المقاتلون الأجانب في الجيش السوري الجديد، واقع الدمج وتحديات الولاء: دخلت سوريا عام 2025 مرحلة سياسية وأمنية جديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد ووصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة، بقيادة أحمد الشرع، الذي تولّى رئاسة المرحلة الانتقالية.
شكّل إعلان الجيش السوري الجديد محطة فاصلة في مسار البلاد، إذ جرى دمج عشرات الفصائل المعارضة السابقة ضمن وزارة دفاع واحدة، غير أن الجدل الأوسع اندلع عندما قررت الحكومة دمج آلاف المقاتلين الأجانب، معظمهم من الإيغور والشيشان والعرب، في صفوف الجيش النظامي، ضمن فرقة خاصة حملت اسم الفرقة 84.
هذه الخطوة، التي حظيت بدعم دولي مشروط، اعتبرها البعض تنظيمًا للفوضى المسلحة، فيما رأى آخرون أنها تحمل خطر نشوء جيش متعدد الجنسيات يحمل إرثًا جهاديًا يصعب احتواؤه.
تأسيس الجيش الجديد ودمج الفصائل
مع نهاية عام 2024، أعلنت الإدارة السورية الجديدة حلّ الجيش التابع للنظام السابق، وبدأت بدمج عشرات الجماعات المقاتلة في هيكل موحّد تحت إشراف وزارة الدفاع، التي يقودها مرهف أبو قصرة، ويعاونه علي النعسان رئيس هيئة الأركان، وعيّنَ نائباً له محمد خير شعيب، وجميعهم من القيادات السابقة في هيئة تحرير الشام. (رويترز)
شملت عملية الدمج تنظيمات كبرى مثل:
هيئة تحرير الشام، أحرار الشام، جيش العزة، جيش النصر، أنصار التوحيد، فيلق الشام، الحزب الإسلامي التركستاني في سوريا، لواء المهاجرين والأنصار، حركة نور الدين الزنكي، الجبهة الشامية، وعددًا من فصائل الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، أبرزها لواء سليمان شاه بقيادة محمد جاسم (أبو عمشة) وفرقة الحمزة بقيادة سيف أبو بكر، وكلاهما خاضع لعقوبات أوربية.
وبحسب مصادر عسكرية سورية، خُصصت الفرقة 84 كمظلّة رسمية لدمج المقاتلين الأجانب، في خطوة هدفت إلى ضبطهم ضمن بنية موحدة، بدلاً من بقائهم في فصائل منفصلة تعمل خارج سلطة الدولة.
المقاتلون الأجانب: الأعداد والجنسيات
تشير الإحصاءات بحسب الجزيرة نت وبعض الوسائل الاعلامية إلى أن عدد المقاتلين الأجانب الذين جرى دمجهم يبلغ نحو 3500 مقاتل، موزعين على النحو التالي:
- الإيغور من تركستان الشرقية: بين 2100 و2600 مقاتل (60–75%).
- الشيشان: بين 300 و500 مقاتل.
- مقاتلو آسيا الوسطى (قرغيزستان، كازاخستان، أوزبكستان): نحو 200 مقاتل.
- العرب (أردنيون، فلسطينيون، مصريون، وخليجيون): بين 400 و500 مقاتل.
- الأتراك: قرابة 150 مقاتلًا.
- جنسيات أوروبية وروسية (أوكرانيا، روسيا، بلجيكا، فرنسا): أقل من 100 مقاتل.

ويشير مصدر في وزارة الدفاع إلى أن معظم هؤلاء المقاتلين حصلوا على الجنسية السورية أو هم قيد إجراءات التجنيس حتى نهاية عام 2025، بموجب مراسيم خاصة تُمنح للمقاتلين المندمجين.
خريطة الانتشار الميداني
يتركز الإيغور في شمال غرب سوريا، خصوصًا في محافظة إدلب ومحيط مدينة جسر الشغور، حيث يعيش كثير منهم ضمن تجمعات سكانية خاصة تضم مدارس ومساجد.
