الدبكات الشعبية في حوران

الدبكات الشعبية وهي نوع من الرقص الجماعي التراثي الذي يُؤدى بشكل جماعي للتعبير عن الفرح. وتعكس الدبكات بأنواعها المختلفة البيئة الاجتماعية لكل منطقة من مناطق حوران وقد تأثرت الدبكات الفلكلورية الشعبية على مر العصور بالبيئة والعادات ولكنها حافظت في الإطار العام على أصالتها وطريقة أدائها القديمة.

لا تكتمل الأفراح والمناسبات إلا بوجود حلقات الدبك، وتتكون حلقة الدبكة من مجموعة من المشاركين “الدبّيكة” بالإضافة لعازف المجوز أو اليرغول وعازف الطبل، ويصطف المشاركون بالدبكة إما على على شكل قوس أو دائرة، أو نسق واحد أو نسقين كما في الجوفية. يقود حلقة الدبكة أول الراقصين “الرّواس”، ويقوم عادة بأداء حركات إضافية تظهر مهارته.

وهناك الكثير من أنواع الدبكات في حوران ومنها الدبكة الشعراوية، الدبكة العادية، حبل مودع، الكرّادية، التسعاوية، الدرّازي، الجوفية ، الهوليّة، العسكرية وغيرها.

الدبكة الحورانية وتسمي أيضا العراوية او الدرّازي

وهي الرائجة في حوران ويرافقها المجوز أو اليرغول وتنتشر في كل مناطق حوران وهي أساسية في الأعراس ويشترك فيها مجموعة من الرجال حيث تتشابك الأيدي ويسيرون في دائرة بعكس عقارب الساعة مع القيام بحركات إيقاعية منتظمة بالأرجل مترافقة بالغناء.

الدبكات الشعبية في حوران سهلًا وجبلًا

الحاج أبو مشعل من الريف الغربي بدرعا قال لمراسل درعا 24: «الدبكة من أساسيات الأعراس بشكل خاص والأفراح بشكل عام حيث تؤدي في كل المناسبات، ويؤديها الدبيكة بطرق مختلفة حيث تدبك مع تشابك الأيدي أو رفع الأيدي على الأكتاف حيث تمتد الأيدي على طولها».

أضاف “يرافق الدبكة الغناء طبعاً، حيث يقوم شخص أو اثنان بتأدية الأغاني الموزونة والمتناغم مع عزف المجوز أو الشبابة، والطبل أو الطبلة أحياناً، وتحتاج الدبكة إلى لياقة بدنية عالية وغالباً يؤديها الشباب ولا حدود لعدد الدبيكة فقد تبدأ بعشرة أشخاص كدبكة الكرادية أو الطيارة التي يؤديها الشباب حصراً كونها سريعة، وقد يصل عدد المشاركين بالدبكة إلى أكثر مئة شخصاً”.

ومن الأغاني التي تُغنّى في الدبكة:

يا أم العريس هالليلة قومي ارقصي وهاهي
واشعلي شموع الفرح بالساحة وتباهي
أغنية يا أم العاروس- غناء أحمد القسيم

الباحث في التراث “صهيب المقداد” قال لمراسل درعا 24: «بقيت الدبكة محافظة على طابعها العام، من شبك الأيادي والوقوف بشكل نصف دائري، وحركة الأرجل بالسير خطوتين باليمين ثم الضرب بالثالثة على الأرض بالرجل اليسرى، ولكن الشباب أبدعوا في تطوير بعض الحركات والتفنن في تأديتها-كالقفز في الهواء-وخاصة التي يقوم بها “الروّيس” وهو الذي يقود الدبكة، وقد تم إدخال آلة موسيقية جديدة في الدبكة في أيامنا هذه وهي “الأورغ” بالإضافة للمجوز والطبل».

