أهالي المعتقلين، لافتة في درعا البلد - بدنا المعتقلين
لافتة في درعا البلد أثناء مظاهرة في العام 2020 - بدنا المعتقلين

لا يزال الاعتقال التعسّفيّ على خلفية معارضة نظام الحكم في سوريا جرحاً مفتوحاً، يقضُّ مضاجع الأسرة والمجتمع في محافظة درعا منذ آذار 2011. وبالإضافة إلى ألم الفراق والفقد تعاني أسر المعتقلين والمفقودين من استغلالهم واستنزافهم مادياً ونفسياً، في سبيل الكشف عن مصير ذويهم.

يتميز المجتمع الحوراني بالتماسك الأسري والمجتمعي، حيث يؤدي غياب أحد أفراد الأسرة إلى تبعات مُعقدّة، وينتج عنه أشكال متنوعة من المعاناة. يقول الناشط الحقوقي علي المسالمة في حديثه لمراسل درعا 24: “تبدأ رحلة الأهل للبحث عن المعتقل منذ الساعة الأولى للاعتقال أو الفقد ولا تنتهي، وبين البداية واللانهاية قصص تسرد معاناة، وتحكي أوجاعاً، تبحث عن الخلاص ولو بالموت”.

سماسرة يستغلون أهالي المعتقلين

يتعرّض العديد من أهالي المعتقلين والمفقودين للاستغلال، والكثير من عمليات النصب والاحتيال، من قِبل سماسرة وضباط ووسطاء مقرّبين من السلطات السورية، وقد وقع الكثير من الأهالي بفخ هؤلاء السماسرة، وخسروا أموالاً كثيرةً، على أمل الوصول إلى خبر عن ابنائهم أو تحديد مكانهم، أو لمحاولة إنقاذهم من أهوال التعذيب، أو لمجرد معرفة إذا ما كانوا على قيد الحياة، حيث يطلب هؤلاء الوسطاء مبالغ مالية طائلة، مستغلين أوجاع وآمال ذوي المعتقلين.

تقول، أم محمد وهي أمّ لمعتقل من الريف الغربي، وقد امتزجت كلماتها بدموع لم تستطع إخفاءها: “كُنّا عائلة ميسورة الحال لدينا أراضي ودور وآليات زراعية… بعنا كل شيء وبقينا على الحديدة … ولا عرفنا محمد وين، ولا إذا كان عايش أو ميت … الله ينتقم من كل ظالم”.

إقرأ أيضاً: معتقلو درعا: مأساة مستمرة

يقول المحامي مؤيد الحسن أن هؤلاء السماسرة يمارسون رذيلة الاتجار بالبشر بكل معنى الكلمة، إنهم يسرقون أموال ضحاياهم مقابل بيعهم أوهاماً ووعوداً بالكشف عن مكان اعتقال أبنائهم أو تخفيف الحكم أو إطلاق سراحهم.

يكشف الحسن لمراسلنا عن معلومة صادمة يقول: “أسوأ ما في الأمر هو أن هؤلاء السماسرة يعملون بشكل جماعي ضمن عصابات حقيقية ومنظمة”. ويروي تجربة شخصية: “أثناء محاولاتي لمعرفة مصير أحد المعتقلين من بلدتي، تعرّفتُ إلى شخص عرّف عن نفسه بأنه – واصل – ويستطيع مساعدتي، وكنت حذراً جداً في التعامل معه، لقد زودني بمعلومات مهمة، وتؤكد أنه على صلة بالأجهزة الأمنية، لكني كمحامي أعرف ان هذه المعلومات لن توصل إلى شيء. ثم بدأ يطلب مبالغاً ماليةً كبيرةً مقابل كل معلومة، وعندما اشترطت عليه ألا أدفع له أي مبلغ حتى يؤمّن زيارة الأب لابنه المعتقل، اختفى فجأةً، ولم يعدّ يردّ على اتصالاتي”.

بحرقة شديدة يروي والد المعتقل (وليد. ح) تجربته مع السماسرة، يقول: “قبل أكثر من عامين ونصف تقريباً، تواصلت مع محامٍ، وطلبت منه البحث عن ابني، الذي تم اعتقاله عام 2015، وانقطعت أخباره عنّا بشكلٍ نهائي بعد ذلك التاريخ”. يتابع: “بدايةً طلب منّي المحامي دفع قرابة الـ 500 دولار، وقال أن هذا المبلغ سيذهب كرشاوى، للكثير من الأشخاص، بغية الوصول إلى خبر أكيد عن ابني المعتقل، وبقي قرابة الـ 3 أشهر يطلب مني دفع مبالغ متنوعة في كلّ مرّة، ولكن للأسف، وبعد أن دفعت أكثر من ألف دولار، لم أصل لأي خبر عنه، وأدركت حينها أنّني أتعرّض لعملية نصب واحتيال وسرقة علنيّة”.

