دولار سيتطلب فرض ضرائب مرتفعة، وهو خيار غير مطروح حاليًا في ظل إنهاك المجتمع اقتصاديًا.
وفيما يخص الاتهامات بالمحسوبيات، يشدد المصدر على أن غالبية التوظيفات الجديدة، ولا سيما في الأمن العام ووزارة الدفاع، جاءت عبر روابط وانتسابات عامة وامتحانات، دون اعتماد “التزكية”، مشيرًا إلى أن هذه المؤسسات تُعدّ من أكثر الجهات استقطابًا للمنتسبين من مختلف فئات المجتمع.
ويختم المصدر بالتشديد على أن ما يجري هو مرحلة مؤقتة ضمن مخطط تدريجي لمعالجة الترهل الوظيفي ورفع مستوى الأجور.
في ضوء الشهادات التي جمعتها شبكة درعا 24، ونتائج الاستطلاع، وآراء المتابعين، إلى جانب التوضيحات الحكومية، يبرز سؤال العدالة الوظيفية كأحد أبرز اختبارات المرحلة الانتقالية في محافظة درعا. فبين الكفاءة التي يطالب بها المواطنون بوصفها أساسًا لإعادة بناء المؤسسات، والتزكية التي يرى كثيرون أنها ما تزال معيارًا سائدًا في التعيينات، تتكشف فجوة واضحة بين ما يُفترض أن تكون عليه آليات الاختيار والتوظيف، وما يجري فعليًا على أرض الواقع. ويبقى أي مسار إصلاح إداري لا يقوم على معايير واضحة وشفافة في التعيين، ولا ينعكس عدالة ملموسة في الرواتب والفرص داخل المؤسسة الواحدة، مهددًا بإعادة إنتاج الإقصاء والاحتقان بدل معالجتهما، في محافظة أنهكتها سنوات طويلة من المعاناة والانقسام.