ينضوون في لواء القتال الجبلي التابع للفرقة 84، ويتمركزون في الجبال الساحلية غرب سوريا.
أما الشيشان والقوقازيون فيعملون في لواء المداهمة ولواء المدفعية، وينتشرون في الجبال الساحلية ومناطق إدلب وحلب، مستفيدين من خبرتهم في حرب المدن والجبال.
المقاتلون العرب يتواجدون أساسًا في ريفي حماة وحلب، ويشكّلون العمود الفقري للوحدات المدرعة والإدارية.
بينما يتمركز الأتراك وجنسيات أوروبا الشرقية في جبل التركمان شمال اللاذقية وريف حلب الغربي، وغالبًا ضمن وحدات القنص والدوريات الخاصة.
القيادة والترقيات
في ديسمبر 2024، أصدر الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع قرارات بترقية عدد من القادة العسكريين، بينهم شخصيات أجنبية لعبت أدوارًا مؤثرة خلال المعارك ضد النظام.
من أبرز هؤلاء:
- عبد الرحمن حسين الخطيب (أبو حسين الأردني):
طبيب أردني وقيادي سابق في هيئة تحرير الشام، تولّى قيادة الحرس الجمهوري السوري الجديد. قاد عمليات تمشيط في قرى القصير بمحافظة حمص لضبط خلايا مرتبطة بتجارة الكبتاغون على الحدود اللبنانية. انضم إلى جبهة النصرة عام 2013، وتدرّج في مواقع القيادة حتى أصبح من أبرز المقربين من أحمد الشرع بعد مقتل أبو عمر سراقب عام 2016.
- عمر محمد جفتشي (مختار التركي):
مقاتل تركي يقود المنطقة العسكرية في دمشق. ارتبط بعلاقات وثيقة مع الاستخبارات التركية في السنوات الماضية، وكان من الشخصيات السرية في هيئة تحرير الشام قبل سقوط النظام.
- عبد الله شحادة (لبناني):
من بلدة عكار شمال لبنان، انشقّ عن الجيش اللبناني عام 2014، وانضم إلى جبهة النصرة. يشغل حاليًا منصب رئيس الاستخبارات السورية في محافظتي حمص واللاذقية. عُرف بمواقفه المناهضة لحزب الله، واتهم الجيش اللبناني بالتمييز الطائفي ضد السنة.
- علاء محمد عبد الباقي (أبو محمد ضياء):
مصري الجنسية، حُكم عليه سابقًا بالسجن المؤبد في مصر لانتمائه إلى جماعات إسلامية، ودخل سوريا عام 2014. تمت ترقيته إلى رتبة عقيد، ومن المرجح أنه يشغل موقعًا في هيئة العمليات أو اللوجستيات العسكرية.
- عبد العزيز داوود خدابردي (أبو محمد التركستاني):
من تركستان الشرقية، وأحد مؤسسي الحزب الإسلامي التركستاني في سوريا. يقود الفرقة 84، ويُعرف بتأثيره القوي في الأوساط القتالية.
- ذو القرنين زنور البصر (عبد الله الداغستاني):
قائد ميداني شيشاني، كان ينتمي إلى “جيش المهاجرين والأنصار” ثم “أجناد القوقاز”. يشغل منصبًا قياديًا في الفرقة 84 ويدير عملياتها الميدانية.
أبرز القياديين الإيغور في الحزب الإسلامي التركستاني

يُعدّ أبو دجانة التركستاني أحد أبرز قيادات الحزب الإسلامي التركستاني في سوريا، وهو تنظيم يضم مقاتلين من أقلية الإيغور المسلمة القادمة من تركستان الشرقية (شينجيانغ) في الصين.
وبحسب مصادر عامة برز كقائد ميداني شارك في العديد من العمليات ضد القوات النظامية والروسية، خصوصًا في مناطق إدلب وجبال اللاذقية.