يتهم والد المُعتقل السلطات الأمنية أنّها لم تكتفِ بتغييب ابنه، وعدم السماح لهم بالوصول إليه، أو معرفة مصيره، بل عملتْ على استغلال ذلك الأمر، لجني الأموال والثروات.

 يوضح: “تجدد الأمل بداخلي بعد صدور مرسوم العفو العام الماضي، وخاصةً بعد أن انتشرت أخبار كثيرة، عن إطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين، فبدأت أبحث عبر الفيس بوك عن مجموعات وأخبار أو أيّة عناوين تخصّ الإفراج عن المعتقلين، ولكن دون جدوى”.

الإفراج عن المعتقلين، وحجم الكارثة في سوريا

أحد اساتذة كلية التربية من أبناء الجنوب السوري يضيف سبباً آخر للجوء الأهالي إلى السماسرة والمتعاملين مع الأجهزة الأمنية،  يقول في حديثه لمراسلنا : “ليست الحالة العاطفية والنفسية لذوي المعتقلين هي فقط ما تدفعهم إلى اللجوء إلى السماسرة، بل هناك حقيقة أخرى يدركها السوريون جيداً تجعل باب السماسرة الحلّ الوحيد، وهي أنّ كافّة المعتقلين يتمّ محاكمتهم من دون وجود محامٍ، ويتم تثبيت الحكم عليهم بناءً على الأقوال التي انتزعت منهم بالقوة، وتحت التهديد والتعذيب، ولا يوجد طرق نظامية وقانونية متاحة للسؤال عن المعتقل”.

ويستنتج: “كل ذلك لا يترك في يد أهالي المعتقلين سوى التمنّي والوقوف على الأبواب، ودفع الأموال، على أمل الوصول إلى أي خبر عن ذويهم”.

فيديو: معتقلو درعا : جراحٌ مفتوحة

آثار تنعكس على الأسر والمجتمع

ولا تقف الآثار الفظيعة على أسرة المعتقل عند حدّ خسارة أموالهم وممتلكاتهم، وهم يلهثون وراء وهمٍ، ويركضون نحو سراب، يحسبونه فرجاً قريباً. بل يوجد الكثير من الآثار التي تصيب الأسرة والمجتمع، وتهدد حاضرهما ومستقبلهما. تقول المرشدة الاجتماعية ريم الخالد: “لقد أجبر اعتقال الأب أو الأخ الكثير من الأطفال والشباب على أن يهجروا مقاعد الدراسة، وأن يتنازلوا عن أحلامهم وأن يعملوا في مهن شاقة، وبأجور قليلة، للمساعدة في إعالة أسرهم، كما أجبرت الكثير من الأمهات على العمل ضمن بيئات عمل  قاسية وغير آمنة، وتحمّل ضغوطات نفسية واجتماعية كثيرة، للبقاء على قيد الحياة، والقيام مقام المعيل، وإعالة أطفالهن وأسرهن، والنهوض بهم، في ظل أوضاع معيشية كانت سيئة، وازدادت سوءاً مع مرور الأيام”.

تتابع الاستاذة ريم: “هذه النتائج الكارثية ستنعكس سلباً على المجتمع مع مرور الوقت، ولا سيما في ضوء العدد الكبير للمعتقلين، فقد نشهد في المستقبل القريب ارتفاعاً في نسبة الأميّة بين الشباب، وانتشار العادات السيئة بينهم، كالتسول والسرقة وتعاطي المخدرات، وهو ما بدأنا نلمسه في يومنا هذا”.

إقرأ أيضاً: معظم المعتقلين المفرج عنهم من السجون، اعتقلوا بعد العام 2018 وبقضايا جنائية

أمّا الدكتورة هدى وهي طبيبة أسرة فتقول لمراسلتنا : “شهدت الفترة بين تسعينيات القرن الماضي وحتى بداية الأحداث في سوريا في العام 2011 تراجعاً واضحاً في زواج القُصر، والزواج المبكّر، إلّا إنّني ومن خلال عملي واحتكاكي الكبير والدائم بمجتمعنا وأسرنا لاحظت في السنوات العشر الأخيرة ارتفاعاً مُخيفاً في نسبة هذه الأشكال من الزواج، الأمر الذي أثار فضولي، ودفعني إلى البحث عن الأسباب، وأستطيع القول أن غياب المعيل وخاصّة الأب، وما يترتب عليه من ضعف الإشراف على الأسرة، والفقر من أهم الأسباب وراء هذا الازدياد المخيف”.