الهولية

ويكثر هذا النوع من الغناء في منطقة الجبل يقول الباحث محمد جابر في كتاب «الشعر العامي في جبل العرب»: «وما يميز الهولية التكرار وإعادة الشطر أو المصراع أو المفردة أثناء الغناد وكثيراً ما ينتقل القائل من مقطع إلى آخر ليبدأ من حيث انتهى، فتراه يعيد الجملة أو المفردة الأخيرة ويبدأ بها من جديد، إضافة إلى وجود كلمات وقوافٍ زائدة ومكررة»

ومن أكثر أغاني الهولية انتشاراً في المنطقة أغنية “لآكتب ورق وارسلك”

لاكتب ورق وارسلك      ياللي مفارق خلك
بديرتك بعد وجفا      بديرتك بعد وجفا
وبديرتي احسن لك
بديرتي بترتاحي      يا بو عيون ملاحي
عقلي شرد وراحي      من شوفتي أمسٍ لك  
من شوفتي أمسٍ لك
من شوفتي بدارك      وحرقت قلبي بنارك
يا ولف ماني جارك      خلّك معانا خلّك
 خلّك معانا خلّك
أغنية لاكتب ورق وارسل لك

“محمد الرفاعي” قال: كانوا في درعا يغنون هذه الأغنية أيضا عندما كانوا يدبكون “حبل مودع” وهي مجموعة من الرجال والنساء يمسكون بأيدي بعضهم البعض وتبدأ مجموعة بالغناء لتجاوبهم مجموعة ثانية، يمشون على شكل دائرة بحركة بطيئة ويخطون خطوتين نحو اليمين والثالثة نحو اليسار”.

 الجوفيّة

وهي من الدبكات المشهورة في كل المناطق في حوران فنجدها في السهل والجبل واللجاة والجولان أيضاً، وتعود تسمية الجوفية في كثير من الروايات إلى منطقة الجوف في الجزيرة العربية ووصلت إلى حوران عن طريق القوافل التجارية.

وتتسم أغاني الجوفية بالحماس والتحدي وغالبا ما تكون موضوعاتها عن المروءة والقوة والكرامة، وتقوم بنيتها على عدد غير محدد من الأبيات الشعرية تتوافق فيها القوافي، ويمكن أن يكون التوافق في بيتين، أو أربعة، أو أكثر.

وفي دبكة الجوفية يشبك المشاركون الأيادي وينتظمون على نسقين يقف كل نسق أمام الآخر، أو يقفون جميعا في صف واحد لكن ينقسمون إلى مجموعتين تقوم إحدى المجموعتين بغناء شطر من القصيدة، ثم تكرره المجموعة الأخرى والتي تُسمى “الردادة”، وتتحرك المجموعتان ببطء خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف ويستمر الأمر على هذا المنوال حتى تنتهي القصيدة.

قال الباحث في التراث تيسير الفقيه لموقع esyria «الجوفية نوع من الرقصات المدروسة المتقنة، ومشتقة من الجوف، والجوف هي الأرض المطمئنة، والغناء في الجوفية جماعي وبالتناوب، والجوفية نموذج مهاجر. استقر في حوران منذ القرن التاسع عشر الميلادي».

‏الحاج أبو محمد العودات قال لمراسل درعا 24: «الجوفية أساسية في أعراسنا ومناسباتنا الوطنية على مر السنوات، وكلماتها تتغنى بتراثنا وبطولاتنا على مر التاريخ، وأيضا لبث الحماس في النفوس، والتغني بحوران وبطولاتها ضد المستعمر الفرنسي، أيام الثورة السورية الكبرى»

 ‏ومن جوفيات الجبل المشهورة:

شديت لك جدعيةٍ بالكون منصوبة
جدعيةٍ تسبق هبوب الريح لو جابا
قوم اعتليها يا الغلام ودّي لي مكتوبا
حيّوا بها راعي النموس الباشا سلطان
لو تسمع حسّ الزغاريد نوبة على نوبة
والخيل خاضت بالدما كالسيل غدران

ومن جوفيات السهل:

