انعكس سوء المعيشية الاقتصادية وانهيار العملة المحلية على حياة السكان في محافظة درعا، حيث تشهد الأسواق ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، لدرجةٍ أصبح معها تأمين أبسط المستلزمات اليومية همًا كبيرًا يثقل كاهل الأهالي، مما دفع بالعديد من الأسر للبحث عن أكثر من عمل في نفس الوقت، لتحسين مستواهم المعيشي وزيادة دخلهم، لمواجهة أعباء الحياة المتزايدة، في ظل تردي الواقع المعيشي لأدنى المستويات.

 البحث عن عمل إضافي

لم يعد عمل أفراد الأسرة مقتصراً على الوظائف فقط، والتي لم تعد كافية لسد الاحتياجات الواجب تأمينها بشكل يومي، مما دفع المعيلون للبحث عن أعمال إضافية مختلفة. “أبو يزن 40 عاماً” يعمل في أحد الدوائر الحكومية براتب شهري مقداره 110 آلاف ليرة سورية، وعائلته مكونة من أربعة أفراد، وما يحصل عليه من الوظيفة لا يكفيهم، فهو بحاجة إلى ثلاثة أضعاف هذا المبلغ من أجل “عيشة” أقل من الوسط، حسب تعبيره، ويقول: “الحمد لله أولادي صغار لو كانوا كباراً وبالمدارس احتاج إلى خمسة أو ستة أضعاف الراتب”.

 وأكّد في حديثه مع مراسلة درعا 24 بأنّ أغلب الموظفين التابعين للدولة اليوم يعملون أعمالًا إضافية، لتحسين مستواهم المعيشي، يقول: “في البداية كان التنسيق بين العملين صعبًا بالنسبة لي، بسبب عدم وجود وقت كافٍ للراحة، وعدم وجود وقت أمضيه مع أفراد أسرتي، ولكن مع مرور الزمن اعتدت على ذلك الوضع”.

 يتابع “أبو يزن”: “في الفترة الصباحية أذهب إلى دوامي المحدد، ومساءً أعمل كبائع في محل ملابس لمدة 6 ساعات يوميًا، لقد أصبح هذا العمل جزءًا من حياتي، لأني تمكنت من خلاله تحسين دخلي، ولو بنسبة بسيطة، وأنا دائم البحث عن عمل أفضل يكون ذا مردود أعلى، فالمهم في ظل هذه الظروف تأمين متطلبات أسرتي اليومية.”

العمل لم يعد حكراً على رب الأسرة

دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها المنطقة، وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل يفوق قدرة الأهالي على التحمّل، بالعديد من أفراد الأسرة الواحدة للمشاركة في العمل، في سبيل تأمين لقمة العيش، وتحسين مستواهم المعيشي.

فقد انعكست هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة سلبًا على حياة “أم سامر 45 عاماً” وعلى حياة أسرتها حتى أصبحت أشبه بالجحيم، نتيجة ضغوطات الحياة المتزايدة، تقول: “بالكاد يمر يوم واحد دون حدوث مشاكل في البيت، والسبب أن زوجي عامل باليومية، ومردود عمله طيلة اليوم غير كافٍ لسد احتياجات أسرة مكونة من 5 أشخاص.”

بدأت “أم سامر” تفكر بالبحث عن عمل، ولأنها لم تكمل تعليمها، قررت أن تقوم بالعناية بعدد من أطفال المعلمات والموظفات في الفترة الصباحية، مقابل مبلغ مالي تحصل عليه في نهاية الشهر، وبذلك تكون قد ساهمت بتحسين مستواهم المعيشي ولو قليلاً.

وتضيف بأنّ ابنتها طالبة جامعية، وهي بدورها تعمل أيضًا على إعطاء دروس خصوصية في البيت، للعديد من الطلاب، وقد تمكنت من خلال ذلك العمل، من تأمين مصاريف دراستها وسد احتياجاتها الشخصية، دون الرجوع لوالديها، تضيف “أم سامر” بأن ذلك ساهم بتخفيف الضغط النفسي على الأب، وأصبحت حياتهم أكثر يسراً من قبل.

ولدى سؤالها عن المبلغ الذي تحتاجه أسرتها بالشهر، تنهدت وقالت: “طوّل قصر بايدك، بس إذا بدي أحسب لك الأساسيات أكل وشرب بدنا أكثر من 450 ألف، هذا من قريبه، وإحنا وضعنا جيد -الحمد لله- أحسن من وضع كثير ناس”. حسب تعبيرها.

تردي الواقع المعيشي سبب لتغيير ثقافة العمل

دفعت ظروف الحياة الصعبة بأفراد الأسرة لتحمل مسؤوليات وأعباء مضاعفة، فالعامل اليوم لم يعد يهتم بالتفاصيل الصغيرة حول طبيعة العمل، مثل: عدد الساعات، نوع العمل، أو القرب من المنزل، إذ أصبح همّه الوحيد تأمين عمل بأجر جيد يُمكّنه من توفير الاحتياجات اليومية والمتزايدة، ولم تعد باقي التفاصيل مهمة بالنسبة للباحث عن العمل.