 تتابع الدكتورة هدى: “أعي جيداً أن تحديد الأسباب بدّقة يحتاج شكلاً من الأبحاث والمسوحات الاجتماعية، وأن ما توصلت إليه هو مجرد نتائج أولية تحتاج إلى مزيد من التدقيق”. وفي ردّها على سؤال مراسلتنا حول إذا كان الأمر يتعلق فقط بزواج الإناث أكدت الدكتورة أن نسبة الزواج المبكر وزواج القُصر مرتبط بالذكور والإناث، وإن كان بالإناث أكبر”.

من هذه الآثار أيضاً التفكك الأسري نتيجة الطلاق والخلع وما شابه، هذه هي حالة السيدة (ي .خ) في الريف الشرقي من درعا، التي تعدّ مثالاً للكثير من حالات الطلاق والخلع من الأزواج المعتقلين، التي حصلت خلال السنوات العشر الماضية. تتحدث أم سعيد إلى مراسلتنا عن هذه الحالة: “اُعتقل زوج (ي.خ) سنة 2012، ولديهم أربع بنات أكبرهنَ في ذلك الوقت بعمر ست سنوات وإحداهن تعاني من إعاقة بالسمع والنطق. بعد اعتقال الزوج بحوالي السنتين رفعت (ي.خ) دعوى خلع وحصلت عليها، وتزوجت من رجل آخر … البنات أصبحن بدون أب ولا أمّ”.

أهالي المعتقلين ومجتمع حوران، البحث عن أمل- من تعليقات متابعين صفحة درعا 24 على الفيسبوك
من تعليقات متابعين صفحة درعا 24 على الفيسبوك- أهالي المعتقلين ومجتمع حوران، البحث عن أمل- من تعليقات متابعين صفحة درعا 24 على الفيسبوك

غياب المنظمات الإنسانية

إن غياب المعالجات الفعّالة لهذه الآثار وخاصّة من قبل المنظمات الانسانية والحقوقية، زاد من معاناة ذوي المعتقلين وأضعف الأمل في نفوسهم. يقول الأستاذ إبراهيم وهو ناشط مدني وموظف سابق في احدى المنظمات غير الحكومية في درعا قبل 2018 لمراسلنا: “هناك الكثير من التدخلات والأنشطة التي يمكن أن تقوم بها المنظمات الإنسانية، وتُسهم في التخفيف من الآثار السلبية على الأسرة والمجتمع نتيجة الاعتقالات في المحافظة، إلا أنه وللأسف لم نعد نرى أي جهد للمنظمات منذ عام 2018”.

وعن أهم هذه الأنشطة يقول الأستاذ إبراهيم: “هذه التدخلات تشمل جلسات الدعم النفسي الاجتماعي لذوي المعتقلين، ونشاط إدارة الحالة المتكاملة ومشاريع جبر الضرر والتعويضات المالية، وغير ذلك”.

وعن دور المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية يقول المحامي سليمان القرفان عضو اللجنة الدستورية السورية عن قائمة المجتمع المدني لمراسل درعا 24: “للأسف تراجعت مكانة هذا الملف في مسارات التفاوض، واليوم الحديث عن إنشاء مؤسسة خاصّة بكشف المصير، دون أي أدوات ضغط للإفراج عن باقي المعتقلين، الذين مازالوا يقبعون في سجون النظام، دون أدنى حد من ضمانات المحاكمة العادلة والمعاملة اللائقة والإنسانية”.

في الوقت الذي يقبع فيه المعتقلون في زنازين القهر ويلاقون أشد أنواع العذاب، يتجرّع ذووهم آلام الفقد والفراق، ويتعرّضون لصنوف بشعة من الاستغلال المنظّم لأوجاعهم، والذي يستنزف أرواحهم وأموالهم. في حين تبقى تعاني أسر المعتقلين من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وينعكس كل ذلك سلباً على مجتمع منهك أصلاً، تنعدم فيه المعالجات الفعّالة فيزداد الأمر سوءاً، تجعل لسان حال المجتمع المقولة الشعبية المشهورة “فوق الحمّة زمهرير”.

استطلاع رأي

يمكنكم أيضاً المشاركة في استطلاع الرأي الذي تجريه درعا 24 حول ذلك من خلال الرابط التالي:

https://www.facebook.com/groups/daraa24/permalink/1443449696441759/?mibextid=Nif5oz

الرابط: https://daraa24.org/?p=31772

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *