نساء درعا… مشاريع منزلية في مواجهة الانهيار الاقتصادي
في مطبخٍ صغيرٍ تفوح منه رائحة المعجنات الطازجة في مدينة درعا، تقف “أم علي” (41 عاماً) تراقب هاتفها المحمول بانتظار طلبية جديدة عبر تطبيق “واتساب”. بالنسبة للأم لثلاثة أطفال، يعد هذا المطبخ إضافةً إلى كونع مساحةً لإعداد طعام العائلة، مصدر دخل أساسي، بعد أن أصبح راتب زوجها الحكومي عاجزاً عن تأمين احتياجات المنزل في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
لا تمثل هذه السيدة حالة فردية في محافظة درعا، إنّما تعكس تحولاً واسعاً شهدته المنطقة خلال سنوات الحرب وما بعدها. فمع تجاوز نسبة السكان تحت خط الفقر في سوريا 90% وفق تقديرات أممية، اضطرت المرأة في جنوب سوريا للتخلّي عن دورها التقليدي والنمطي كـ “ربة منزل”، واقتحام سوق العمل كمعيلة ومسؤولة عن تأمين لقمة العيش، مستعينة بابتكارات بسيطة.
ريادة أعمال ولدت من رحم الفاقة
تقول الناشطة إيمان الزعبي إن التدهور الاقتصادي لعب الدور الأكبر في تغيير موقع المرأة داخل المجتمع المحلي واتجاهها إلى ريادة الأعمال، حيث تحولت النساء إلى العمود الفقري للتنمية المحلية نتيجة فقدان المعيل أو عجزه، إما بسبب الحرب أو خسارة عمله أو ضعف دخله.
وتتجلى هذه الريادة للسيدات اليوم في نماذج لافتة تتحدى الواقع؛ فالشابة “ليلى” نجحت في تحويل مشروع منزلي لبيع الألبسة التي كانت تشتريها من تجار الجملة وتبيعها لنساء الحي في مدينتها نوى بريف درعا الغربي، إلى محل تجاري خاصّ بها، نجحت من خلال ذلك بعد توسع المشروع في تشغيل زوجها الذي أصبح يشترك معها في العمل وشراء الألبسة من أسواق الجملة في العاصمة دمشق وبيعها بأسعار تنافسية في المدينة.
كما اتجهت نساء أخريات للعمل في مجالات مثل صيانة الهواتف المحمولة، وصناعة الإكسسوارات والأعمال اليدوية، والزراعة، والتصوير الفوتوغرافي، مستفيدات من وسائل التواصل الاجتماعي لتسويق منتجاتهن والوصول إلى الزبائن.
تعلق الناشطة الزعبي على ذلك: “الظروف المعيشية دفعت كثيراً من النساء لتجاوز القيود الاجتماعية المرتبطة بعمل المرأة، لأن الحاجة الاقتصادية أصبحت أقوى من كثير من العادات”.
اقرأ أيضاً: “أم محمد”.. خيّاطة حورانيّة حاكت مستقبل عائلتها من رماد الحرب
العمل وسط أعباء مضاعفة
شهد طريق كسب العيش للمرأة في درعا مخاطر ميدانية كثيرة؛ إذ كان سابقاً يصطدم طموح هؤلاء الرائدات بعقبات قاسية يفرضها الفلتان الأمني، الذي كانت تشهد درعا وسوريا عامة، من انتشار حواجز النظام السابق، مما كان يعيق حركة النساء لتوزيع منتجاتهن أو الوصول إلى الأسواق الكبيرة في دمشق لشراء احتيجات عملهن، فضلاً عن مخاطر الخطف والابتزاز.
اختفى هذا التهديد الأمني اليوم تقريباً، إلا أن النساء ما زلن يواجهن تحديات اقتصادية يومية، أبرزها ارتفاع تكاليف النقل التي تتغير وترتفع نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات.
