بعد عودته إلى درعا.. أيمن الأسود وكتابه “الحر تكفيه الإشارة” في مقابلة مع درعا 24 عن الثورة والذاكرة والأم

أيمن الأسود وكتابه "الحر تكفيه الإشارة" في مقابلة مع درعا 24 عن الثورة والذاكرة والأم
أيمن الأسود وكتابه "الحر تكفيه الإشارة" في مقابلة مع درعا 24 عن الثورة والذاكرة والأم

كان أيمن الأسود من الأصوات التي واكبت انطلاق الثورة السورية من درعا في 18 آذار/مارس 2011، ونقل خلال أيامها الأولى ما يجري في المحافظة عبر وسائل إعلام عربية وأجنبية، قبل أن يوضع على لائحة الاغتيال لدى أجهزة النظام الأمنية ويغادر سوريا إلى الأردن، ثم يستقر لاجئًا سياسيًا في فرنسا.

سبقت معارضة الأسود لنظام بشار الأسد الثورة بسنوات، ثم خاض بعد اندلاعها تجربة العمل السياسي. وبعد سقوط النظام، عاد من فرنسا واستقر مجددًا في درعا.

ومؤخرًا، أصدر الأسود كتابه “الحر تكفيه الإشارة”، مستعيدًا فيه الثورة من خلال الناس وحكاياتهم، وذاكرته الشخصية والعائلية؛ في محاولة لحفظ جانب مما عاشه السوريون من النسيان.

أجاب أيمن الأسود عن أسئلة هذه المقابلة الخاصة التي أجرتها معه درعا 24 عبر تسجيلات صوتية، موضحًا أن مرض السكري أضرّ بشبكية عينيه. وتوقفت المقابلة عند الكتاب وذاكرة الثورة والحضور اللافت لوالدته في سردياته، وما غيّرته فيه سنوات الثورة والعمل السياسي والمنفى. كما عادت معه إلى البدايات في درعا، وحصيلة الثورة بعد خمسة عشر عامًا، وتجربة المعارضة السياسية، ورؤيته لسوريا بعد سقوط الأسد، وموقع درعا، وضرورة إنصاف عائلات من دفعوا أثمان الثورة.

كنت معارضًا لنظام بشار الأسد قبل اندلاع الثورة عام 2011؛ كيف بدأت معارضتك، وكيف أثرت تلك التجربة في موقفك عندما انطلقت الثورة من درعا؟

صحيح،  كنت معارضًا. تربّينا في بيئة تكره الظلم ولا تحب التصفيق والتطبيل، ونشأنا على ذلك. أبناء جيلنا كانوا يُؤخذون للتسجيل في حزب البعث، لكنني لم أنتسب إليه، ولا إخوتي.

بعد عودتي من قطر، حيث كنت أعمل مدرسًا، كانت تُنظَّم اعتصامات أمام القصر العدلي في دمشق احتجاجًا على استمرار حالة الطوارئ. كنت أشارك فيها، وكان عدد المشاركين نحو ثلاثين شخصًا، وربما أقل أحيانًا. استمرت هذه التحركات بصورة دورية حتى عام 2008 تقريبًا، ثم حصل قمع شديد.

بعد ذلك بدأت أدعو معارضين بارزين إلى منزلي، وننظم جلسات حوارية يحضرها عشرون أو ثلاثون شخصًا من أبناء درعا. كان من ضيوفي رياض الترك، وقد حضر مرتين، وجورج صبرة أكثر من مرة، وكذلك عبد الله الغوشة، الذي تولّى الأمانة العامة لحزب الشعب بعد رياض الترك. وكان يحضر أيضًا شيوعيون من حزب العمل ومعارضون آخرون لا تحضرني أسماء الجميع.

اعتدنا تنظيم هذه الجلسات باستمرار؛ فلا يكاد يمر أسبوعان أو ثلاثة من دون وجود ضيف في منزلي. كان الأمر أشبه بمنتدى سياسي أو ثقافي.

