خلف أبواب المنازل.. من يحمي الأطفال من العنف الأسري في درعا؟

من يحمي الأطفال من العنف الأسري في درعا؟
من يحمي الأطفال من العنف الأسري في درعا؟

طفلٌ صغيرٌ يتلّقى صفعاتٍ متتاليةٍ على وجهه، يبكي ويصرخ، ثم يدفعه المعتدي بقدمه عدّة مرات، قبل أن يحمله عن الأرض ثم يلقيه. يوثق المعتدي بنفسه هذه المشاهد في تسجيل مصور، تبيّن لاحقاً أنه والد الطفل، وأنه استخدم التسجيل لتهديد والدته.

وتشير المعلومات إلى أن الأب حوسب وسُجن على خلفية تعنيف الطفل وانتشار التسجيل، فيما أُبعد الطفل عنه، وهو يقيم حالياً في ليبيا في حضانة والدته.

في حالة هذا الطفل انتهى الأمر بإبعاد الطفل عن مصدر العنف، لكن أطفالاً آخرين قد لا يصل إليهم التدخل في الوقت المناسب.

في بلدة نمر بريف درعا الشمالي، كانت الطفلة نور مهند الدوس (12 عاماً) تقيم في منزل والدها بعد انتقالها إليه بموجب قرار قضائي، وفق والدتها ريما المصري. وتقول عائلتها من جهة الأم إن نور تعرضت للضرب، وإنها أبلغت القضاء بذلك وحذرت من الخطر على حياتها. لاحقاً، عُثر على الطفلة مقتولة ومدفونة في أرض زراعية.

بين الحالتين يبرز السؤال الذي يتتبعه هذا التقرير: ماذا يحدث عندما يتعرض طفل للعنف داخل أسرته؟ من يستطيع الإبلاغ؟ ومتى تتدخل الجهات المعنية إذا كان مصدر الخطر أحد الأشخاص المسؤولين أصلاً عن حمايته؟

تتبعت درعا 24 مسار حماية الطفل المعنَّف في درعا، من اكتشاف العنف والإبلاغ عنه إلى تدخل الشؤون الاجتماعية والشرطة والقضاء. وتكشف شهادات عائلات ومختصين ومسؤولين عن غياب مركز متخصص لحماية الأطفال في المحافظة، ونقص الكوادر، وعدم وجود آلية موحدة وواضحة للتبليغ وتقييم الخطر.

“راح أجيك بيوم من الأيام وأقلك البنت ماتت”

قالت ميسون الدبة، جدة نور من جهة والدتها، إن الأسرة كانت تعلم بتعرض الطفلة للضرب، وإنها شاهدت آثاراً على جسدها، من بينها إصابة قرب عينها.

وتقول الجدة إنها راجعت القضاء وأظهرت لقاضٍ صورة لآثار الضرب على نور، محذرةً من أن استمرار الوضع قد يؤدي إلى موتها.

قالت له: “راح أجيك بيوم من الأيام وأقلك البنت ماتت”.

ثم ماتت نور.

تعنيف الأطفال
اقرأ أيضاً: تحذيرات لم تجد من ينقذها.. التسلسل الزمني لقضية الطفلة نور الدوس التي أعادت ملف تعنيف الأطفال إلى الواجهة

بعد الإبلاغ عن فقدانها، عُثر على جثمانها في 27 تموز/يوليو مدفوناً في أرض زراعية في محيط نمر.

أعلنت وزارة الداخلية لاحقاً أن التحقيقات توصلت إلى أن عمّ الطفلة قتلها، وأنه أقر بارتكاب الجريمة. كما أوقفت السلطات والد نور وعمها الآخر بتهمة التستر.

وفي تصريحات لاحقة، قال رئيس النيابة في نوى عبد المجيد بداوة إن التحقيقات الأولية أظهرت أن نور قُتلت قبل ثلاثة أيام من الإبلاغ عن فقدانها، جراء الضرب المبرح من عمها، وإن والدها لم يكن موجوداً لحظة وقوع الجريمة، لكنه ساعد، وفق التحقيقات، شقيقيه في دفن الجثمان بعد عودته من دمشق.

وقال إن المشتبه بهم كانوا ينوون الإبلاغ عن فقدان نور للتغطية على الجريمة، فيما أظهر فحص الطب الشرعي أن الوفاة نجمت عن الأذيات الناتجة عن الضرب.

