بينما يعمل المزارعون على حصاد محصول القمح في سهل حوران، يبقى خطر الحرائق حاضرًا، إذ قد يتحول موسم كامل من العمل إلى خسارة خلال دقائق. يلخص هذا المشهد واقع القطاع الزراعي في محافظة درعا، الذي يشهد تعافيًا تدريجيًا خلال المرحلة الانتقالية، لكنه ما يزال يواجه تحديات تهدد استدامة هذا التعافي.
وتُعد محافظة درعا من أهم المناطق الزراعية في سوريا، إذ يعتمد جزء كبير من سكانها على الزراعة بوصفها مصدرًا رئيسيًا للدخل، وتشتهر بإنتاج القمح والشعير والخضراوات والأشجار المثمرة، ما أكسبها لقب “سلة غذاء الجنوب السوري”. ويأمل المزارعون أن تشكل المرحلة الحالية فرصة لإعادة تنشيط القطاع الزراعي، بعد سنوات من التراجع الذي طال الإنتاج والبنية التحتية والخدمات الزراعية.
شكّلت درعا قبل عام 2011 إحدى أبرز المناطق الزراعية في سوريا بفضل خصوبة سهول حوران واتساع رقعتها الزراعية، وكان القطاع الزراعي يمثل مصدر الدخل الرئيسي لآلاف الأسر. إلا أن سنوات الحرب وما رافقها من تراجع في الإنتاج، وتضرر البنية التحتية الزراعية، وصعوبة الوصول إلى بعض الأراضي، أدت إلى انحسار هذا الدور، لتبدأ المحافظة اليوم محاولة استعادة مكانتها تدريجيًا.
مؤشرات على تحسن الإنتاج
في كانون الثاني/يناير 2026، أقرت مديرية زراعة درعا الخطة الزراعية للموسم 2025-2026، والتي بلغت مساحتها الإجمالية نحو 233,535 هكتارًا، منها 21,667 هكتارًا مرويًا و211,868 هكتارًا بعليًا، وفق مدير زراعة درعا المهندس عاهد الزعبي. وشملت الخطة زراعة نحو 96,950 هكتارًا من القمح و41 ألف هكتار من الشعير، إلى جانب البقوليات والخضراوات والمحاصيل الصيفية.
ومع تقدم الموسم، بدأت تظهر مؤشرات إيجابية على عودة النشاط الزراعي. فقد أعلنت مديرية زراعة درعا أن المساحات المزروعة بالبطاطا الربيعية تجاوزت الخطة المقررة بنسبة 290%، لترتفع من 1,145 هكتارًا مخططًا إلى 3,323 هكتارًا منفذًا، مع توقع إنتاج يصل إلى نحو 115 ألف طن. كما قدرت إنتاج البندورة بنحو 200 ألف طن، لتواصل درعا تصدرها لهذا المحصول على مستوى سوريا.
وفي قطاع الأشجار المثمرة، أشارت مديرية الزراعة إلى أن إنتاج الزيتون خلال موسم 2025 بلغ نحو 17 ألف طن من الثمار، نتج عنها قرابة ألفي طن من زيت الزيتون، في حين قُدر إنتاج العنب خلال الموسم الحالي بنحو 11,500 طن، رغم تأثر بعض المحاصيل بظروف الجفاف وظاهرة المعاومة.
وتعكس هذه المؤشرات بداية تحسن في الإنتاج الزراعي، إلا أن استمرار هذا التحسن يبقى مرتبطًا بقدرة المزارعين على تجاوز التحديات التي تواجههم، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتوفير قنوات تسويق مستقرة للمحاصيل.
تكاليف مرتفعة وأرباح محدودة
ورغم هذه المؤشرات، لا تزال الزراعة في درعا تواجه تحديات تتعلق بارتفاع أسعار الأسمدة والبذار والمحروقات، وصعوبات تأمين مياه الري، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الحاجة إلى إعادة تأهيل السدود وشبكات الري والطرق الزراعية. وخلال لقاء جمع وزير الزراعة مع الأسرة الزراعية في المحافظة، طالب المزارعون بتوسيع مشاريع الري، وتحسين تسويق المحاصيل، وإعادة تأهيل الطرق الزراعية، وتأجيل القروض الزراعية، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن القطاع.
يقول المزارع محمد السويدان في حديثه لشبكة درعا 24 إن ارتفاع تكاليف الإنتاج ما يزال يشكل العبء الأكبر على مزارعي القمح، موضحًا أن كل دونم يحتاج إلى نحو لتر إلى لتر وربع من المازوت لأعمال الحراثة، فيما يتجنب معظم مزارعي الأراضي البعلية استخدام الأسمدة بسبب ارتفاع أسعارها، بينما تُستخدم في الأراضي المروية فقط، وتبلغ كمية البذار ما بين 10 و12 كيلوغرامًا للدونم الواحد.
وأضاف أن تكلفة حصاد الدونم بالحصادة تتراوح بين 100 و125 ألف ليرة سورية، بينما تصل إلى نحو 225 ألف ليرة عند الاستعانة بورشات عمال، مشيرًا إلى أن الأرباح بقيت محدودة بسبب ارتفاع تكاليف الزراعة والحصاد والنقل، سواء لنقل القمح إلى المنزل وتعبئته بأكياس الخيش، أو نقله لاحقًا إلى الصوامع ومراكز إكثار البذار. وأوضح أن سعر شراء القمح من الدولة كان أقل من كلفة مستلزمات إنتاجه.
وطالب السويدان بتوفير الأسمدة الخاصة بمحصولي القمح والشعير، وتأمين قروض مصرفية ميسرة للفلاحين، إضافة إلى توفير المحروقات اللازمة للجرارات الزراعية ووسائل نقل المحاصيل بأسعار أقل من الأسعار السائدة.
وفرة الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة الأرباح
كما يواجه المزارعون تحديًا آخر يتمثل في تسويق المحاصيل بعد انتهاء موسم الإنتاج، إذ يؤكد عدد منهم أن ارتفاع الإنتاج لا ينعكس دائمًا على زيادة الأرباح، في ظل تقلب الأسعار وارتفاع تكاليف النقل والتخزين.
ويقول عمار البردان من مزارعي البطاطا في مدينة طفس إن إنتاج الدونم هذا الموسم تراوح بين طنين وأربعة أطنان وربع في الأراضي الجيدة، وبين طنين وثلاثة أطنان في الأراضي ذات الإنتاج المتوسط، مشيرًا إلى أن الإنتاج كان بين الجيد والمتوسط، وساعدت عليه الظروف المناخية، رغم تأثره بتقلبات الطقس والأجواء الضبابية.
وأضاف أن أسعار البطاطا انخفضت مع ذروة الإنتاج بنسبة تراوحت بين 30 و50%، ليتراجع سعر الكيلو المعدّ للتخزين من نحو 2500 ليرة سورية في بداية الموسم إلى نحو 1700 ليرة حاليًا. وأوضح أنه تمكن من تسويق محصوله، إلا أن عملية التسويق ما تزال تواجه صعوبات بسبب ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين وغياب التصدير، الأمر الذي يؤدي إلى خسارة جزء من الإنتاج.
ولا تختلف زراعة البندورة كثيرًا، إذ تواجه تحديات مشابهة في التسويق وتقلب الأسعار. يقول صدام البردان من مزارعي البندورة في مدينة طفس غربي درعا، إن إنتاج الدونم هذا الموسم تراوح بين 6 و7 أطنان، إلا أن متوسط الإنتاج جاء دون المتوقع بسبب الأوضاع الجوية. وأضاف أن سعر الكيلو بلغ نحو 2500 ليرة سورية في بداية الموسم، قبل أن ينخفض مع زيادة الإنتاج إلى ما بين 1000 و1500 ليرة، مشيرًا إلى أن الأسعار تتراجع بنحو 50% عند ذروة الإنتاج.
وأوضح أن تسويق المحصول يواجه صعوبات بسبب ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين، لافتًا إلى أن كثافة الإنتاج، إلى جانب ضعف التسويق وغياب خطة زراعية واضحة، أدت إلى خسارة جزء من الإنتاج.
مشاريع لدعم البنية التحتية الزراعية
ولم تقتصر الجهود على وضع الخطط الزراعية، بل شملت أيضًا تنفيذ عدد من مشاريع البنية التحتية الداعمة للإنتاج. ومن أبرزها مشروع تحديث شبكة ري سد غدير البستان في درعا، الذي يهدف إلى تحسين كفاءة الري وتقليل الهدر المائي، ويخدم نحو 90 هكتارًا من الأراضي الزراعية.
ورغم تحسن الإنتاج، يبقى ملف المياه أحد أبرز التحديات أمام القطاع الزراعي، خاصة مع تراجع معدلات الهطل المطري في بعض المناطق، والاعتماد المتزايد على الآبار، والحاجة إلى استكمال تأهيل السدود وشبكات الري الحديثة، بما يضمن استدامة الموارد المائية ورفع كفاءة استخدامها.
حرائق الحقول… تهديد دائم للموسم
ومع بداية موسم الحصاد، برز تحدٍ جديد تمثل في حرائق المحاصيل الزراعية. ففي حزيران/يونيو 2026، أعلن مدير زراعة درعا المهندس عاهد الزعبي تسجيل 39 حريقًا زراعيًا منذ بداية الموسم، أتت على نحو 958 دونمًا مزروعًا بالقمح والشعير.
وأوضح أن معظم هذه الحرائق نتجت عن إشعال الأعشاب اليابسة، أو حرق مكبات النفايات، أو رمي أعقاب السجائر بالقرب من الحقول.
وفي مواجهة هذه الحرائق، شاركت مديرية الزراعة مع مديرية الدفاع المدني في عمليات الإخماد باستخدام صهاريج المياه التابعة لها، كما جرى تدريب كوادر متخصصة على التعامل مع حرائق المحاصيل قبل موسم الحصاد.
وفي أيار/مايو 2026، أعلنت مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث إنشاء نقاط إطفاء جديدة في منطقة إزرع، شملت مفرق مليحة العطش على طريق الحراك، وطريق الصورة–نامر، والأوتستراد الدولي دمشق–درعا، مع خطة لتجهيز نقاط إضافية خلال الموسم، إلى جانب إطلاق حملة توعية بعنوان “وعيك بعملك.. معًا لنحمي محاصيلنا من الحرائق”.
اقرأ أيضاً: 20 حريقاً في درعا والقنيطرة خلال يوم واحد، بينها سبعة في محاصيل زراعية
هل هو تعافٍ حقيقي؟
يرى المهندس الزراعي محمد خريبة أن ما تشهده الزراعة في محافظة درعا هو “تحسن موسمي فقط لا غير”، وليس تعافيًا حقيقيًا، مرجعًا ذلك إلى وفرة الهطولات المطرية هذا العام وارتفاع مخزون السدود والمياه الجوفية، وليس إلى إجراءات حكومية أو مجتمعية أسهمت في تحسين الواقع الزراعي.
ويضيف أن من المؤشرات الإيجابية بدء ظهور سياسة زراعية، إلى جانب إدراك المزارعين تدريجيًا لأهمية الإنتاج وفق احتياجات السوق، موضحًا أن المزارع لم يعد يستطيع الاعتماد على تدخل الدولة لحماية الأسعار، بل بات مطالبًا بإنتاج محاصيل ذات جودة عالية، والالتزام بمساحات زراعية تتناسب مع العرض والطلب بما يحافظ على ربحية المنتج.
ويشير إلى أن أبرز التحديات تتمثل في فتح آفاق التصدير مع دول الجوار، وإبرام اتفاقيات مسبقة لتصريف المنتج السوري وفق تقديرات الإنتاج في كل موسم. ويوضح أنه في حال كان إنتاج محصول معين، مثل البطاطا، يصل إلى نحو 100 ألف طن، بينما يتراوح الاستهلاك المحلي بين 40 و50 ألف طن، فإن ذلك يعني وجود فائض يقارب 50 ألف طن، ما يتطلب وجود قدرة استراتيجية لدى الدولة لحماية هذا الفائض من انهيار الأسعار.
ويضيف الخبير الزراعي أن جزءًا من هذا الفائض يمكن استيعابه عبر التخزين في البرادات ووحدات التبريد لاستخدامه لاحقًا في السوق المحلية، إلا أن محدودية هذه القدرة، التي قد لا تتجاوز 20 ألف طن، تفرض الحاجة إلى تصدير الكميات المتبقية إلى دول الجوار، بما يسهم في الحفاظ على استقرار الأسعار وضمان ربح معقول للمزارعين.
ويرى أن تحقيق هذا التوازن يتطلب أيضًا التزام المزارعين بالخطة الزراعية وعدم التوسع العشوائي في زراعة المحاصيل، بما يضمن ضبط كميات الإنتاج وتحقيق جدوى اقتصادية أفضل.
ويرى خريبة أن درعا قادرة على استعادة مكانتها الزراعية كسلة للغذاء، لافتًا إلى بدء إعادة تأهيل بساتين الرمان والعنب، وتعافي بعض حقول الزيتون التي تعرضت لأعمال تخريب وقصف جوي من قبل قوات النظام البائد خلال السنوات الماضية. ويؤكد أن الأولوية ليست لخفض أسعار مستلزمات الإنتاج، وإنما لتوفير بذار وأسمدة ومحروقات ذات جودة عالية، إلى جانب تطبيق خطة زراعية شاملة تساعد المزارعين على الحفاظ على إنتاجهم وتحسين مردودهم الاقتصادي.
اقرأ أيضاً: بعد احتجاجات… مرسوم رئاسي يمنح مكافأة تشجيعية على تسعيرة القمح
بين المؤشرات والواقع
تشير المؤشرات الزراعية في درعا إلى بداية مرحلة من تحسن الإنتاج، سواء من خلال توسع المساحات المزروعة أو ارتفاع إنتاج عدد من المحاصيل الاستراتيجية. إلا أن تحويل هذا التحسن إلى تعافٍ مستدام يتطلب معالجة التحديات التي لا تزال تواجه المزارعين، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير عمليات التسويق، وفتح أسواق تصديرية، واستكمال مشاريع البنية التحتية الزراعية، إلى جانب تعزيز إجراءات الوقاية من الحرائق.
وبين مؤشرات التحسن والتحديات القائمة، يبقى مستقبل الزراعة في حوران مرهونًا بقدرتها على استعادة مكانتها التاريخية بوصفها سلة غذاء الجنوب السوري، ليس لموسم واحد، وإنما عبر سياسات زراعية واقتصادية تضمن استدامة هذا التعافي.
اقرأ أيضاً: رغم تحسن الأمطار… التكاليف تبقي زراعة القمح في درعا تحت الضغط