وبسبب مواقفي أُبعدت عن التعليم، أو بالأحرى نُقلت إلى وظيفة إدارية في مديرية التربية. لم أكن مدرسًا سيئًا إطلاقًا، لكن جاء كتاب من الوزير يقول: “ارتأينا أن تنفعنا في العمل الإداري”. وكان ذلك، على ما يبدو، بناءً على تقرير من جهة في الأمن السياسي. وهكذا وضعوني في مديرية التربية، وكان زملاؤنا هناك يعرفون مواقفي المعارضة.

عندما بدأ الربيع العربي، صرنا نتوقع ونأمل وننتظر. وأذكر أنه عندما هرب زين العابدين بن علي، قبضت راتبي بعد ذلك بيوم أو يومين، وكان ثمانية آلاف ليرة. ذهبت إلى محل حلويات واشتريت بأربعة آلاف ليرة من النوع الفاخر ووزعتها في مديرية التربية. الذين كانوا يعرفون قصدي ضحكوا، أما الآخرون، ومن بينهم المخبرون، فلم يفهموا المناسبة وأخذوا يسألون، فكنت أقول لهم: “كلوا فقط”.

وهكذا تطورت الأمور إلى أن انطلقت الأحداث في درعا، وكنا ننتظر ذلك. شاركت منذ اليوم الأول في المظاهرات وفي العمل الإعلامي، وظهرت على الفضائيات وغيرها.

أيمن الأسود في مقابلة مع فرانس 24
أيمن الأسود في مقابلة مع فرانس 24

عندما تعود إلى آذار 2011، ما اللحظة أو المشهد الذي ما يزال حاضرًا في ذاكرتك وكأنه حدث بالأمس؟

هناك مشاهد كثيرة ما تزال حاضرة. من أهمها أحد الشعارات التي انطلقت أثناء تشييع شهداء اليوم الأول، العياش والجوابرة: “اللي بيقتل شعبه خاين”.

وأذكر أيضًا شابًا ذا جديلة، وهو ابن أخي، كان يسير في المظاهرات إلى جانب شيخ ويمسكان بأيدي بعض، وكان ذلك للتعبير عن أن الثورة لم تكن مؤدلجة أو ذات لون واحد؛ لا ديمقراطية ولا إسلامية ولا غير ذلك.

ومن المشاهد التي أثرت فيّ كثيرًا اقتحام جامع العمري. كنت حينها على الهواء مع الجزيرة مباشر، وقال لي المذيع: “خذ، الخط معك”. كانوا يصيحون بأسماء الشهداء من المآذن مع التكبيرات. كان ذلك مؤثرًا جدًا في الحقيقة، وأثّر فيّ كثيرًا.

بعد خمسة عشر عامًا وما دفعه السوريون من أثمان، كيف تنظر اليوم إلى الثورة السورية: ماذا حققت، وأين أخفقت في الوصول إلى ما خرج السوريون من أجله؟

الثورة حققت إنجازًا، وإن كان ذلك قد حصل في ظل توافق دولي. وقناعتي أن بشار الأسد لم يعد قابلًا للاستمرار، أو أصبح خارج كل الحسابات. ويا ليت ذلك حصل منذ زمن حتى لا تكون كل هذه التضحيات قد وقعت.

تخلّصنا ليس من نظام فقط، بل من عصابة ومجموعة، لكن المطلوب كثير في الحقيقة. أنا أركز مثلًا على موضوع التنمية واختيار النخب للمناصب الإدارية وغيرها.

المسألة ليست “من حرّر يقرّر”. من الذي حرّر؟ الناس دفعت الثمن؛ مليون شهيد، ولا توجد جهة واحدة هي التي حرّرت.

مضت سنتان، يجب البدء بموضوع التنمية، وكذلك اختيار النخب، فهو من المهمات الأساسية. ليس من المعقول مثلًا أن يكون المحافظ تعليمه إلى الصف التاسع.

وهناك أيضًا مشكلة الشباب الذين تلقوا تعليمًا سيئًا، وكل هذا يحتاج إلى تنمية وتعويض وفتح فرص للعمل. عندنا هنا في حوران، مثلًا، الناس لديها أراضٍ وزراعة، فيمكن فتح مجالات في هذا القطاع أو غيره.

ومن المهم جدًا جلب المستثمرين من خلال قوانين واضحة وصريحة. سوريا مليئة بالنخب رغم كل تردي الأوضاع، وهناك أيضًا نخب سورية في الخارج. ينبغي اختيار أشخاص يؤتمنون على التعليم والصحة وغيرهما، والتعليم بالدرجة الأولى، لأنه أهم شيء.