وبسبب عمل أحد المتهمين في وزارة الدفاع، أحيلت القضية، وفق رئيس النيابة، إلى النيابة العسكرية العامة تبعاً لقواعد الاختصاص.

بعد تصريحات أسرتها عن تحذيرات سابقة للقضاء، أعلنت وزارة العدل تشكيل لجنة تفتيش عاجلة للتوجه إلى المنطقة ومراجعة جميع الإجراءات القضائية والتنفيذية المرتبطة بالقضية، بما فيها القرارات والإجراءات التي اتخذت سابقاً، وقالت إنها ستتخذ إجراءات قانونية وإدارية بحق أي تقصير يثبت.

وبذلك أصبح التحقيق في قضية نور يسير في اتجاهين: الأول يتعلق بالجريمة نفسها، والثاني بما إذا كانت هناك فرصة سابقة لحماية الطفلة ولم تُستثمر.

طفلة أخرى.. وأسئلة أخرى

قبل نور بأيام، كانت بلدة غباغب في ريف درعا الشمالي تبحث عن طفلة أخرى.

فُقدت فرح عمار الحمود، البالغة عامين ونصف العام، في 16 تموز/يوليو. وبعد أربعة أيام من البحث، عُثر عليها متوفاة داخل مستودع للتبن في البلدة، بعد أن لاحظ أحد الجيران رائحة من المكان وأبلغ الجهات المختصة.

وأثارت القضية غضباً محلياً. وفي وقفة نظمها أهالي غباغب تضامناً مع عائلة فرح، ردد المشاركون: “الشعب يريد إظهار الحق”، مطالبين بكشف ملابسات وفاتها ومحاسبة المسؤولين عنها، ولم يُكشف عن ذلك حتى اليوم أي نتائج جديدة.

في آخر ما نشرته والدة فرح عبر حسابها على فيس بوك قالت: “لا تراهنوا على النسيان: فدمُ فرح ليس صفحة تُطوى، والشارع لن يهدأ… ​فكّكوا حلقة التستر: التحقيق الجاد يبدأ من مواجهة المتهمين والمجرمين دون خطوط حمراء”.

وأضافت: “​الآن هو الاختبار الحقيقي لما تبقى من هيبة العدالة. ​لن ننسى، ولن نسامح، وستبقى فرح القربان الذي يفضحه صمتكم!”.

ولا تسمح المعلومات المعلنة حتى الآن بتصنيف قضية فرح باعتبارها حالة عنف أسري، إذ لم تعلن الجهات الرسمية نتائج نهائية تثبت ذلك. لكنها، مع قضية نور وحوادث أخرى، أعادت إلى النقاش سؤالاً أوسع حول سلامة الأطفال، وكيفية اكتشاف الخطر الذي يتعرضون له والاستجابة له.

فالحالات التي تنتهي بالموت تصبح أخباراً. أما العنف الذي يحدث يومياً داخل المنزل فقد لا يراه أحد.

لا أرقام دقيقة في درعا

بهدف معرفة حجم المشكلة تحدثت درعا 24 مديرة الشؤون الاجتماعية في درعا، الأستاذة دانيا المفعلاني، التي أكدت عدم وجود إحصائيات دقيقة لعدد حالات العنف أو التعنيف ضد الأطفال في المحافظة خلال عامي 2025 و2026.

وبحسب المفعلاني، فإن أبرز أشكال العنف في الحالات التي تصل إلى الجهات المعنية هي العنف الجسدي والنفسي، ومعظمها يحدث داخل الأسرة.

يدور كل ذلك في فهم صعوبة الحماية: المكان الذي يفترض أن يكون البيئة الأولى لحماية الطفل قد يكون أحياناً المكان الذي يتعرض فيه للأذى، فيما يبقى ما يحدث داخله بعيداً عن المؤسسات ما لم يخرج منه بلاغ.

وتقول مديرة الشؤون الاجتماعية، إن البلاغات تصل عبر قنوات مختلفة، بينها الشرطة ومديرية الشؤون الاجتماعية والهلال الأحمر والمحامي العام، إضافة إلى بعض الحالات المرتبطة بالاتجار بالأشخاص.