يالله عليك اتكلنا يا خالق كل لعبادي
قم يارسل لا تونى عجل وخذلي كتابي
خذلي سلامي لاهلنا واسرع برد الجوابي
حيي لرجال لمسنة ومردانها والشبابي
دنيا العروبة وطنا عنها الشمس ماتغابي
حوران حوران جنة بوديانها ولهضابي
ياما بترابا دفنا جيش فرنساوالجنابي
بالمثغر الميزر غنى مثل المطر والسحابي
والعذارى يزغردنة ويلوحن بالعصابي
من ريقهن ما سقنا حلوة ولذيد الشرابي
وبحبهن مارمنا وابعدهن راسي شابي
دبكة الجوفية في السهل والحبل

 ‏ ‏السحجة أو الدحّيّة

 ‏‏ويشتهر بها أهالي منطقة اللجاة في حوران، ولكنها منتشرة أيضاً في الكثير من المناطق الأخرى، وفيها يقف المشاركون على شكل حلقة وينزل أحد الرجال إلى وسط الحلقة ويسمى بـ “الحاشي” ويشاركهم جميع الحركات ويحاول تشجيعهم، وتدخل أحياناً إلى حلقة الدبكة إحدى النسوة متنكرة الوجه “متلثمة بعصابتها” ترتدي شالاً أو عباءة وبيدها سيف أو عصا لترقص أمام الجميع، وتثير فيهم الحماس، والدبكة عبارة عن ضرب الكف اليمين على الشمال مع ترديد كلمة (تحيي يللي تحييه) وهي بدلاً من كلمة “حيوه” والقصد منها التحية. وعندما يبلغ التعب بالرجال “السّحّيجة” يبدأ بعض المشاركين بالغناء بقصيدة شعرية باللهجة البدوية، وكلما أنهى بيتين منها يتوقف حتى يردد الجميع عليه بـ «هلا وهلا بك يا هلا لا يا حليفي يا ولد».

هلا وهلا بيك يا هلا           هي يا حيليفي يالولد
والله يمسيكم بالخير               ضيوفا مع المحليه
هاتونه الحاشي هاتونه       هاتونه يالي تعرفونه
حنا كتينا العرقوبي         نعكز ع جعاب البارودي
حنا جيناكم سيريه           لا علمأ ولا ديريه
هلا وهلا بيك يا هلا           هي يا حيليفي يالولد
image 6
السحجة أو الدحّيّة

‏أنواع أُخرى من الدبكات

المغني الشعبي “ياسر لطيف” قال بأن هناك الكثير من أنواع الدبكة والتي تنتشر في حوران مثل دبكة حبل مودع ويشارك فيها الرجال والنساء، ويشارك في هذا النوع أقارب العريس أو العروس، ودبكة التسعاوية وتدبك على أنغام المجوز أو الشبابه أو القربه، ودبكة الدلعونا ويُغنى فيها الكثير من الألحان وخاصة ألحان الدلعونا البطيئة منها والسريعة وتدبك على أنغام المجوز أو اليرغول والشبابه، وهناك الدبكة العسكرية”

 ‏‏والدبكة العسكرية تكون أيادي الشباب مشبوكة على الأكتاف على شكل دائرة مغلقة أو مفتوحة وقلما تشارك فيها النساء لأنها متعبة. طريقتها قائمة على تبادل الدبك بالرجل اليمين باتجاه اليمين واليسرى باتجاه اليسار، وهي تكون بأربع عدات والعدة الرابعة ترفع الرجل اليمنى نحو اليمين واليسرى نحو اليسار.

تختلف الدبكات وأنواعها من الجوفية إلى الهولية والدحيّة وغيرها، ولكن تتفق جميعها بانتشارها في جميع قرى وبلدات حوران في مناطق السويداء ودرعا واللجاة، وتبقى هذه الدبكات مثالاً حياً للتعايش، وموروثاً شعبياً اجتماعياً لا يتغير ولا يتبدل على مر السنين والأيام.

الرابط: https://daraa24.org/?p=25312

 ‏المصادر:
كتاب الموسيقى التقليدية في سوريا، إحسان عباس
 ‏كتاب الأغنية الشعبية في جبل العرب

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *