بعد أكثر من عام على مقتل الشاب تيم بشار العدوي إثر مشاجرة في حي المطار بمدينة درعا، اجتمع أفراد من آل العدوي وآل الشرع في مدينة الحراك بريف درعا الشرقي في تموز الماضي، بحضور وجهاء وأعضاء مجلس الصلح العام وشخصيات رسمية واجتماعية، لإنهاء القضية بصلحٍ عشائري.
كان العدوي قد قُتل طعناً بالسكين في 24 نيسان/أبريل 2025، وأُلقي القبض على المتهم حينها. وبعد نحو 15 شهراً. انتهى الخلاف بين العائلتين إلى صلح عشائري تضمّن دفع دية بلغت 50 ألف دولار أمريكي لذوي الضحية، وإجراء الصلح بين العائلتين.
قضية الحراك واحدة من حالات صلح عديدة عُقدتْ في محافظة درعا. لعب فيها الوجهاء ولجان الإصلاح دوراً في منع انتقال الجريمة من خلاف بين أفراد إلى نزاع بين عائلات، ولا سيما خلال سنوات تراجع دور مؤسسات الدولة وانتشار السلاح.
لكن حماية السلم الأهلي لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، ولا تنتهي بعقد الصلح، بل تشمل منع الثأر، وحصر المسؤولية بمرتكب الفعل، وحماية حقوق الضحايا، والتصدي للشائعات وخطاب الكراهية الذي قد يحول حادثة فردية إلى مواجهة أوسع.
حين يتحول خلاف فردي إلى نزاع عائلي
تظهر خطورة توسع النزاعات في مدينة جاسم شمالي درعا، حيث بدأ خلاف في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 بين شخصين من آل الجباوي وآل الحاج علي، قبل أن يتطور إلى مواجهات أوقعت ستة قتلى، خمسة من آل الجباوي وواحداً من آل الحاج علي، إضافة إلى إحراق منازل.
تدخل وجهاء وأعيان من مناطق مختلفة في حوران، إلى جانب أطراف محلية، وانتهت القضية في أيار/مايو 2024 بصلح عشائري تضمن دفع ديات وتعويضات.

وشهدت جاسم في تموز/يوليو من العام نفسه نزاعاً آخر بين عائلتي الحلقي والجلم، تطور إلى اشتباكات مسلحة، ما استدعى تدخل أطراف محلية للفصل بين الطرفين. وانتهت الاجتماعات باتفاق تضمن عقد صلح عشائري، وملاحقة المطلوبين على خلفية النزاع ومحاسبتهم، وإزالة المظاهر المسلحة من شوارع المدينة.
تكشف الحالتان كيف يمكن لخلاف أن يبدأ بين عدد محدود من الأشخاص أن يتسع ليشمل عائلات بأكملها، وكيف للتدخل المبكر ضرورياً ليس فقط للوصول إلى الصلح، وإنما لوقف إطلاق النار ومنع دخول أشخاص آخرين في النزاع.
“الصلح يمنع استمرار الدم“
يقول محمد أبو حصيني «أبو محسن» من بلدة تسيل، أحد وجهاء حوران، في حديث سابق لدرعا 24، إن دور الجاهة يبدأ عملياً بعد وقوع الجريمة بهدف منع استمرار الدم الناتج عن الثأر.
وتبدأ الإجراءات عادة بما يُعرف محلياً بـ«العطوة»، وهي مهلة زمنية لتهدئة الأطراف ومنع رد الفعل المباشر، قبل بدء جولات التفاوض التي قد تنتهي بدية أو تعويض أو اتفاقات أخرى بحسب طبيعة القضية.
وأوضح أبو حصيني أن الهدف لا يقتصر على إنهاء الخلاف، وإنما إعادة العلاقات بين الأطراف ومنع انتقال النزاع إلى محيط اجتماعي أوسع.
وتظهر هذه الوظيفة في حالات الصلح التي شهدتها المحافظة خلال الفترة الأخيرة. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025، عُقد صلح بين عائلتي الرفاعي وأبو نقطة في طفس بعد إصابة أحد أبناء الأخيرة بطلق ناري، ودُفع تعويض مالي بلغ 15 ألف دولار.
وبعد أيام، شهدت المدينة صلحاً آخر بين عشيرتي الرواشدة والصبحات على خلفية وفاة رجل بعدما صدمته آلية أثناء العمل. وكان الطرفان قد اتفقا على دية مقدارها 15 ألف دولار، إلا أن ذوي المتوفى تنازلوا عنها خلال الصلح، الذي حضره أعضاء من لجنة الإصلاح ووجهاء وأهالٍ من المنطقة.