لكنها تشير إلى مشكلة أساسية: لا توجد حالياً آلية واضحة ودقيقة وموحدة لتحديد ما إذا كان الطفل معرضاً للخطر.

كما تقول إن تقييم حجم الأذى قد يكون صعباً، خصوصاً عندما يحدث العنف داخل الأسرة، وإن الجهات المختصة لا تستطيع متابعة الحالة أو التدخل فيها إلا بعد ورود بلاغ رسمي.

إذاً، لكي تبدأ المؤسسات عملها، يجب أولاً أن يصل إليها ما يحدث خلف باب المنزل.

اقرأ أيضاً: اقرأ أيضاً: الأطفال في مرمى العنف في درعا: 11 مصاباً خلال شهر آب

ماذا يحدث عندما يصل البلاغ؟

بحسب المفعلاني، تتدخل الشرطة عند وصول حالة تتعلق بطفل، ويُنظم ضبط بالواقعة ويُعد تقرير من الطبيب الشرعي، فيما يشارك موظف من الشؤون الاجتماعية والشرطة في متابعة الحالة.

وإذا تقرر أن الطفل يحتاج إلى الحماية بعيداً عن البيئة التي يعيش فيها، يمكن تحويله إلى أحد مراكز الرعاية في ريف دمشق، مثل بيتوت لحن الحياة، بحسب طبيعة الحالة والإمكانات المتاحة.

لكن هذا يقود إلى مشكلة أخرى.

لا يوجد في محافظة درعا مركز متخصص لرعاية الأطفال وحمايتهم من العنف، وفق مديرة الشؤون الاجتماعية.

وتقول المفعلاني إن المحافظة تعاني أيضاً نقصاً في الكوادر المتخصصة في حماية الطفل والتعامل مع حالات العنف.

من يكتشف الطفل المعنَّف؟

قبل الشرطة والقضاء والشؤون الاجتماعية، قد يكون هناك شخص آخر يرى أولى العلامات: مدرس يلاحظ تراجعاً مفاجئاً في التحصيل، أو مرشد نفسي يلاحظ انعزال طفل عن زملائه.

ويقولالأستاذ جمال الفلاح، الذي يعمل المرشد النفسي ومدرّس الفلسفة في مدارس بلدة معربة شرقي درعا، إن من العلامات التي يمكن ملاحظتها على الأطفال الذين يتعرضون للعنف تراجع التحصيل الدراسي والاغتراب الاجتماعي والميل إلى العزلة وعدم الثقة بالنفس.

ويلفت إلى ما يسميه “السلوك الانعكاسي”، إذ قد يعيد الطفل إنتاج العنف الذي يتعرض له ويصبح أكثر عدوانية، وقد تمتد آثار ذلك مستقبلاً إلى علاقاته وطريقة تعامله مع أسرته وأبنائه.

ويشير إلى أهمية الحوار مع الطفل، وتغيير طريقة التعامل معه، وعدم مقارنته بغيره وخاصة من الطلاب، ومنحه الاهتمام والرعاية واستخدام التعزيز الإيجابي.

ومهمة المدرسة وأماكن التربية خارج المنزل هي كل ما سبق من حوار وعدم مقارنة وأيضاً زيارة الأهل وتوعيتهم بضرورة تغيير معاملتهم للطفل والعمل على زرع الثقة بنفسه.

فيما يؤكد الأستاذ جمال الفلاح أن المدارس في محافظة درعا تفتقر إلى الاختصاص في فن التعامل مع الطفل، يوضح: “العنف ليس ظاهرة فردية بل تحتاج من المختصين القيام بجولات ميدانية وزيارات عائليةووقت وتفرّغ كافٍ لمحاولة فهم بيئة الطفل الاجتماعية”.

لكن اكتشاف العلامات لا يجيب وحده عن السؤال الأصعب: ماذا يفعل المدرس أو القريب أو الجار بعد أن يشتبه بأن طفلاً في خطر؟

بين البيت والشرطة والقضاء

المشكلة، وفق ما تقوله مديرة الشؤون الاجتماعية، ليست فقط نقص المراكز والكوادر، فمن أبرز التحديات أيضاً هي حالياً: غياب آلية واضحة للتبليغ عن حالات العنف أو الخطر الذي يتعرض له الأطفال، وضعف التنسيق ووضوح الأدوار بين الجهات المختلفة.

