أثارت جريمة مقتل الطفلة نور مهند الدوس، البالغة من العمر 12 عاماً، في بلدة نمر بريف محافظة درعا الشمالي، موجة غضب واسعة، بعدما كشفت شهادات أفراد من عائلتها أن الجريمة سبقتها مؤشرات على تعرضها للعنف، وشكاوى ومحاولات لاستعادتها وحمايتها، من دون استجابة فعّالة من الجانب القضائي، وفق رواية الأسرة.
تُعيد درعا 24 في هذه المادة ترتيب القصة كاملة، استناداً إلى البيانات الرسمية والمقابلات مع أقارب الطفلة، إذ كانت نور تقيم خلال الأشهر الأخيرة في منزل والدها، بعد قرار قضائي بنقلها من منزل والدتها، قبل أن تُفقد لاحقاً ويُعثر عليها مقتولة ومدفونة في أرض زراعية.
انتقالها إلى منزل والدها
قالت السيدة ريما المصري، والدة نور، إن ابنتها انتقلت إلى منزل والدها بموجب قرار قضائي قبل نحو تسعة أشهر، وإنها لم تتمكن من رؤيتها مدة تقارب ستة أشهر.
وأضافت الأم أن نور كانت تطلب رؤية والدتها وأقاربها من جهة الأم، إلا أنهم لم يكونوا يُسمح لهم بلقائها، مشيرةً إلى أن آخر مرة شاهدت فيها ابنتها كانت خلال لقاء قصير داخل سيارة لم يستمر سوى دقائق.
ولم تُنشر نسخة من قرار الحضانة أو التسليم، كما لم يصدر توضيح رسمي بشأن تاريخ القرار، أو الأسباب التي استند إليها، أو آلية تنظيم زيارة الأم لطفلتها.
تعنيف أسري سابق وتحذيرات للقضاء
تقول السيّدة ميسون الدبة، جدة نور من جهة الأم إن العائلة علمت بتعرض الطفلة للضرب، وشاهدت آثاراً واضحة على جسدها، من بينها إصابة قرب عينها.
وأضافت الجدة إنها راجعت قاضياً وأطلعته على وضع الطفلة، وحذرته من أن نور قد تموت إذا بقيت في الظروف ذاتها.
وبحسب روايتها، قالت للقاضي: “راح أجيك بيوم من الأيام وأقلك البنت ماتت”، موضحةً أنها عرضت عليه آثار الضرب قرب عين نور عبر صورة في الجوال، إلا أن رده كان، وفق ما نقلته الجدة: “هي عند أهلها… أهلها بربوها”، وردّت عليه أن التربية ليست بالضرب.
وأكدت الجدة، أن الأسرة قدمت صوراً وشكاوى إلى جهات قضائية بشأن تعرض الطفلة للعنف، وطالبت بالتحقيق في كيفية التعامل مع تلك البلاغات.
لم يصدر رد من الجهة القضائية المعنية أو وزارة العدل على رواية الأسرة وما ذكرته عن مراجعات سابقة لحماية نور، حتى لحظة إعداد هذه المادة.
فقدان نور ثم العثور عليها مدفونة
قبل العثور على جثمانها بأربعة أيام، أُبلغ عن فقدان نور في بلدة نمر.
عُثر على جثمان نور يوم 27 تموز/يوليو 2026، مدفوناً في أرض زراعية في محيط بلدة نمر، وفق ما رصده مراسل درعا 24 حينها. موضحاً أن العثور عليها كان في منطقة زراعية في محيط بلدة نمر.
وأفاد أقارب الطفلة، في مقابلة مصورة، بأن الجثمان عُثر عليه داخل حفرة ومغطى بالحجارة.
أخيراً، أُحيل جثمان نور إلى الطبيب الشرعي في وقتها، لتحديد سبب الوفاة.
الأمن يصدر بيانات
أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة درعا، في اليوم التالي للعثور على الجثمان، أن مديرية الأمن الداخلي في مدينة نوى باشرت البحث والتحري منذ لحظة الإبلاغ عن فقدان نور، وأن الكشف الطبي الشرعي الأولي أظهر أن الوفاة ناجمة عن نزيف داخلي، فيما قادت التحقيقات إلى توقيف مشتبه به رئيسي.
وفي أحدث بيان اليوم بتاريخ 31 تموز 2026، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن مديرية الأمن الداخلي في مدينة نوى تمكنت من كشف ملابسات الجريمة، مؤكدة أن التحقيقات وجمع الأدلة أسفرت عن تحديد هوية القاتل، ليتبين أنه عمّ الطفلة المدعو (م. د)، والذي أقر، وفق الوزارة، بارتكاب الجريمة.
وأضافت الوزارة أن التحقيقات أسفرت أيضاً عن إلقاء القبض على والد الطفلة (م. د)، وعمها الثاني (م. د)، بتهمة التستر على الجريمة، قبل إحالتهم جميعاً إلى القضاء المختص لاستكمال الإجراءات القانونية.