ولا تقتصر هذه الحالات على المثالين السابقين، إذ شهدت درعا خلال السنوات الماضية حالات صلح عديدة في قضايا قتل وخلافات ونزاعات مختلفة، بعضها أُنجز خلال فترات قصيرة، فيما احتاجت قضايا أخرى إلى سنوات طويلة قبل الوصول إلى الصلح.
صلح بعد 18 عاماً
لا تتوقف آثار النزاعات دائماً بانتهاء المواجهة المباشرة.
في آب/أغسطس 2023، شهدت مدينة طفس صلحاً بين آل الرواشدة وآل طويطان في قضية مقتل الشابين أيهم وغسان الرواشدة، بعد مرور 18 عاماً على الحادثة.
وبحسب ما وثقته درعا 24 حينها، كان أفراد من آل طويطان قد رُحّلوا من منازلهم بعد حادثة القتل، قبل أن تنتهي القضية بعد سنوات طويلة بمساعٍ من وجهاء في طفس ومناطق أخرى ولجنة الإصلاح في حوران.
وتوضح هذه الحالة أن النزاع لا يقتصر أثره على الضحية والجاني، بل يمكن أن يمتد سنوات ويطال عائلات وأشخاصاً لم يكونوا طرفاً مباشراً في الحادثة.
ومن هنا تبرز إحدى القضايا الأساسية المرتبطة بالسلم الأهلي: هل يتحمل الفرد مسؤولية فعله، أم تتحول الجريمة إلى مسؤولية عائلية؟
المسؤولية على الفاعل لا على عائلته
شدد أحمد عمر البردان «أبو جمال»، في حديث لدرعا 24 ، على ضرورة حصر المسؤولية بمن يرتكب الفعل، وعدم تحميل أسرته أو أقاربه تبعاته
وتكتسب هذه المسألة أهمية في مجتمع يمكن أن يؤدي فيه الاعتداء على أقارب الجاني أو ممتلكاتهم إلى إنتاج جريمة جديدة، ثم رد فعل آخر، لتتحول القضية إلى سلسلة من الثأر يصعب إنهاؤها.
لكن الصلح، رغم دوره في وقف هذه السلسلة، يطرح إشكالية أخرى تتعلق بحقوق الضحية.
أصحاب حقوق: الصلح ليس عدالة في كل الحالات
في كانون الثاني/يناير الماضي، نقلت درعا 24 شهادات لأصحاب حقوق قالوا إن الصلح العشائري يُستغل في بعض القضايا، وإنهم يواجهون ضغوطاً اجتماعية تدفعهم إلى قبول التسوية بصرف النظر عن طبيعة الفعل أو خطورته.
وتكشف هذه الشهادات وجهاً آخر للقضية: فالصلح الذي يمنع الثأر ويحافظ على الاستقرار الاجتماعي قد يتحول إلى مشكلة عندما يؤدي إلى إسقاط حق الضحية أو إنهاء القضية قبل محاسبة مرتكب الفعل.
وهنا تظهر الحدود بين الصلح والقضاء. حيث توضح هذه الحالات عن مسارين مختلفين لمعالجة النزاع: مسار اجتماعي يسعى من خلاله الصلح إلى منع امتداد الخلاف، ومسار قانوني يتعلق بمحاسبة مرتكب الفعل وحفظ حقوق الضحية.
ويظهر هذا الفصل في قضية مقتل تيم العدوي نفسها: أُلقي القبض على الفاعل بعد وقوع الجريمة، بينما جاء الصلح بين العائلتين لاحقاً لمعالجة آثار القضية اجتماعياً.
عندما يتجاوز النزاع حدود العائلة
لا تقتصر مخاطر النزاعات على الخلافات داخل مدن وبلدات درعا. فقد شهدت العلاقة بين محافظتي درعا والسويداء خلال السنوات الماضية فترات من التوتر على خلفية عمليات خطف وخطف مضاد واشتباكات بين مجموعات مسلحة.
في عام 2020، أدى تصاعد عمليات الخطف والخطف المضاد إلى اشتباكات أوقعت عشرات القتلى والجرحى من الطرفين، بالتزامن مع انتشار روايات وخطاب تحريضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
في المقابل، تحرك وجهاء من المحافظتين وأصدروا «بيان حسن الجوار بين سهل وجبل حوران»، وشددوا فيه على أن مرتكبي عمليات القتل والخطف من الطرفين لا يمثلون أهالي السهل أو الجبل، ودعوا إلى تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة ملف المخطوفين، ولجنة للتحقيق في الأحداث، إضافة إلى لجنة دائمة لإعادة تنشيط العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المحافظتين.
تكمن أهمية هذا الموقف في أنه حاول فصل أفعال المجموعات والأفراد عن المجتمعات التي ينتمون إليها، وهي القاعدة نفسها التي تقوم عليها جهود منع الثأر داخل درعا: عدم تحويل مسؤولية فرد أو مجموعة إلى اتهام جماعي، وهو ما أكده أحد وجهاء مدينة طفس: “المسؤولية تقع على الفاعل”.
