الخبير الاقتصادي زياد الغزالي لدرعا 24: حصر عملية استبدال العملة بمقر واحد في دمشق يثير إشكالية تتعلق بالعدالة الجغرافية

الخبير الاقتصادي زياد الغزالي لدرعا 24: يميل التجار إلى تعديل الأسعار بما يتناسب مع الفئات النقدية المتاحة
الخبير الاقتصادي زياد الغزالي لدرعا 24: يميل التجار إلى تعديل الأسعار بما يتناسب مع الفئات النقدية المتاحة

مع انتهاء مهلة تداول الأوراق النقدية السورية القديمة، برزت أسئلة عديدة حول تداعيات هذه الخطوة على الحياة اليومية للمواطنين والأسواق، بدءاً من غياب بعض الفئات النقدية، مروراً بحصر استبدال العملة القديمة في دمشق، ووصولاً إلى تحديات نقص السيولة في بعض المحافظات، ولا سيما السويداء.

للحديث حول هذه القضايا وغيرها، أجرت درعا 24 مقابلة مع الخبير الاقتصادي د. زياد الغزالي، الذي يشرح الأبعاد الاقتصادية لهذه المرحلة، ويقيّم آلية تنفيذ عملية استبدال العملة وانعكاساتها على النشاط التجاري والثقة بالعملة، كما يطرح مجموعة من المقترحات التي يرى أنها ضرورية لضمان انتقال أكثر سلاسة إلى النظام النقدي الجديد، وتعزيز كفاءة السياسة النقدية في المرحلة المقبلة.

ما الأثر العملي لغياب فئة تعادل 500 ليرة قديمة على التعاملات اليومية للمواطنين والتجّار، ولا سيما في عمليات البيع وإعادة الباقي؟

قد يبدو غياب ال 500 ليرة قديمة وعدم وجود فئة ال 5 ليرات جديدة مسألة تقنية بسيطة، لكنه يؤثر على كفاءة النظام النقدي وقدرته على خدمة الاقتصاد اليومي. فالفئات النقدية هي أدوات مصممة لتسهيل عمليات التبادل وتقليل تكاليف المعاملات. و في سوريا التي تعتمد بشكل كبير على النقد الورقي، فإن وجود فجوات بين الفئات النقدية يؤدي إلى صعوبات عملية، خصوصاً في المعاملات الصغيرة. فعندما لا يجد التاجر فئة نقدية مناسبة لإعادة الباقي، تظهر حلول اضطرارية مثل تقريب الأسعار أو تجميع الفروقات أو استبدالها بسلع بديلة، وهذه الممارسات قد تبدو محدودة في كل عملية، لكنها تصبح ذات أثر اقتصادي عندما تتكرر ملايين المرات يومياً على مساحة الجغرافية السورية.


“يميل التجار إلى تعديل الأسعار بما يتناسب مع الفئات النقدية المتاحة”

الخبير الاقتصادي الدكتور زياد الغزالي
زياد الغزالي خبير اقتصادي

كما أن عدم وجود فئة نقدية صغيرة قد يؤدي إلى ظاهرة اقتصادية معروفة تتمثل في انحياز التسعير، حيث يميل التجار إلى تعديل الأسعار بما يتناسب مع الفئات النقدية المتاحة بدلاً من القيمة الحقيقية للسلعة، ما قد يضيف ضغوطاً تضخمية صغيرة لكنها تراكمية. لذلك فإن نجاح أي عملية إصلاح نقدي لا يرتبط فقط بسحب العملة القديمة وإصدار الجديدة، وإنما بمدى ملاءمة هيكل الفئات النقدية لحجم ومستوى الأسعار في الاقتصاد الحقيقي.

ما تقييمك لقصر استبدال العملة القديمة، بعد 31 تموز، على مقر مصرف سورية المركزي في دمشق؟ وما انعكاسات ذلك على سكان المحافظات؟

من منظور إدارة السياسة النقدية، فإن إنهاء مرحلة الاستبدال في موعد محدد أمر مفهوم لضمان الانتقال إلى النظام النقدي الجديد، لكن حصر عملية الاستبدال بعد ذلك بمقر واحد في دمشق يثير إشكالية تتعلق بالعدالة الجغرافية للوصول الى مركز واحد وسط العاصمة.

وفي الوضع السوري الحالي، هناك فوارق كبيرة بين المحافظات من حيث البنية المصرفية، ووسائل النقل، والظروف الأمنية، فإن تركيز الاستبدال في نقطة واحدة قد يحمّل سكان المحافظات أعباء إضافية. المشكلة لا تتعلق بالمسافة فقط، بل بالكلفة الاقتصادية الكاملة للعملية، فالمواطن قد يضطر إلى دفع تكاليف نقل وإقامة وربما خسارة يوم عمل من أجل استبدال مبلغ محدود، ما يجعل العملية غير مجدية اقتصادياً بالنسبة للبعض وخاصة أبناء المحافظات الشرقية.