ولم تنشر وزارة الداخلية حتى الآن تفاصيل الدافع أو كيفية ارتكاب الجريمة، كما لم يصدر التقرير النهائي للطبيب الشرعي.
وفي حين تداولت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي روايات تتهم والد الطفلة وأحد أقاربها بالجريمة، وتتحدث عن تعرضها لاعتداء جنسي، لم يصدر حتى الآن بيان رسمي أو تقرير معلن للطب الشرعي أو النيابة العامة يؤكد هذه المعلومات.
رواية الأسرة وسبب الوفاة
قال أفراد من عائلة نور في مقابلات إعلامية إن الطفلة تعرضت قبل وفاتها للعنف والخنق. في المقابل، أعلن بيان قيادة الأمن الداخلي أن الكشف الطبي الشرعي الأولي أظهر أن الوفاة ناجمة عن نزيف داخلي.
ولا يمكن حسم هذا التباين من دون نشر التقرير النهائي للطبيب الشرعي، الذي يُفترض أن يحدد طبيعة الإصابات، وآلية وقوعها، والوقت التقريبي للوفاة.
وبحسب أحدث بيان لوزارة الداخلية، فقد أقرّ المتهم الرئيسي، وهو عمّ الطفلة، خلال التحقيق بارتكاب الجريمة. إلا أن الوزارة لم تنشر حتى الآن تفاصيل الاعتراف أو الدافع أو الكيفية التي ارتُكبت بها الجريمة.
ولا يزال العديد من أهالي وناشطي محافظة درعا يتساءلون عن سبب عدم نشر التقرير النهائي للطبيب الشرعي أو مزيد من التفاصيل الرسمية حول القضية.
اقرأ أيضاً: العنف ضد المرأة في حوران: ما هي الحلول؟ (3/3)
أسئلة تتجاوز الجريمة
إلى جانب التحقيق في مقتل نور، تطرح شهادات عائلتها أسئلة حول ما إذا كانت الجهات القضائية قد تلقت بالفعل بلاغات سابقة بشأن تعرضها للعنف، وما الإجراءات التي اتُّخذت بعد تلك البلاغات.
كما تثير القضية تساؤلات حول الظروف التي صدر فيها قرار نقل الطفلة إلى منزل والدها، وما إذا جرى الاستماع إليها بصورة مباشرة، أو تقييم وضعها النفسي والجسدي، أو التحقق من الصور التي تقول الأسرة إنها قدمتها لإثبات تعرضها للضرب.
وطالبت عائلة نور بمحاسبة جميع من يثبت تورطه في قتلها أو الاعتداء عليها، إلى جانب التحقيق مع كل جهة تلقت تحذيرات سابقة ولم تتخذ، وفق رواية الأسرة، إجراءات كافية لحمايتها.
ومع إعلان وزارة الداخلية توقيف عمّ الطفلة بتهمة القتل، ووالدها وعمها الآخر بتهمة التستر على الجريمة، وإحالتهم جميعاً إلى القضاء المختص، تبقى أسئلة مطروحة حول تفاصيل الجريمة، والدافع، ونتائج التقرير النهائي للطبيب الشرعي، إضافة إلى مصير الشكاوى السابقة التي قالت عائلة الطفلة إنها تقدمت بها قبل وقوع الجريمة.
اقرأ أيضاً: الأطفال في مرمى العنف في درعا: 11 مصاباً خلال شهر آب
ليست الحادثة الأولة
لم تكن قضية نور الدوس الحادثة الوحيدة التي هزّت محافظة درعا خلال الأسابيع الأخيرة، إذ سبقتها قضية الطفلة فرح عمار الحمود (عامان ونصف)، من بلدة غباغب في ريف درعا الشمالي.
ففي 16 تموز/يوليو 2026، فُقدت فرح أثناء وجودها في الحي الشرقي من البلدة، قبل أن يطلق ذووها والأهالي، بمشاركة الجهات الأمنية، عمليات بحث استمرت عدة أيام.
وفي 20 تموز/يوليو، عُثر على الطفلة متوفاة داخل مستودع للتبن في البلدة، بعد أن لاحظ أحد الجيران انبعاث رائحة من المكان وأبلغ الجهات المختصة، لتباشر قوى الأمن والشرطة الجنائية تحقيقاتها وتنقل الجثمان إلى الطبيب الشرعي. وحتى الآن، لم تُعلن الجهات الرسمية نتائج التحقيق النهائية أو ملابسات الوفاة.
أعادت جريمـتا فرح الحمود ونور الدوس، اللتان وقعتا مؤخراً وخلال فترة زمنية متقاربة، التأكيد على قضايا حماية الأطفال، وآليات الاستجابة لبلاغات فقدانهم أو تعرضهم للعنف، وأهمية الإعلان عن نتائج التحقيقات بما يبدد الشائعات ويعزز ثقة الرأي العام.
اقرأ أيضاً: أكثر من أربعة أشهر على مقتـل الطفلة فيروز، فهل سيتم تحقيق العدالة؟