وسائل التواصل.. حادثة محلية تتحول إلى خطاب جماعي
عاد هذا التحدي بصورة واضحة في أيار/مايو 2025، مع تصاعد التوتر بين الحكومة السورية وبعض الزعامات والفصائل في السويداء.
رصدت درعا 24 حينها حملات ومقاطع مصوّرة ومعلومات متداولة قدّمت ما يجري بوصفه صراعًا بين أبناء درعا والسويداء.
ولا تكمن خطورة هذا النوع من الخطاب في المعلومات الخاطئة وحدها، وإنما في الانتقال من الحديث عن فاعل محدد إلى استخدام أوصاف مناطقية أو طائفية تشمل آلاف الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالحادثة.
وسبق لدرعا 24 أن رصدت خلال توترات سابقة بين المحافظتين، بل وفي مناطق أخرى من سوريا أيضاً، تداول خطاب تحريضي على صفحات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع روايات متضاربة عن أسباب اندلاع التوتر.
في هذه الحالات، يمكن لمنشور غير متحقق من صحته أو سياقه أو توقيته، أو مقطع مجتزأ، أن يزيد الاحتقان خلال وقت قصير.
اقرأ أيضاً: المحامي إبراهيم يوسف أبو رومية: قدمنا مطالب إسعافية لاحتواء أحداث درعا عام 2011 لكن الحكومة لم تستجب
الإعلام جزء من السلم الأهلي
دفعت هذه التجارب عدداً من المنصات الإعلامية المحلية في درعا والسويداء إلى إطلاق «ميثاق الشرف الإعلامي لمنصات الجنوب السوري» في أيار/مايو 2025.
وتضمن الميثاق التزاماً بالتحقق من المعلومات قبل نشرها، ومصادرها، ومواجهة خطاب الكراهية، وعدم تحويل المنصات الإعلامية إلى أدوات للتحريض ضد أي فئة أو مكون، إضافة إلى رفض التضليل واحترام التنوع الاجتماعي والديني والمناطقي، والدفاع عن السلم المجتمعي.
ولا يعني ذلك الامتناع عن نشر الخلافات أو الجرائم والانتهاكات، بل تحديد المسؤولية بدقة، وتجنب تحميل جماعة كاملة مسؤولية فعل ارتكبه شخص أو مجموعة، وعدم نشر معلومات دون التحقق منها، ولا سيما في أوقات التوتر.
وهذا الدور لا يختلف كثيراً في جوهره عن وظيفة الصلح: منع انتقال المشكلة من أصحابها إلى محيط أوسع.
من إطفاء النزاع إلى منع حدوثه
تظهر تجارب درعا أن الصلح العشائري ما يزال قادراً على وقف الثأر وإنهاء نزاعات استمرت أحياناً سنوات، لكنه لا يستطيع وحده حماية السلم الأهلي.
فالصلح يأتي في معظم الحالات بعد وقوع القتل أو الإصابة أو الاشتباك، بينما تتطلب الوقاية معالجة الأسباب التي تسمح لخلاف شخصي بأن يتحول إلى مواجهة بين عائلتين، أو لحادثة أمنية محدودة بأن تتحول عبر وسائل التواصل إلى خطاب ضد منطقة أو مكون اجتماعي بأكمله.
وتتوزع المسؤولية هنا بين عدة أطراف: القضاء الذي يُفترض أن يحاسب مرتكب الجريمة وأن يحفظ حقوق الضحية، والأجهزة الأمنية التي يفترض أن تمنع استخدام السلاح في النزاعات، والوجهاء ولجان الإصلاح الذين يتدخلون لمنع الثأر، والإعلام الذي تقع عليه مسؤولية التحقق وعدم التعميم أو التحريض.
وتجمع هذه المسارات قاعدة واحدة: أن تبقى المسؤولية فردية، وأن تُعالج الجريمة بالقانون، وألا تتحول إلى سبب لمعاقبة عائلة أو عشيرة أو منطقة أو مكون اجتماعي كامل.
وبذلك، لا يعني السلم الأهلي غياب الخلافات، ولا يعني الصلح التنازل عن الحقوق، وإنما وجود آليات تمنع الخلاف من التحول إلى عنف، وتحفظ حق الضحية، وتحاسب الفاعل، وتمنع خطاب الكراهية والثأر من إنتاج ضحايا جدد.
فالسلم الأهلي لا يبدأ عند انتهاء النزاع، بل قبل أن يُسمح له بالاتساع.
اقرأ أيضاً: الصلح العشائري في درعا: عُرف قديم يملأ فراغ الدولة ويقي من دوامة الدم