كنت جزءًا من المجلس الوطني ثم الائتلاف ومؤسسات المعارضة؛ أين أخفقت المعارضة السياسية، وهل تتحمل جزءًا من مسؤولية المسار الذي وصلت إليه الثورة؟

طبعًا ارتُكبت أخطاء، لكن في المقابل لم يكن بيدهم الكثير، لأن الموضوع دولي ويحتاج إلى توافق دولي حتى تمشي الأمور.

لكنهم لم يحافظوا على استقلال القرار الوطني. كانت هناك ولاءات داخل الائتلاف والمجلس الوطني. أنا لم أحضر الاجتماعات واستقلت منذ البداية.

حتى إنني كتبت نصًا شبّهت فيه الائتلاف بـ”سوق الخضرة”؛ كل واحد يصيح على بضاعته. بعضهم أصبح تابعًا للسفير الفرنسي، وبعضهم للتركي، وغير ذلك. كانت هناك ولاءات متعددة.

وكان ميشيل كيلو، رحمه الله، يركز كثيرًا على استقلال القرار الوطني. وربما لم يكن ذلك سيُثمر في حينه، لكن لا بد من تدريب الناس وترسيخ هذه المسألة: أن نفكر باستقلالية، لا بتبعية لما يريده السفير التركي أو الفرنسي أو غيرهما.

نعم، كانت هناك أخطاء، لكنني لا أعتقد أنه كان بيدهم أكثر من ذلك. أما النقطة السيئة فكانت مسألة الولاءات.

هل هناك موقف أو قرار سياسي اتخذته خلال سنوات المعارضة وتقول اليوم إنك كنت مخطئًا فيه؟

طبعًا، من يعمل يخطئ، وأنا من الناس الذين أخطؤوا كثيرًا، لكنني لن أعود إلى هذه الأخطاء بالتفصيل.

حاولت قدر الإمكان أن أبقى ضمن طريقة التفكير الوطنية. إلى حد ما أصبت أحيانًا وأخطأت أحيانًا. اعذرني لعدم ذكر الأخطاء؛ ليس خجلًا منها، لكن الموضوع يطول شرحه.

بعد سقوط نظام الأسد، هل ترى أن سوريا تسير فعلًا نحو الدولة التي حلم بها السوريون عام 2011؟ وما أكثر ما يقلقك في المرحلة الحالية؟

لا أعرف تمامًا هل تمضي الأمور إلى ما حلم به السوريون. من الخطأ الاستعجال والقول إن الأمور تسير كما يجب. هناك مشكلات كثيرة، ولا ننكر أن الوضع أفضل من الماضي بالتأكيد.

لكن، على سبيل المثال، على مستوى الانتخابات النقابية: لماذا يجري التعيين؟ دعوا الناس تنتخب، حتى لو اختارت الشخص السيئ، ثم تتعلم من تجربتها.

أما مجلس الشعب والانتخابات الرئاسية فموضوع آخر ومبكر، لكن القضايا النقابية وغيرها من المهم جدًا أن تكون منتخبة.

هناك موضوع الاعتماد على النخب، وأنا لا أرى له مكانًا واضحًا حتى الآن. وأكثر ما يقلقني، على وجه الخصوص، أن أحمد الشرع شخص لديه خبرة وتجربة في الحياة ويعرف كيف يتصرف، لكن المجموعة كلها ليست بالضرورة كذلك.

وبالتالي، لا سمح الله، لو حصل اغتيال للرجل فستخرب الدنيا. أن تكون البلد معتمدة على شخص واحد هو بحد ذاته كارثة. هو شخص جيد ولديه حكمة، لكن قد يأتي أي شيء؛ ترامب مثلًا أصابته رصاصة في أذنه. لذلك يبقى اغتياله أو إقصاؤه أمرًا واردًا، مثلما حصل في مصر مع مرسي وغيره، وهذا يقلقني في الحقيقة.

ويقلقني أيضًا وضع التعليم كثيرًا، لأن المؤسسة الأساسية في بناء المجتمعات هي التعليم.

