عادت يارا، 26 عاماً، وهي أم لثلاثة أطفال، إلى منزل أهلها بعد تعرضها للضرب المتكرر على يد زوجها. وبعد أيام، حضر الزوج برفقة وجهاء لإعادتها.
كان غضب عائلتها شديداً، لأن الضرب كان قاسياً ولم تكن المرة الأولى. طلب أهلها منه أن يقسم أمام الوجهاء بألّا يضربها مجدداً، لكنه رفض. وقال، إن هذا طبعه، وإنه سيضربها إذا خالفت أوامره، ولا يستطيع منع نفسه من ذلك.
غادر الزوج المنزل، لكن يارا عادت بعد أيام إلى بيت الزوجية. تقول لمراسلة درعا 24 في ريف درعا الغربي:
“عدتُ خوفاً على أطفالي، الذين يتعرضون للضرب منه.. وخوفاً من كلمة مطلّقة”.
حجم العنف والعوائق أمام التبليغ
في دراسة بعنوان “العنف ضد النساء والفتيات في سوريا: القوانين والمعرفة والوعي والمواقف”، أعدّتها المبادرة النسوية الأورومتوسطية والمرصد الإقليمي للعنف ضد النساء والفتيات، قالت 28% من المشاركات إنهن تعرضن لعنف جسدي منزلي خلال السنة السابقة، فيما قالت 11% إنهن تعرضن لتهديدات بالقتل. وشملت الدراسة 1209 نساء في عشر محافظات، بينها درعا.
وذكرت المشاركات الخجل أو العار، ورفض العائلة أو الأصدقاء، والخوف من عواقب المعتدي وتهديداته، ضمن أبرز العوائق أمام التبليغ، بنسب بلغت 72% و71% و70% على التوالي.
وفي عينة درعا، قالت 89% من المشاركات إن معرفتهن بإجراءات التبليغ محدودة أو معدومة. وتقيس هذه النسبة المعرفة بالإجراءات، لا نسبة النساء اللواتي تعرضن للعنف.
رشا محمد، اسم مستعار لسيدة من إحدى بلدات ريف درعا الشرقي، تبلغ من العمر 30 عاماً، وهي أم لطفلين. تقول إنها تعرضت لكسور وجروح بالغة على يد زوجها، ووثّقت إصاباتها بتقرير طبي، لكنها لم تتقدم بشكوى ضده.
وتربط رشا قرارها بالخوف والعادات الاجتماعية ووجود طفليها بينهما. وتقول للمراسلة إن المحيطين بها كانوا يرددون: “يبقى أبو أولادك.. وأحسن من رجعتك مطلّقة لبيت أهلك”.
اقرأ أيضاً: العنف ضد المرأة في حوران: ما هي الحلول؟ (3/3)
وساطة الوجهاء.. وما بعد جلسة الصلح
قال أبو أحمد الزعبي، أحد الوجهاء في مدينة طفس، لدرعا 24 في حديث سابق، إنه لا يكاد يمر شهر من دون أن يُوسَّط في قضايا عائلية، بينها الطلاق وضرب الزوجة والخلاف حول ميراث النساء. وأضاف: “للأسف هذه الأمور كثرت في السنوات الأخيرة”.
ويقول الزعبي إن الوجهاء يسعون غالباً إلى إعادة الزوجة، لا إلى الطلاق، مشيراً إلى وجود حالات يتعذر فيها استمرار الزواج، فيلجأ الطرفان إلى إنهائه بالتراضي.
وسألت مراسلة درعا 24 نساءً عن الضمان الذي قد يضمن حقوقهن بعد العودة لبيت الزوجية إذا تعرضن للتعنيف. ورأت معظمهن أن يتعهد الزوج أمام المشايخ والوجهاء بعدم تكرار الضرب، فيما اقترحت بعضهن كتابة تعهد يتضمن دفع مبلغ مالي إذا عاد الزوج إلى ضرب زوجته.
ينطبق الأمر الأخير على ما يجري في بعض البلدان العربية، حيث في بعض جلسات الصلح العائلي في السعودية مثلاً، تضع أسر شرطاً مالياً على الزوج إذا عاد إلى ضرب زوجته. ويمكن توثيق اتفاقات الصلح عبر منصة إلكترونية تابعة لوزارة العدل السعودية، وتُعدّ الوثائق الصادرة عنها سندات تنفيذية فيما يتصل بما دُوّن فيها..
فيما تنص اللائحة التنفيذية لنظام الحماية من الإيذاء في السعودية على أخذ تعهد من المعتدي بالكف عن الإيذاء والوفاء بحقوق المرأة في الحالات منخفضة الخطورة، مع متابعة مركز الحماية. أما إذا استدعى الضرر الجسدي تدخلاً فورياً، أو ثبت الإيذاء بتقرير طبي، أو وُجد خطر كبير ومتواصل، فتُصنّف الحالة حرجة وتُبلّغ الجهات الإدارية والأمنية. وتتيح اللائحة طلب الإيواء إذا تعذّر إيواء المرأة لدى أقاربها أو أسرة بديلة، كما تنص في الحالات الحرجة على طلب أمر من النيابة العامة يمنع المعتدي من التواصل معها.
اقرأ أيضاً: الصلح العشائري في درعا: عُرف قديم يملأ فراغ الدولة ويقي من دوامة الدم
ما المسار المتاح للنساء في درعا؟
تقول المحامية هناء السويدان في حديث لدرعا 24، إن قضايا الاعتداء بالضرب بين الزوجين في درعا تخضع للأحكام العامة الواردة في قانون العقوبات السوري، حيث تستطيع المرأة التوجه إلى مخفر الشرطة (الأمن الداخلي) في مكان وقوع الاعتداء أو إلى النيابة العامة. وفي المخفر، تُسجّل إفادتها عن الواقعة، بما فيها زمان الاعتداء ومكانه وتفاصيله، ثم تُحال إلى المستشفى لإجراء الفحص وتنظيم تقرير طبي شرعي، ثم الإحالة إلة النيابة العامة لتحريك دعوى الحق العام ضد الزوج.
وتوضح أنه يمكن للمرأة أيضاً تقديم شكوى (ادعاء مباشر) عبر محامٍ أمام قاضي الفرد العسكري أو المدني (حسب الاختصاص) دون المرور بالمخفر.
مشيرةً إلى أنه في حال كان المعتدي هو الأب أو شخصاً يملك سلطة قانونية على الأطفال ويشكل خطراً عليهم، يحق للأم رفع دعوى بصفة مستعجلة لإسقاط حق الحضانة أو الزيارة عنه، أو تقييد حق الرؤية ليتم في أماكن عامة ومراقبة (مثل مراكز الرعاية الاجتماعية) لضمان عدم انفراد المعتدي بالأطفال.
وتصف السويدان التقرير الطبي الشرعي بأنه دليل فني مهم في توثيق الإصابات. ويحدد التقرير مدة التعطيل عن العمل، وهي من العناصر التي تختلف على أساسها مواد قانون العقوبات المطبقة على الاعتداء.
فإذا لم تتجاوز مدة التعطيل عشرة أيام، تتناول المادة 540 الحالة، وتُعلّق الملاحقة على شكوى المتضررة؛ وينص القانون على أن تنازلها يسقط الحق العام. وإذا تجاوز التعطيل عشرة أيام ولم يتجاوز عشرين، تتناول المادة 541 الحالة، وتصل العقوبة إلى الحبس مدة لا تتجاوز السنة والغرامة، ويؤدي التنازل إلى خفض العقوبة إلى النصف. أما إذا تجاوز التعطيل عشرين يوماً، فتُطبّق المادة 542، التي تنص على الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، ولا يكون للتنازل الأثر نفسه في تخفيض العقوبة.
وتقول السويدان إن بعض النساء يلجأن إلى الشكوى، وفي بعض الحالات التي مرت عليها يتوقف الزوج عن الاعتداء خوفاً من العقوبة، فتنتهي القضية إلى الصلح. بينما في حالات أخرى يتم الطلاق حين يتعذر الصلح.
اقرأ أيضاً: جرائم الشرف في درعا: لا الدين ولا القانون يردع العادات
مشروع قانون لم يدخل حيّز التنفيذ
في 6 آب/أغسطس، قالت رئيسة الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان إن مسودة مشروع قانون مكافحة العنف الأسري ما زالت قيد مراجعة الملاحظات، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات اللازمة وإحالتها إلى مجلس الشعب. وبذلك، لا يمكن التعامل مع التدابير الواردة في المشروع على أنها إجراءات نافذة حالياً.
وتبقى إجراءات تسجيل الشكوى لدى الجهات القضائية في درعا، وأثر التنازل عنها في كل حالة، بحاجة إلى متابعة قانونية بحسب تفاصيل كل قضية.
خطوط ومراكز دعم منشورة في درعا
تنشر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن وحدة حماية الأسرة، بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان، تقدم عبر خط ساخن يعمل على مدار الساعة دعماً نفسياً واستشارات قانونية وإحالات طبية. ويمكن الاتصال مجاناً على الرقمين: 0119416 و0951444190.
وتشير المفوضية إلى إمكانية توفير مأوى آمن لناجيات العنف القائم على النوع الاجتماعي عند الحاجة وتوافره. كما يدرج دليلها مراكز مجتمعية في مدينة درعا وبصر الحرير وغباغب والشيخ مسكين، مع أرقام اتصال منشورة. وتوضح أن إدارة الحالة تتم بسرية، وأن الناجية تتخذ القرار في كل خطوة، فيما يستكشف العاملون معها الخدمات المتاحة.
بين امرأة عادت إلى منزلها خوفاً على أطفالها، وأخرى لم تتقدم بشكوى رغم إصاباتها، تتعدد المسارات بين الوساطة العائلية والشكوى القانونية وطلب الدعم. لكن ما يحدث بعد جلسة الصلح، ومن يتابع سلامة المرأة إذا تكرر الاعتداء، يظل سؤالاً مفتوحاً.
اقرأ أيضاً: بين “التأديب” والتعنيف.. ماذا يقول القانون السوري عن حماية الأطفال وما التشريعات المرتقبة؟






