أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة تقريراً جديداً حول أحداث العنف التي شهدتها محافظة السويداء جنوب سوريا في تموز/يوليو 2025، مؤكدة أن تلك الأحداث أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1700 شخص، معظمهم من المدنيين، إضافة إلى نزوح نحو 200 ألف آخرين.
وأوضح التقرير أنه استند إلى 409 شهادات مباشرة لناجين وشهود من مختلف المجتمعات المتضررة، إلى جانب زيارات ميدانية واسعة للمناطق الأكثر تضرراً، وذلك بعد تصريح الحكومة السورية للجنة بالوصول. وخلصت التحقيقات إلى وجود دمار واسع النطاق، لا سيما في القرى الدرزية، حيث جرى إحراق عشرات آلاف المنازل والمحال التجارية ودور العبادة.
ووثّقت اللجنة ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت الإعدامات الميدانية، والتعذيب، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وإحراق المنازل، معتبرة أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب، وقد تصل إلى جرائم ضد الإنسانية.
وأشار التقرير إلى أن الأحداث بدأت بتوترات بين المجتمعات المحلية في تموز/يوليو، قبل أن تتطور إلى ثلاث موجات مدمّرة من العنف، استهدفت اثنتان منها الدروز وواحدة البدو، وتخللتها عمليات قتل وتعذيب واعتقال تعسفي، ما أدى في نهاية المطاف إلى تهجير معظم البدو من مناطقهم في السويداء. كما ترافق كل موجة من موجات العنف مع إهانات وخطاب طائفي وُجه إلى المدنيين من الطرفين.
اقرأ أيضاً: تهجير آلاف من عائلات عشائر البدو من السويداء إلى درعا
كما أشار التقرير إلى تنفيذ غارات جوية إسرائيلية على كل من السويداء ودمشق خلال الفترة بين 14 و16 تموز/يوليو، أسفرت عن سقوط قتلى، بينهم عناصر من القوات الحكومية.
وفي ما يتعلق بالحصيلة، وثّقت اللجنة مقتل:
- 1190 رجلاً و99 امرأة و22 صبياً و31 فتاة من الطائفة الدرزية
- 53 رجلاً و9 نساء و5 صبية و3 فتيات من البدو
كما قُتل ما لا يقل عن 225 من قوات الحكومة، العديد منهم خلال الغارات الجوية الإسرائيلية، إضافة إلى تقارير عن سقوط قتلى من أبناء العشائر. وأكد التقرير أن معظم الضحايا كانوا من المدنيين أو من أشخاص لم يعودوا يشاركون في الأعمال العدائية، ليصل إجمالي عدد القتلى إلى أكثر من 1707 أشخاص.
وفي سياق المساءلة، ذكر التقرير أن الحكومة السورية تعهدت بمحاسبة المسؤولين، ومنحت اللجنة حق الوصول إلى السويداء، كما أطلقت تحقيقاً وطنياً أفاد باحتجاز 23 من عناصر الأمن والجيش.
ورغم وقف إطلاق النار، لا تزال محافظة السويداء تشهد انقسامات عميقة وتوقفاً في الحوار السياسي، مع استمرار الاشتباكات بشكل متقطع، وثبات خطوط السيطرة منذ 19 تموز/يوليو. كما يجري التحقيق في تقارير عن أعمال عنف داخل السويداء بين مجموعات درزية، وفرض قيود على الحركة من قبل مجموعات مسلحة.
وقالت المفوضة في اللجنة، منيا عمار، إن الدولة تبقى المسؤولة عن ضمان احترام حقوق جميع السوريين، مشددة في الوقت ذاته على أن الجماعات المسلحة داخل السويداء ملزمة أيضاً بموجب القانون الدولي الإنساني بمحاسبة عناصرها، وإعادة جثامين القتلى، والكشف عن مصير المفقودين، وضمان عودة النازحين إلى ديارهم واحترام ممتلكاتهم. ودعت جميع الأطراف إلى حماية المدنيين والعمل على حل الأزمة بما يتيح إعادة بناء المجتمعات المتضررة.
كما لفت التقرير إلى تصاعد خطاب الكراهية والتحريض على العنف خلال تلك الأحداث، والذي تفاقم بفعل انتشار معلومات مضللة ومقاطع مفبركة على نطاق واسع، بما في ذلك مزاعم لم يتم التحقق من صحتها، أسهمت في تعميق الانقسام المجتمعي وتعقيد فرص المصالحة.
اقرأ أيضاً: العلاقة التاريخية بين الدروز والبدو في الجنوب السوري: من شراكة الخيل إلى ذاكرة التوتر
وأكدت وزارة الخارجية السورية في بيان لها حول التقرير، أنها تعاملت مع أحداث السويداء بـ”أعلى درجات المسؤولية والشفافية”، مشيرة إلى أنها سمحت للجنة الدولية بالوصول إلى المحافظة، وأطلقت تحقيقاً وطنياً أسفر عن احتجاز عدد من عناصر الأمن. وأرجعت الوزارة تصاعد العنف إلى عوامل بنيوية، بينها تداعيات سنوات النزاع وانتشار السلاح والتوترات المجتمعية، إضافة إلى تأثير الضربات الإسرائيلية.
كما شددت الخارجية على التزامها بمحاسبة جميع المتورطين، ودعت إلى دعم دولي لجهود الاستقرار، محذّرة في الوقت ذاته من استمرار انتهاكات من قبل مجموعات محلية وعرقلة عمل اللجان، ومؤكدة سعيها لتهيئة الظروف لعودة النازحين وتعزيز سيادة القانون.