كما أن هذا الإجراء قد يؤدي إلى ظهور سوق غير رسمية تتعامل مع العملة القديمة بأسعار أقل من قيمتها، مستفيدة من صعوبة وصول أصحابها إلى مراكز الاستبدال الرسمية. و الأفضل اقتصادياً كان اعتماد نموذج أكثر مرونة، عبر إبقاء صلاحية الاستبدال لدى فروع المصرف المركزي والمصارف العامة في المحافظات لفترة انتقالية، مع استمرار الرقابة المركزية على عملية الاستبدال.

كيف تقيّم المهلة الزمنية التي منحها مصرف سورية المركزي لاستبدال العملة القديمة؟ وهل كانت كافية بالنظر إلى الظروف الاقتصادية واللوجستية في مختلف المحافظات؟

يجب ألا يعتمد تقييم المهلة على المدة الزمنية المجردة، وإنما على قدرة المواطنين والمؤسسات على تنفيذ عملية التبديل ضمن هذه الفترة. في الدول التي تمتلك أنظمة مصرفية متطورة وانتشاراً واسعاً للمصارف، قد تكون المهلة القصيرة كافية. أما في الحالة السورية، حيث ما زال الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد في التعاملات اليومية، وحيث توجد فروقات كبيرة بين المناطق من حيث توفر السيولة، فإن نجاح العملية يحتاج إلى مراعاة الواقع الميداني. التحدي الأساسي لم يكن فقط في المدة، وإنما في جاهزية البنية التنفيذية. هل وصلت العملة الجديدة إلى جميع المناطق في الوقت المناسب؟ هل كانت نقاط الاستبدال قادرة على استيعاب الطلب؟ هل كانت هناك حملات توعية كافية؟


هل وصلت العملة الجديدة إلى جميع المناطق في الوقت المناسب؟ هل كانت نقاط الاستبدال قادرة على استيعاب الطلب؟ هل كانت هناك حملات توعية كافية؟

الخبير الاقتصادي الدكتور زياد الغزالي
يتساءل الدكتور زياد الغزالي خبير اقتصادي


إن أي عملية استبدال نقدي واسعة تحتاج إلى عنصرين متلازمين الثقة والسهولة فاذا شعر المواطن أن الوصول إلى الاستبدال صعب أو محدود، فإنه قد يحتفظ بالعملة القديمة بدافع القلق، ما يعقد العملية بدل أن يسرّعها. لذلك كان من الأفضل اعتماد فترة مرنة تسمح بالتمديد في المناطق التي تواجه ظروفا” استثنائية، لأن الهدف النهائي ليس سرعة التخلص من العملة القديمة، بل ضمان انتقال منظم بأقل تكلفة اجتماعية واقتصادية.

شهدت الأيام الأخيرة شكاوى من نقص السيولة الجديدة في بعض المناطق. إلى أي حد يمكن أن يؤثر ذلك في الأسواق وحركة البيع والشراء خلال مرحلة الانتقال؟

نقص السيولة خلال مرحلة التحول النقدي يمثل تحدياً حساساً، لأن الاقتصاد لا يعمل فقط بحجم النقد الموجود بشكل نظري، وإنما بسرعة دورانه وانتشاره الجغرافي. قد تكون الكتلة النقدية الإجمالية متوافرة على المستوى الوطني، لكن عدم توزيعها بشكل متوازن بين المحافظات يؤدي إلى اختناقات محلية تؤثر مباشرة في النشاط الاقتصادي.

في الأسواق، ينعكس نقص السيولة من خلال صعوبة إتمام المعاملات اليومية، وتأخر عمليات البيع والشراء، وازدياد الحاجة إلى البيع الآجل أو التسويات غير النقدية. كما قد يواجه التجار مشكلة في توفير الباقي، خصوصاً مع غياب بعض الفئات الصغيرة. والأخطر من الأثر الاقتصادي المباشر هو الأثر النفسي، فالعملة تعتمد بدرجة كبيرة على الثقة. وعندما يرى المواطن نقصاً في النقد الجديد، قد يفسر الأمر باعتباره أزمة في العملة نفسها، حتى لو كان السبب الحقيقي مجرد خلل في التوزيع أو النقل. لذلك فإن إدارة السيولة خلال مرحلة الانتقال لا تقل أهمية عن عملية إصدار العملة الجديدة نفسها.

