المحامي الكيلاني: أبرز تحدٍّ ظهر أو يمكن أن يظهر هو أن المحاكمة تجري ضمن قانون العقوبات السوري العادي، لا ضمن قانون خاص بالعدالة الانتقالية
“تعتبر هذه الجلسة خطوة مهمة وإيجابية، وليست إجراءً شكليًا”، بهذا التوصيف يفتتح المحامي والحقوقي السوري المعتصم بالله الكيلاني قراءته لجلسة محاكمة عاطف نجيب في مقابلة خاصّة مع شبكة درعا 24، حيث يراها انتقالاً من مرحلة المطالبة بالعدالة إلى اختبار أدواتها فعلياً. فالمحاكمة، المرتبطة رمزياً ببدايات الثورة في درعا، لا تطرح فقط سؤال المحاسبة، بل تفتح نقاشاً أوسع حول معايير العدالة وإمكانية بناء مسار قضائي فعلي في سوريا.
الكيلاني هو محامٍ وباحث قانوني مختص بملفات العدالة الانتقالية والمساءلة الجنائية وحقوق الضحايا، ركّز خلال السنوات الماضية على دراسة الأطر القانونية للانتهاكات الجسيمة، وتحليل مدى مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ومكافحة الإفلات من العقاب، في عدّة دول، سوريا والسودان والصومال واليمن وفلسطين وتونس.
في هذه المقابلة مع درعا 24، يقدّم الكيلاني قراءة قانونية حول جلسة محاكمة عاطف نجيب، ويستعرض أبرز التحديات الإجرائية والقانونية، ودلالات هذه القضية في الذاكرة السورية ورمزيتها، إضافةً إلى تقييمه لقدرة القضاء السوري، ودور العدالة الانتقالية وأهميتها، وموضوع التغطية الإعلامية في هذا النوع من المحاكمات.
كيف تقيّمون جلسة محاكمة عاطف نجيب من حيث الإجراءات القانونية وسير المحاكمة؟ وإلى أي مدى ترون أنها تقترب من معايير المحاكمات العادلة المعتمدة دولياً؟
أقيّم الجلسة باعتبارها خطوة مهمة وإيجابية، وليست إجراءً شكليًا. مجرد انعقاد محاكمة علنية في ملف بهذا الحجم، وبحضور المتهم عاطف نجيب، وبوجود ادعاءات شخصية من الضحايا، يمثل انتقالًا مهمًا من مرحلة المطالبة بالعدالة إلى مرحلة اختبار أدوات العدالة فعليًا. ومع ذلك، فإن الاقتراب من معايير المحاكمة العادلة لا يُقاس بالرمزية وحدها، بل بضمانات واضحة: علنية الجلسات، حق الدفاع، استقلال المحكمة، تمكين الضحايا من المشاركة، تنظيم الأدلة، وتسبيب القرارات. هذه الضمانات هي جوهر المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تشترط محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة.
ما أبرز التحديات الإجرائية أو القانونية التي ظهرت خلال الجلسة، سواء على مستوى تقديم الأدلة، أو تنظيم الجلسات، أو ضمان حقوق الأطراف؟
أبرز تحدٍّ ظهر أو يمكن أن يظهر هو أن المحاكمة تجري ضمن قانون العقوبات السوري العادي، لا ضمن قانون خاص بالعدالة الانتقالية أو تشريع يجرّم صراحة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. هذا لا يلغي قيمة المحاكمة، لكنه يجعلها غير مكتملة قانونيًا. هناك أيضًا تحديات مرتبطة بتنظيم الأدلة، وحماية الشهود والضحايا، ومنع تحويل الجلسات إلى مساحة خطابية، إضافة إلى ضرورة ضبط علنية المحاكمة بحيث تخدم الشفافية دون أن تمسّ حقوق الأطراف أو سلامة الإجراءات.
اقرأ أيضاً: العقيد يسرى القطاعنة لدرعا 24: النساء شريكات في بناء سوريا المقبلة
ما الذي تمثّله هذه المحاكمة في الذاكرة السورية، خصوصاً في سياق انطلاقة الثورة؟ وهل ترون أنها ذات طابع رمزي بالدرجة الأولى، أم أنها تشكّل بداية لمسار قضائي قابل للتراكم؟
هذه المحاكمة تحمل قيمة كبيرة في الذاكرة السورية، لأنها ترتبط ببدايات الثورة وبأحد الأسماء التي ارتبطت رمزيًا بمرحلة درعا. لذلك فهي ذات طابع رمزي واضح، لكنها ليست رمزية فقط. قيمتها الأهم أنها قد تتحول إلى بداية مسار قضائي قابل للتراكم، إذا أُحسن بناؤها قانونيًا، وإذا لم تُعامل كملف منفصل، بل كجزء من مسار أوسع للمساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر.