تؤكد العديد من النساء اللواتي تحدثت إليهن درعا 24، أن هذا الارتفاع دفعهن للاعتماد بشكل متزايد على التسويق الإلكتروني عبر منصات التواصل الاجتماعي لإدارة مشاريعهن، تجنباً للسفر وتكاليفه المرتفعة.
فيما لا تتوقف الضغوط عند حدود تأمين الدخل؛ فالمرأة المعيلة في درعا تجد نفسها مجبرة على إدارة شؤون أسرتها في ظل انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، مما يضاعف من أعبائها.
وتقول دعاء (30 عاماً)، التي تعمل في صناعة الورود والأعمال اليدوية، إنها تضطر لدفع تكاليف إضافية مقابل شحن المواد الأولية إلى منزلها، لأنها لا تستطيع السفر بمفردها لشراء احتياجات مشروعها.
وتضيف: “أحياناً أشتري المواد بسعر أعلى لأنني مضطرة للتعامل مع وسطاء أو تجار يستغلون كوني امرأة، أنني لا أستطيع التنقل بسهولة”.
في المقابل، اختارت نسرين (35 عاماً)، وهي أم لأربعة أطفال ومنفصلة عن زوجها، أن تسافر بنفسها لشراء مستلزمات عملها، لكنها تقول إنها تضطر غالباً لاصطحاب أحد أقاربها “تفادياً لكلام الناس”.
تؤكد: “هناك من يشجعني على الاستمرار بالعمل، ولكن كثيرين ينظرون لي كخارجة عن السرب، وأنه من الأفضل البقاء مع أولادي في المنزل”.
تشير الناشطة إيمان الزعبي إلى أن المرأة العاملة في درعا، ولا سيما في الأرياف، ما تزال تواجه عوائق اجتماعية عديدة، أبرزها النظرة السائدة لخروج المرأة من المنزل من أجل العمل أو شراء مستلزمات مشروعها، انطلاقاً من قناعة لدى بعض فئات المجتمع بأن دور المرأة يجب أن يقتصر على البقاء داخل المنزل، “متناسين أن المرأة أُجبرت على العمل بسبب الظروف وأن العمل حق أساسي لها في الأصل”، وفق تعبيرها.

التمويل الشحيح ومطلب الاستدامة
تعتمد معظم المشاريع النسائية الصغيرة في درعا على مدخرات شخصية محدودة أو دعم عائلي بسيط، في ظل غياب التمويل المؤسسي وصعوبة الوصول إلى القروض أو برامج الدعم الاقتصادي.
ورغم وجود بعض المبادرات التي دعمت مشاريع صغيرة عبر منظمات محلية ودولية، إلا أن كثيراً من النساء يعتبرن أن هذه التدخلات ما تزال محدودة، وتركّز غالباً على الدعم المؤقت أكثر من بناء مشاريع مستدامة قادرة على الاستمرار ولا يزال يغلب عليها الطابع الإغاثي الطارئ بدلاً من التمكين المستدام.
وترى ناشطات محليات وتؤكد التقارير الحقوقية السنوية أن تمكين النساء اقتصادياً لم يعد قضية مرتبطة بحقوق المرأة فقط، بل بات مرتبطاً بشكل مباشر بقدرة المجتمع المحلي على الصمود في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر وضعف فرص العمل.
تبقى قصص النساء في درعا شاهداً على التحولات التي فرضتها سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، بعدما تحولت المشاريع المنزلية الصغيرة إلى مصدر دخل أساسي لكثير من العائلات. وما تحققه نساء مثل “أم علي” و”دعاء” و”حنان” في ظروف معيشية وأمنية معقدة، يوضح كيف أصبحت النساء طرفاً أساسياً في إعالة الأسر والحفاظ على استمرارية الحياة اليومية في واحدة من أكثر المناطق تضرراً في سوريا.
اقرأ أيضاً: العقيد يسرى القطاعنة لدرعا 24: النساء شريكات في بناء سوريا المقبلة