اقرأ أيضاً: الخبير الاقتصادي زياد الغزالي لشبكة درعا 24: “تُختبر العملة السورية الجديدة بقدرتها على الصمود أمام تقلبات السوق”

برأيك، ما الخطوات التي ينبغي على مصرف سورية المركزي اتخاذها خلال المرحلة المقبلة لضمان انتقال سلس إلى العملة الجديدة وتجنب أي إرباك في الأسواق؟

تحتاج المرحلة المقبلة إلى الانتقال من مرحلة استبدال العملة إلى مرحلة إدارة النظام النقدي الجديد.وهذا يتطلب مجموعة من الإجراءات:

  • ضمان التوزيع العادل للسيولة بين المحافظات، بحيث لا تتحول بعض المناطق إلى أسواق تعاني ندرة نقدية.
  • توفير جميع الفئات النقدية اللازمة، وخاصة الفئات الصغيرة، لأن نجاح العملة يقاس بقدرتها على خدمة الحياة اليومية وليس فقط بوجودها في المصارف.
  • توسيع قنوات الاستبدال والخدمات المصرفية وعدم الاعتماد على مركز واحد فقط.
  • تعزيز التواصل والشفافية من خلال نشر معلومات دورية حول حجم النقد المصدر، ومراحل التنفيذ، والإجراءات المقبلة، لأن غياب المعلومات يخلق بيئة خصبة للشائعات.
  • الإسراع في تطوير البنية الرقمية للمدفوعات، لأن تقليل الاعتماد على النقد الورقي يجب أن يكون هدفاً استراتيجياً في الاقتصاد السوري الحديث. فالعملة الجديدة يجب ألا تكون مجرد تغيير شكلي، وإنما فرصة لإعادة بناء الثقة بالمؤسسة النقدية وتحديث القطاع المالي.

اقرأ أيضاً: الباحث الاقتصادي محمد العُلبي لدرعا 24: الانتقال السريع نحو “تحرير السوق” دون بناء مؤسسات يقود إلى اقتصاد احتكاري لا اقتصاد حرّ

بما يخصّ محافظة السويداء التي تعيش ظروفاً استثنائية، وبحسب المعلومات فهناك نقص في السيولة الجديدة، كيف تقرأ هذه الظواهر اقتصادياً؟ وكيف يمكن حلّها؟

ينبغي قراءة حالة محافظة السويداء ضمن إطار أوسع يتعلق بتأثير الظروف المحلية والامنية في المحافظة على انتقال السيولة النقدية. فالنقص في السيولة لا يعني بالضرورة وجود مشكلة في العملة نفسها، وإنما قد يكون نتيجة صعوبات في التوزيع والنقل والوصول والهاجس الأمني، وهي عوامل تؤثر في السويداء أكثر من غيرها.

اقتصادياً، يؤدي نقص السيولة في المحافظة إلى إبطاء حركة الاقتصاد المحلي. وقد يدفع ذلك بعض التجار إلى تقليل حجم تعاملاتهم، أو تأجيل عمليات الشراء، أو زيادة الاعتماد على البيع بالدين، وهو ما يؤثر على دورة رأس المال داخل السوق المحلية.

الحل يتطلب مقاربة خاصة تراعي ظروف محافظة السويداء، من خلال زيادة ضخ السيولة الجديدة بما يتناسب مع حجم الطلب الحقيقي، و تأمين قنوات نقل آمنة ومنتظمة للنقد، وتوفير نقاط استبدال وخدمة مصرفية قريبة من المواطنين، و تمديد المهلة الممنوحة للاستبدال.

اقرأ أيضاً: اقرأ أيضاً: الدكتور عاطف عامر في مقابلة مع درعا 24: “الصوت المدني الآن محاصر، وصعوده مرتبط بصعود دولة القانون”

هل هناك أي إضافة أو تعقيب؟

ينبغي النظر إلى عملية استبدال العملة بوصفها أكثر من مجرد إجراء فني لتغيير الأوراق النقدية، فهي اختبار حقيقي لكفاءة إدارة السياسة النقدية وقدرة المؤسسات على تنفيذ إصلاحات واسعة دون إرباك النشاط الاقتصادي. فنجاح العملية لا يُقاس بسرعة سحب العملة القديمة، بل بمدى الحفاظ على استقرار الأسواق، وتوافر السيولة، وضمان العدالة في الوصول إلى الخدمات المصرفية، وتعزيز ثقة المواطنين بالعملة الوطنية. وإذا أحسن مصرف سورية المركزي إدارة هذه المرحلة، فإنها يمكن أن تشكل نقطة انطلاق نحو إصلاح نقدي ومصرفي أوسع، يواكب إعادة بناء الاقتصاد السوري ويؤسس لبيئة مالية أكثر كفاءة واستقراراً وجاذبية للاستثمار.

اقرأ أيضاً: الخبير الاقتصادي زياد الغزالي لشبكة درعا 24: “يفترض أن تُطرح المشاريع الاستثمارية الكبرى عبر مناقصات شفافة وعادلة ومفتوحة”

موضوعات ذات صلة