كيف ترى موقع درعا والجنوب السوري اليوم في سوريا الجديدة، بعد أن كانت درعا نقطة انطلاق الثورة ودفعت ثمنًا كبيرًا خلال سنواتها؟

بالنسبة إلى درعا، المسألة ليست مسألة محاصصة. ليست لدي إحصائيات حول عدد المتنفذين أو المسؤولين من درعا مقارنة بغيرها.

لكن يمكننا القول إن درعا محبوبة لدى الكثير من السوريين، ولها بالفعل موقع متميز. وهي تحتاج إلى تنمية أكبر، ولا سيما في المجال الزراعي، لأنها منطقة زراعية ذات أراضٍ سهلية؛ ومن هنا جاءت تسمية “سهل حوران”.

تحتاج إلى اهتمام أكبر بالزراعة وتنظيم الآبار وتأمين المياه. تاريخيًا، لم تعانِ درعا من شيء اسمه نقص المياه، لكن النظام السابق، ثم سوء التعامل لاحقًا، أضرّا بمصادر المياه.

تحتاج المسألة إلى مزيد من الاهتمام والتنظيم في هذا السياق، إضافة إلى كل ما تحتاج إليه المحافظات الأخرى. فالمسألة ليست تفضيلًا ولا محاصصة.

اقرأ أيضاً: مازن الخيرات في لقاء خاص مع درعا 24: “أموال حملة أبشري حوران تخضع لإجراءات الرقابة الحكومية ورقابة دائرة الرقابة والتفتيش”

في كتابك “الحر تكفيه الإشارة” اخترت أن تروي الثورة من خلال الناس وتفاصيل حياتهم وذاكرتك عنهم، لا من خلال الوقائع السياسية وحدها؛ ماذا أردت أن تحفظ بهذا الكتاب مما تخشى أن يضيع من ذاكرة السوريين؟

هناك الكثير مما أخشى عليه من النسيان، ويخشى غيري عليه أيضاً. أعتقد أن كتابي كان عبارة عن مجهود بسيط لأرشفة ما حصل.

ويجب بذل الكثير في هذا المجال، حتى لو كان ذلك من خلال إنشاء جهة رسمية تتولى هذه المهمة. فالأجيال القادمة يجب ألا تعتمد على النقل الشفهي وحده.

وأنا مع كتابة الكثير من الحوادث، بل يمكن أن توضع في الكتب المدرسية للطلاب الصغار، حتى تبقى محفوظة للأجيال القادمة. هذا شيء يجب ألّا يُنسى.

كتاب أيمن الأسود
كتاب أيمن الأسود

تحضر الأم في سرديات الكتاب بمساحة لافتة وشديدة الخصوصية؛ ماذا تمثل الأم في ذاكرة أيمن الأسود، ولماذا حضرت بهذا الشكل في حكاياتك؟

إذا صحّت تسميتها “ثقافة الأم”، فهي أصيلة في ثقافات الشعوب كلها، لكنها أكثر أصالة في الشعر والأغنية العربية.

في قصيدة “أحنّ إلى خبز أمي”، لمحمود درويش، وهي مشهورة وجميلة جدًا. يُقال إن محمود درويش كان يعتقد أن أمه تفضّل إخوته عليه، إلى أن اعتُقل في السجون الإسرائيلية. كانت أمه تكافح حتى توصل إليه، في كل زيارة، الخبز والقهوة؛ ففهم أن الأمر مختلف، وكتب هذه القصيدة.

وحتى في الأغنية العربية هناك “يا أمي يا أم الوفا” لسعدون جابر وغيرها من الأغنيات المعروفة.

أذكر أنني وجدت في صغري، عند أحد أقربائي، كتابًا عن مذكرات تشي غيفارا. رغم أن هذا الرجل رمز للروح الثورية العالمية، لم أجد فيه شيئًا عن أمه. لذلك أرى أن للأم خصوصية كبيرة في الثقافة العربية.

أمي، مثل غيرها من نساء الجيل القديم، كانت أقرب إلى “قفّة عظام” [كانت نحيلة جدًا]. لكنها لم تكن تجيبك على سؤال أو أي شيء بصورة عادية، وعلى الرغم من أنها، مثل أبناء جيلها، أميّة ولم تكن هناك مدارس متاحة لها، كانت تجيب بمثل أو مقولة شعبية مكثفة ومختصرة جدًا.