 “وداد 30 عامًا” توضح أن همها الوحيد هو مساعدة زوجها في تأمين لقمة العيش، في ظل هذه الظروف المعيشية الصعبة التي يعانون منها، فهي تقضي معظم وقتها بين تنظيف المنازل، ورعاية كبار السن ممن ليس لديهم أحد يعتني بهم، وهي لا تخجل من ممارسة ذلك العمل، الذي بفضله تمكنت من توفير وشراء العديد من الأشياء الضرورية لأسرتها، مما ساهم بتحسن مستواهم المعيشي قليلاً.

 بدوره “حمزة 25 عاماً” يقول بأنه اضطر للتنقل بين بلدة وأخرى، وممارسة العديد من الأعمال الشاقة لساعات عمل طويلة ومرهقة، حيث يعمل في البناء، ويرفع العديد من المواد الثقيلة الوزن إلى طوابق مرتفعة، وقد أشار إلى أن البحث عن العمل بات ضرورة ملحة للعيش، بغض النظر عن نوع العمل، مهما كان شاقاً، وذلك لما يترتب على الأسرة من التزامات تفوق قدرتها على التحمل.

 الحكومة تسهم في زيادة التعقيد

فيما لم تساهم السياسات التي تنتهجها الحكومة في تحسين الوضع المعيشي بل زادت الهوّة بين مختلف أفراد المجتمع، وساهمت في إفقار المواطن أكثر فأكثر، فمن قرارات زيادة أسعار المحروقات والتي ساهمت في زيادة كبيرة بأسعار النقل والمواد الاستهلاكية والخضروات والفواكه، إلى القرار الأخير بإلغاء الدعم عن العديد من المواد الأساسية.

إقرأ أيضًا: مبادرات محلية في معظم مناطق درعا في ظل سوء الحالة المعيشية

يقول الخبير الاقتصادي «يحيى السيد عمر» في حديث لـ «درعا 24» حول ذلك، بأنّ هناك أسباب داخلية وخارجية أما الداخلية فتتمثل بعدة عوامل منها، “التضخم في سوريا، إضافة لفرض “أتاوات” من قبل أمراء الحرب على أي نشاط اقتصادي، والتجار لا يتحملون هذه التكاليف بل يقومون بتجييرها على حساب المستهلك النهائي، وهذا ما سبب تصاعداً حاداً في الأسعار، إضافة لتراجع العرض نتيجة تراجع الانتاج الزراعي والصناعي، فارتفاع أسعار حوامل الطاقة وندرة وجودها أدى لتراجع حاد في العرض المحلي مقابل ارتفاع الطلب، مما انعكس زيادة في الأسعار”.

يتابع “أما الأسباب الخارجية التضخم العالمي والحرب الروسية الأوكرانية، فالأسعار العالمية شهدت ارتفاعاً بلغ في بعض السلع أكثر من 50%، وحكومة النظام تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها بعد تراجع الانتاج الزراعي والصناعي في عموم البلاد”.

ولدى سؤاله عن مدى تأثير العقوبات قال: “لقانون قيصر تأثير غير مباشر على ارتفاع الأسعار، فشح موارد الطاقة والذي يعود في جزء منه لقانون قيصر أدى لارتفاع حاد في أسعار الوقود وبالتالي ارتفاع تكلفة الإنتاج وبدوره أدى لارتفاع الأسعار”.

إقرأ أيضًا: حضر الحزن، وسوء الحالة المعيشية، وغابت الأجواء الرمضانية

وبحسب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، فقد فقدت الليرة السورية 80% من قيمتها منذ بدء الأزمة اللبنانية عام 2019. مما أدى إلى تآكل القوة الشرائية لملايين الأشخاص، وارتفاع الأسعار إلى أعلى المستويات، فوفقاً لأحدث البياناتِ الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي بين عامي 2019 و2021، ارتفع سعر الأغذية الأساسية بنسبة بلغت 800%. وبحلول الأسبوع الثاني من مارس/ آذار 2022، مع بدء الحرب في أوكرانيا، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 18%. وتضطر الأسر الآن إلى الاختيار بين شراء الطعام أو الوقود أو الدواء.

وحذَّز برنامج الأغذية العالمي، من أن 72% من السوريين يشترون طعامهم بالدين بسبب نقص المال، لافتاً إلى أن ذلك أكثر شيوعاً بين النازحين والأسر العائدة. وأظهر استطلاع أجراه البرنامج في شهر شباط فبراير، وشمل جميع المحافظات السورية، أن 52% من الأسر التي قابلها البرنامج، تعتمد استهلاكاً غذائياً ضعيفاً أو محدوداً. وقال البرنامج الأممي، إن التآكل المستمر للقوة الشرائية ومصادر الرزق غير المستقرة، دفع العديد من الأسر السورية إلى تحمل المزيد من الديون.

رابط التقرير: https://daraa24.org/?p=22416

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.