أعادت التطورات الأخيرة التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى المشهد، بوصفها طرفًا ما يزال يمسك بملف أمني وسيادي بالغ الحساسية في شمال وشرق سوريا، حيث تُسيطر على 27.8% من الأراضي السورية، أي ما يُقدَّر بنحو ربع مساحة البلاد تقريبًا.
وجاءت هذه التطورات في سياق عام كامل من المفاوضات غير المحسومة بين الحكومة السورية الجديدة وقسد، منذ اتفاق آذار وحتى اليوم، دون أن تفضي إلى تسوية واضحة تعيد تعريف موقع هذه القوات أو مستقبل مناطق نفوذها.
وفي هذا الإطار، يتجدد الجدل حول طبيعة قسد، وبنيتها القيادية، والخلفيات التي شكّلت مسارها منذ التأسيس، ولا سيما ما يتصل بعلاقتها بحزب العمال الكردستاني، فما هي ظروف نشأة قسد، وتشكيل نفوذها، وتركيبة القرار داخلها، والشخصيات التي تتصدر قيادتها؟
النشأة والتشكيل العسكري
تُعد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أحد أبرز الفاعلين العسكريين في شمال وشرق سوريا منذ تأسيسها في تشرين الأول/أكتوبر 2015، بعد اندماج ثمانية فصائل عسكرية محلية تضم مكونات كردية وعربية وسريانية، وتشكلت بدعم من التحالف الدولي، وخاضت معارك واسعة ضد تنظيم “داعش”، انتهت بإخراجه من آخر معاقله في شرق سوريا عام 2019. [1]
مناطق النفوذ والموارد
يُقدَّر عدد عناصر قسد بنحو 100 ألف مقاتل، وتسيطر على مساحة تقارب 60 ألف كيلومتر مربع من الجغرافيا السورية، تشمل معظم مناطق شمال وشرق البلاد، بما فيها القسم الأكبر من حقول النفط والغاز والسدود، إضافة إلى إدارتها منظومة تعليمية مستقلة تضم أكثر من 850 ألف طالب. [1]
إقرأ أيضاً: الجيش السوري يفتح ممراً إنسانياً في حي الشيخ مقصود واتصال بين الرئيس الشرع وبارزاني لبحث الأوضاع
القيادة وبنية القرار
يتولى مظلوم عبدي القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية منذ تأسيسها، ويُعرف أيضًا باسم “فرهاد عبدي شاهين”، وكان مقرّبًا من عبد الله أوجلان خلال فترة إقامة الأخير في سوريا في تسعينيات القرن الماضي. [2]
وإلى جانب عبدي، يبرز عدد من القادة السياسيين والعسكريين المرتبطين ببنية قسد والإدارة الذاتية. من بينهم آلدار خليل، المولود في مدينة الحسكة عام 1970، ويُعد أحد مهندسي ما يُسمى بالإدارة الذاتية في مناطق سيطرة قسد، وتولى مهام قيادية بعد تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي عام 2003، وهو عضو في هيئته الرئاسية، وشارك في لجان تفاوض مع دمشق ومع تيارات كردية أخرى.
كما يبرز صالح مسلم، المولود عام 1951 في قرية شييران قرب عين العرب شمال شرقي حلب، والذي شغل منصب الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي بين عامي 2012 و2017، وشارك في تأسيس الإدارة الذاتية عام 2014، إضافة إلى دوره في تشكيل قسد ومجلس سوريا الديمقراطية.
ويُعد محمود برخدان، المعروف أيضًا باسم “محمود رش”، من أبرز الشخصيات العسكرية في قسد، إذ انضم إلى حزب العمال الكردستاني عام 1986، وشارك منذ عام 2003 مع قيادات الحزب في تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي. ويُنظر إليه باعتباره الرجل الثاني في قسد، مع تداول أنباء سابقة عن احتمال توليه قيادة القوات بدلًا من مظلوم عبدي. وفي عام 2021، هدّد مسؤولون في إقليم كردستان العراق بالتدخل عسكريًا في حال شنّ عملية مسلحة تتبع لحزب العمال الكردستاني.
كما تبرز إلهام أحمد، المولودة قرب مدينة عفرين شمال غربي حلب، والتي تشغل منصب الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، وشغلت سابقًا منصب الرئيسة المشتركة لمجلس سوريا الديمقراطية. وانضمت إلى حزب العمال الكردستاني في سن مبكرة، وتُعد من أبرز كوادر جبال قنديل.
ويضاف إلى ذلك باهوز أردال، واسمه الحقيقي فهمان حسين، وينحدر من منطقة المالكية شمال شرقي سوريا، ويُعد أحد أبرز القادة العسكريين في تنظيم حزب العمال الكردستاني، وكان طالبًا في كلية الطب بجامعة دمشق قبل التحاقه بالحزب. شغل منذ عام 2014 منصب المسؤول العام لحزب العمال الكردستاني في سوريا، ولعب دورًا محوريًا في إنشاء وتدريب وحدات حماية الشعب التي تُعد العمود الفقري لقسد.

العلاقة مع حزب العمال الكردستاني
تُثار على نطاق واسع مسألة العلاقة بين قسد وحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنّف تنظيمًا إرهابيًا في تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وتؤكد أنقرة أن قسد، ولا سيما وحدات حماية الشعب، تمثل امتدادًا مباشرًا للحزب، مستندة إلى تشابه الأيديولوجيا وتداخل القيادات، إضافة إلى رفع أعلام الحزب وصور عبد الله أوجلان في مناطق سيطرة قسد. [2]
في المقابل، تنفي قسد وجود ارتباط تنظيمي مباشر بحزب العمال الكردستاني، وتقول إن العلاقة تندرج في إطار الخلفيات الفكرية لبعض القيادات، إلا أن استمرار حضور رموز الحزب وصور زعيمه يبقي هذا الملف محل جدل سياسي وأمني مستمر.
حزب العمال الكردستاني وعبد الله أوجلان
تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 بقيادة عبد الله أوجلان، وتبنى في بداياته أيديولوجيا ماركسية–لينينية، وبدأ تمرده المسلح ضد الدولة التركية مطلع الثمانينيات.
أقام مؤسسه عبد الله أوجلان في سوريا لفترة طويلة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث كان يعيش على الأراضي السورية ويقود نشاط حزب العمال الكردستاني انطلاقًا منها. وخلال تلك المرحلة، أشرف أوجلان على تدريب عناصر حزبه في مناطق شمال شرقي سوريا، وذلك بموافقة ودعم من نظام حافظ الأسد، في سياق استخدام دمشق للورقة الكردية ضمن صراعها السياسي والأمني مع أنقرة.
ومع تصاعد التوتر في العلاقات السورية–التركية أواخر التسعينيات، وتحديدًا بعد تهديدات تركية مباشرة، اضطرت دمشق إلى إخراج أوجلان من سوريا عام 1998، عقب مطالبة أنقرة بتسليمه. وغادر أوجلان الأراضي السورية متنقلًا بين عدة دول، قبل أن يُعتقل عام 1999 في عملية أمنية دولية، تشير العديد من المصادر إلى دور غير مباشر للنظام السوري آنذاك في تهيئة ظروفها، في إطار تسوية سياسية مع تركيا.
بعد اعتقاله، حُكم على أوجلان بالسجن المؤبد في تركيا، ولا يزال منذ ذلك الحين محتجزًا في سجن إيمرالي، حيث يقبع في عزلة مشددة.
ورغم اعتقاله، ما يزال أوجلان يُنظر إليه كمرجعية فكرية وتنظيمية لدى حزب العمال الكردستاني، وتُستمد من كتاباته وأطروحاته الأسس النظرية لنموذج “الإدارة الذاتية” الذي تتبناه قوى مرتبطة بالحزب في سوريا والعراق. ويُفسّر هذا الدور الرمزي استمرار رفع صوره وشعاراته في مناطق نفوذ قوات سوريا الديمقراطية، وما يرافق ذلك من جدل سياسي وأمني على المستويين الإقليمي والدولي.

وخلال الفترة الأخيرة، توصلت الحكومة التركية إلى تفاهمات مع عبد الله أوجلان تقضي بحل حزب العمال الكردستاني مقابل الإفراج عنه، في إطار مسار سياسي جديد. وفي هذا السياق، دعا أوجلان أنصاره إلى إلقاء السلاح، والدخول في مفاوضات مع الحكومة التركية، واعتماد الحلول السياسية بدل العمل المسلح، في خطوة وُصفت بأنها تحوّل لافت في مسار الحزب بعد عقود من الصراع.
يُعد الأكراد أحد أقدم المكونات السكانية في سوريا، ويعود وجودهم التاريخي في البلاد إلى قرون طويلة، حيث تركزوا تقليديًا في مناطق شمال وشمال شرق سوريا، ولا سيما في محافظات الحسكة وحلب، إضافة إلى مدن وبلدات مثل القامشلي وعين العرب (كوباني) وعفرين. وبحسب التقديرات، تُقدَّر نسبة الأكراد في سوريا بما يتراوح بين 10 و15% من إجمالي السكان قبل عام 2011، أي ما يعادل نحو 2 إلى 2.5 مليون نسمة، ما يجعلهم أكبر أقلية قومية في البلاد. وقد لعب الأكراد دورًا سياسيًا واجتماعيًا متباينًا في تاريخ الدولة السورية الحديث، وسط مطالب متكررة بالاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية، قبل أن يبرز حضورهم بشكل أوسع بعد عام 2011.
المصادر:
[1] BBC Arabic – من هي قوات سوريا الديمقراطية؟
[2] BBC – Why Turkey sees the YPG as linked to the PKK
[3] Encyclopaedia Britannica – Abdullah Öcalan / PKK