كانت تلومني في البداية عندما بدأت أتحدث على الفضائيات، وتقول، بمعنى: “يكفينا ما حصل لنا”. فقد كنت، إلى حد ما، عمود البيت، بعدما توفي لي عدد من الإخوة بحوادث طبيعية خارج إطار الثورة.

لكنها بعد فترة، ربما شهر أو شهر ونصف، قالت لي كلامًا بمعنى: “والله يمّا إنك دوّاس ظلمة، ما تهاب الموت ولا تقبل الظلم”.

وقتها أصبحت مثل الطفل من شدة تأثري. قلت لك: السؤال ذو شجون، والجواب شجونه أكثر.

عارضت النظام، وعشت الثورة والعمل السياسي والمنفى ثم سقوط الأسد؛ بعد هذه الرحلة كلها، ماذا تغيّر في أيمن الأسود، وما الشيء الذي بقي فيه كما كان؟

أعتقد أن القضايا الأصلية والعميقة بقيت ثابتة؛ مثل موقف الإنسان من الظلم واهتمامه بالشأن العام وغير ذلك.

لكن التغيير الحقيقي حصل في آليات الفهم. فهم الإنسان للأشياء يتبدل، خصوصًا بعد تجربة مريرة وقاسية كهذه. عشنا مثلًا مسألة الانقسامات الوطنية والتبعية للآخر، وهذا ولّد فهمًا جديدًا، حتى لطبيعة العالم والمصالح.

دول العالم ليست جمعيات خيرية، من دون استثناء. نقول مثلًا إن الجهة الفلانية خذلتنا في القطاع الصحي والدعم الصحي وغير ذلك من القضايا الكبرى. وفي موضوع السلاح، رغم أنني لم أكن مع السلاح كثيرًا، لكن ما دام الأمر قد حصل، كان يجب أن يكون هناك دعم مختلف.

هذا هو الذي تغيّر. أما الأشياء العميقة الأخرى، مثل محبتك للناس أو كرهك لهم وغير ذلك، فهي أشبه بالثوابت.

اقرأ أيضاً: الصحفي علي عيد في مقابلة مع درعا 24: “إن لم تتحقق التشاركية فهناك مخاطر حقيقية من انقسام مجتمعي”

بعد سقوط نظام الأسد وقيام السلطة الجديدة، هل ترى أن الدولة أنصفت المعارضين والثوار الأوائل الذين واجهوا النظام منذ البدايات، أم أن حضورهم ودورهم في سوريا الجديدة لا يتناسبان مع ما قدموه خلال سنوات الثورة؟

القضية من حيث المبدأ تُفهم أحيانًا بصورة مغلوطة. عندما نفعل شيئًا، أيًا كان، فليس بالضرورة أن نطالب بأجر مقابله.

قلنا مثلًا إن المسألة يجب أن تعود إلى صندوق الاقتراع واختيار النخب وغير ذلك، لكن هناك جانبًا ما زال فيه تقصير كبير، وهو مسألة التعويضات.

كان حافظ الأسد، بدلًا من دعم عائلة الشهيد ماديًا، يعطي أبناءها منحة جامعية تتيح لهم دخول أي فرع. وهكذا يكون قد أعطاهم من أموال الناس، ومن جيوب الناس.

لكن الوضع هنا مختلف. أعرف شخصًا في السبعين من عمره، لديه ثلاثة أولاد، وقد استشهد الثلاثة وهم في سن الإنتاج، وكان لديهم أولاد أيضًا. هو الآن يعيل نفسه وأحفاده براتب تقاعد متواضع جدًا.

إذًا هناك تقصير في الجانب المادي، وتقصير كبير. يجب أن تكون هناك تعويضات منصفة.

أما مسألة أن يكون للشخص دور أو لا يكون له دور، فليست هي القضية؛ لأن الأمر ليس قرضًا أو دينًا نطالب باسترداده.

اقرأ أيضاً: المحامي المعتصم الكيلاني لدرعا 24: العدالة الانتقالية لا تختزل في محاكمة واحدة، بل تشمل المحاسبة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات

موضوعات ذات صلة