بعد تأجيل الجلسة حتى العاشر من مايو، كيف تقرأون مسألة الزمن في هذه المحاكمة؟ هل يُعدّ امتدادها لفترة طويلة أمراً طبيعياً ضمن الأصول القانونية، أم قد يثير مخاوف من إطالة الإجراءات بما يؤثر على تحقيق العدالة الناجزة؟
تأجيل الجلسة إلى 10 مايو لا يُعد بحد ذاته مؤشرًا سلبيًا. في القضايا الجنائية الكبرى، وخاصة عندما يكون هناك عدد كبير من الضحايا أو المتهمين أو الأدلة، فإن الزمن جزء طبيعي من ضمان المحاكمة العادلة. العدالة الناجزة لا تعني العدالة المتسرعة. لكن في المقابل، يجب ألا يتحول الزمن إلى إطالة غير مبررة. المطلوب هو جدول زمني واضح، وإدارة قضائية فعالة، وتمكين الأطراف من ممارسة حقوقهم دون تعطيل. وقد أفادت تقارير صحفية بأن الجلسة رُفعت إلى 10 مايو/أيار 2026.
هل القضاء السوري اليوم قادر فعلياً، من حيث البنية والاستقلالية والخبرة، على إدارة ملف بهذا الحجم والتعقيد؟ وما أبرز الإصلاحات أو الضمانات التي ترونها ضرورية لتمكينه من ذلك؟
القضاء السوري أمام اختبار كبير. القدرة لا تتعلق فقط بوجود قضاة ومحاكم، بل بالبنية المؤسسية والاستقلال والخبرة الفنية في التعامل مع ملفات الانتهاكات الجسيمة. المطلوب ليس التشكيك بالقضاء، بل دعمه وتمكينه. وهذا يقتضي ضمان استقلال القضاة، إنشاء دوائر أو غرف متخصصة، تدريب القضاة والنيابة والمحامين على الجرائم الدولية، حماية الشهود والضحايا، وتطوير قواعد التعامل مع الأدلة المعقدة، خصوصًا الأدلة الرقمية والوثائقية والطبية
كيف تضعون هذه المحاكمة ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا؟ وهل يمكن البناء عليها كنقطة انطلاق، أم أنها تبقى خطوة محدودة ما لم تُدمج ضمن إطار وطني شامل للعدالة؟
أضع هذه المحاكمة كنقطة انطلاق مهمة، لا كمسار مكتمل. العدالة الانتقالية لا تختزل في محاكمة واحدة، بل تشمل المحاسبة، كشف الحقيقة، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار. لذلك يمكن البناء على هذه المحاكمة، بشرط أن تُدمج ضمن إطار وطني شامل للعدالة الانتقالية، وألا تبقى محكومة فقط بقانون العقوبات العادي. هنا تكمن الفرصة: أن تتحول هذه البداية إلى أساس لمسار وطني منظم.
اقرأ أيضاً: مقابلة مصورة مع رئيس فرع نقابة المحامين بدرعا، المحامي سليمان القرفان
إلى أي مدى يمكن أن يؤثر البعد الإعلامي للمحاكمات على مسار العدالة، خصوصاً عندما يُمنح المتهم مساحة للحديث أمام الجمهور؟ ومع احتمال توسّع هذه المحاكمات لتشمل متهمين آخرين مستقبلاً، كيف يمكن الحد من تحوّل بعض القضايا إلى منصات خطابية أو دعائية للمتهمين، دون الإخلال بحقوقهم القانونية؟ وهل ترون ضرورة لوضع ضوابط على التغطية الإعلامية لضمان عدم التأثير على الرأي العام أو سير المحاكمة؟
الإعلام ضروري لضمان الشفافية، وخاصة في محاكمة تهم الرأي العام والضحايا. لكن العلنية لا تعني الفوضى. من حق المتهم أن يتكلم ويدافع عن نفسه، لكن ليس من حقه تحويل المحكمة إلى منصة دعائية أو وسيلة لإعادة إنتاج خطاب يسيء للضحايا أو يؤثر على الشهود. لذلك أرى ضرورة وضع ضوابط مهنية للتغطية الإعلامية، كمنع التحريض، حماية هوية الشهود والضحايا عند اللزوم، تنظيم البث أو النشر، وعدم السماح باستخدام المحكمة كمنبر سياسي. العهد الدولي نفسه يقر مبدأ علنية المحاكمة، مع إمكان تقييد حضور الصحافة والجمهور في حالات محددة لحماية النظام العام أو العدالة أو الخصوصية.
إلى أي مدى أحرزت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا تقدماً فعلياً في مسار تحقيق العدالة؟ وما أبرز التحديات التي ما تزال تعيق عملها؟
لا يمكن إنكار أن وجود هيئة وطنية للعدالة الانتقالية يمثل خطوة مهمة من حيث المبدأ، لأنه يعني الاعتراف بالحاجة إلى مسار خاص لا تفي به المحاكمات العادية وحدها. لكن التقدم الفعلي لا يزال بحاجة إلى قياس واضح: هل هناك قانون ناظم؟ هل توجد صلاحيات محددة؟ هل توجد آليات للضحايا؟ هل هناك خطة لجبر الضرر وحفظ الذاكرة وكشف الحقيقة؟ التحدي الأكبر أن تبقى الهيئة إطارًا رمزيًا لا يمتلك أدوات قانونية وتنفيذية كافية. المطلوب اليوم هو تمكينها بتشريع واضح، موارد مستقلة، مشاركة حقيقية للضحايا، وتكامل مع القضاء الوطني لا تنافس معه. بعض التقارير المحلية أشارت إلى بطء في مسار العدالة الانتقالية والحاجة إلى قانون ناظم، وهو ما يعزز ضرورة الانتقال من الرمزية إلى البناء المؤسسي