وتشير المفعلاني إلى تحدٍ آخر يرتبط بطبيعة المجتمع المحلي: لجوء بعض الحالات إلى آليات معالجة عشائرية لا تتوافق بالضرورة مع مصلحة الطفل الفضلى.

ويصبح السؤال أكثر تعقيداً عندما يكون الشخص المتهم بالعنف هو الأب أو الأم أو أحد أفراد الأسرة الذين يملكون سلطة مباشرة على الطفل.

من يستطيع حينها إخراج الطفل من المنزل؟ من يتخذ القرار؟ ما الأدلة اللازمة؟ وإلى أين يُنقل؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالخدمات الاجتماعية وحدها، بل بالقانون والقضاء أيضاً.

أين ينتهي “التأديب” ويبدأ التعنيف؟

تضع حالات العنف الأسري القانون أمام سؤال حساس: أين تنتهي سلطة الوالدين في التربية ويبدأ الفعل الذي يستوجب تدخل الدولة لحماية الطفل؟

تحدثت درعا 24 إلى المحامي سليمان القرفان، الذي يوضح أن قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021 ينص صراحة على حق الطفل في الحماية من أشكال العنف كافة، بما فيها الإساءة البدنية والمعنوية والجنسية، فضلاً عن الإهمال والتقصير والاستغلال.

لكن في المقابل، ما تزال المادة 185 من قانون العقوبات السوري تجيز “ضروب التأديب التي ينزلها بالأولاد آباؤهم وأساتذتهم على نحو ما يبيحه العرف العام”.

ويرى القرفان أن الإشكالية تكمن في أن المادة لم تضع معياراً دقيقاً لماهية “التأديب” المباح، وإنما أحالت إلى “العرف العام”، مؤكداً أن ذلك لا ينبغي تفسيره باعتباره رخصة مفتوحة للضرب أو الإهانة والإيذاء.

ويقول: “الأبوة والأمومة لا تمنحان حصانة من المسؤولية الجزائية، وصفة التأديب لا يمكن أن تكون غطاءً لجريمة”.

وعندما يكون مصدر العنف أحد الوالدين، لا يشترط، بحسب القرفان، أن يأتي البلاغ من الأب أو الأم أو الولي الشرعي، إذ يمكن أن يبدأ التحرك بناءً على بلاغ من قريب أو مدرسة أو طبيب أو شخص علم بوقوع الجريمة، بحسب طبيعة الواقعة. كما أن صلة القرابة بالمعتدي لا تلغي الصفة الجرمية للفعل إذا كان يشكل جريمة.

أما إبعاد الطفل عن أسرته، فيفرق القرفان بين إبعاده مؤقتاً عن مصدر خطر مباشر كإجراء لحمايته، وبين سلب الحضانة أو الولاية أو تقرير رعاية بديلة بصورة مستقرة، وهي إجراءات تحتاج إلى قرار من المرجع القضائي المختص.

ويعتبر أن المشكلة الأبرز لا تكمن فقط في وجود النص القانوني، وإنما في غياب أو عدم كفاية الآليات السريعة والمتخصصة التي تحول حق الطفل في الحماية إلى تدخل فعلي قبل وقوع أذى جسيم.

ويتقاطع ذلك مع ما تقوله مديرة الشؤون الاجتماعية في درعا دانيا المفعلاني عن عدم وجود آلية واضحة وموحدة لتقييم الخطر والتبليغ، وعدم وجود مركز متخصص لحماية الأطفال في المحافظة.

قانون جديد للعنف الأسري

وقد تشهد هذه المنظومة تغييرات قانونية قريباً. ففي آب/أغسطس 2026، أعلنت الحكومة العمل على مشروع قانون لمكافحة العنف الأسري، تشارك في إعداده وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل والداخلية والعدل والأوقاف، إلى جانب منظمات غير حكومية، تمهيداً لاستكمال الإجراءات القانونية وإحالته إلى مجلس الشعب.

وبحسب ما أُعلن عن المشروع، فإنه يتجه إلى إنشاء منظومة للحماية والوقاية، واستحداث آليات وجهات شرطية وقضائية متخصصة للتعامل مع قضايا العنف الأسري، وتعزيز تدابير حماية الضحايا.

ويرى القرفان أن أهمية أي تشريع جديد لا تكمن في تشديد العقوبات وحده، وإنما في الانتقال من “التدخل بعد وقوع الأذى” إلى “التدخل الوقائي قبل وقوع الأذى الجسيم”.

لكن المشروع لم يصبح قانوناً نافذاً بعد، كما أن نصه النهائي لم يصدر، وبالتالي يبقى الاختبار في ما ستتضمنه الصيغة النهائية من آليات فعلية للتبليغ وتقييم الخطر والتدخل والحماية.

وتثير قضية نور هذا بصورة مباشرة. إذا ثبت ما تقوله عائلتها عن تقديم صور وتحذيرات سابقة للقضاء، فإن القضية لن تتعلق فقط بمن قتل نور، بل بكيفية تعامل المؤسسات مع الإشارات التي سبقت مقتلها.

ولهذا تنتظر القضية أيضاً نتائج لجنة التفتيش التي أعلنت وزارة العدل تشكيلها للتحقق من الإجراءات السابقة ومدى الالتزام بالأصول القانونية.

هل يعرف الناس إلى من يبلغون؟

حتى وجود آليات للحماية لا يكفي إذا كان الشخص الذي يرى طفلاً في خطر لا يعرف إلى أين يتوجه.

طرحت درعا 24، خلال إعداد هذا التقرير، سؤالاً على متابعيها: “إذا علمت أن طفلاً يتعرض لتعنيف يهدد سلامته داخل أسرته، هل تعرف إلى أي جهة رسمية يمكنك الإبلاغ لحمايته؟”

شارك في الاستطلاع 373 شخصاً، وقال 271 منهم، أي نحو 73%، إنهم لا يعرفون إلى أي جهة يجب الإبلاغ، فيما قال 62 مشاركاً، نحو 17%، إنهم لا يعتقدون بوجود جهة يمكنها التدخل.

في المقابل، قال 25 مشاركاً فقط، أي نحو 7%، إنهم يعرفون الجهة وكيفية التواصل معها، فيما يعرف 15 مشاركاً الجهة لكنهم لا يعرفون كيفية التواصل معها.

وبذلك، فإن نحو تسعة من كل عشرة مشاركين (89%) إما لا يعرفون إلى أي جهة يجب الإبلاغ أو لا يعتقدون أن هناك جهة يمكنها التدخل.

استطلاع رأي
استطلاع رأي

ولا يشكل الاستطلاع عينة علمية ممثلة لسكان محافظة درعا، ولا يمكن تعميم نتائجه عليهم، لكنه يكشف مستوى المعرفة بين المشاركين فيه. وتتقاطع النتيجة مع ما تؤكده الجهات المختصة عن غياب آلية واضحة وموحدة للتبليغ عن حالات العنف أو الخطر الذي يتعرض له الأطفال.

تكشف الصورة التي تتشكل من الحالات والشهادات حتى الآن عن فجوات متعددة: لا توجد أرقام دقيقة لحجم العنف ضد الأطفال في درعا، ولا مركز متخصص لحمايتهم داخل المحافظة، وهناك نقص في الكوادر المتخصصة، فيما لا توجد آلية موحدة وواضحة للتبليغ وتقييم الخطر.

أما في التسجيل الذي بدأ منه هذا التقرير، كان هناك شخص يحمل كاميرا، ولذلك أصبح الاعتداء على الطفل مرئياً. لكن معظم ما يحدث خلف أبواب المنازل لا توجد كاميرا لتوثيقه. وبالنسبة إلى هؤلاء الأطفال، قد تبدأ الحماية عندما يلاحظ شخص أن هناك خطراً ويقرر ألا يصمت. لكن ما يحدث بعد ذلك — وكيف ينتقل البلاغ بين الأسرة والمدرسة والشؤون الاجتماعية والشرطة والقضاء، وما إذا كان هناك مكان آمن يمكن نقل الطفل إليه — هو الاختبار الحقيقي لأي منظومة يفترض أنها موجودة لحمايته.

وفي قضية نور، تقول عائلتها إن التحذير سبق موتها إلا أن الاستجابة لم تكن كذلك.

ويبقى السؤال بعد موتها: هل يصل التحذير القادم إلى جهة تستطيع التدخل في الوقت المناسب؟

موضوعات ذات صلة