كما تولّى مسؤولية تنظيم الهجمات ومعسكرات تدريب المقاتلين الإيغور، وساهم في تعزيز حضور الحزب الإسلامي التركستاني داخل سوريا.
أما أبو إسلام التركستاني، فهو من أبرز مساعديه، وكان يشرف على معسكرات التدريب في ريف جسر الشغور. يُعدّ من وجوه الجيل الثاني من قادة الحزب، واشتهر بعلاقاته مع فصائل سورية محلية، خاصة في ريف إدلب الغربي، وكان من الداعين إلى إدماج المقاتلين تدريجيًا في مؤسسات الجيش السوري الجديد لتجنّب الصدام مع السلطة الانتقالية.
اعتقال “أبو دجانة” و”أبو إسلام التركستاني”
في تطور لافت، أكدت مصادر ميدانية أن القياديين البارزين في الحزب الإسلامي التركستاني أبو دجانة وأبو إسلام التركستاني تم اعتقالهما قبل نحو شهرين عقب زيارة قصيرة إلى محافظة درعا جنوبي البلاد.
لم تُصدر وزارة الدفاع أي توضيح رسمي حول أسباب الاعتقال، إلا أن مصادر متقاطعة ترجّح أن يكون مرتبطًا بخلافات داخل قيادة الفرقة 84 حول إدارة الملفات الأمنية والتواصل مع الفصائل المحلية في الجنوب.
وأظهر مقطع مصوّر أحد المقاتلين الأجانب وهو يتحدث عن ظروف اعتقال أبو دجانة، فيما ظهرت زوجته في مقابلة تؤكد الخبر وتطالب بالكشف عن مصيره.
أثار الاعتقال هزة داخل صفوف الفرقة 84، إذ يُعدّ الرجلان من أبرز رموز الحزب الإسلامي التركستاني، ومن القيادات ذات النفوذ الواسع بين مقاتلي الإيغور.
ورغم صمت القيادة العسكرية، تؤكد مصادر ميدانية وجود توتر متزايد داخل التشكيل الإيغوري، نتيجة شعور بعض المقاتلين بأن الخطوة جاءت ضمن تضييق تدريجي على نفوذهم بعد إدماجهم رسميًا في الجيش.
تفيد المعلومات المتقاطعة بأن الخلافات بدأت قبل الزيارة الأخيرة إلى درعا، حين اعترض أبو دجانة على إعادة توزيع بعض المقاتلين الأجانب في الجنوب ضمن وحدات مختلطة يشرف عليها ضباط سوريون.
ويرجّح أن تكون الزيارة قد تزامنت مع تحقيقات أمنية داخلية تتعلق بملفات ارتباط الحزب الإسلامي التركستاني بشبكات خارجية.
ويرى مراقبون أن هذه الحادثة قد تمهّد لمرحلة إعادة هيكلة داخلية للفرقة 84، خصوصًا مع سعي القيادة العليا إلى تفكيك الولاءات العقائدية القديمة وتحويلها إلى ولاء مؤسسي للدولة السورية الجديدة.
لكن التحدي الأكبر يبقى في الحفاظ على الانضباط ومنع انقسام الكتلة الإيغورية، التي تمثل أكثر من ثلثي المقاتلين الأجانب، وسط دعوات متصاعدة لإطلاق سراح القياديين وتسوية الملف دون أن يتحول إلى شرخ داخلي في بنية الجيش الجديد.
التحالفات والبنية التنظيمية
تُعد هيئة تحرير الشام (HTS) المكوّن الأبرز داخل الجيش السوري الجديد، إذ يشكّل قادتها نحو ثلثي القيادة العليا وتحتفظ بسيطرة واسعة على مناطق الشمال السوري.
تعمل الهيئة بالتنسيق مع الجيش الوطني السوري الذي يضم فصائل عربية مدعومة من تركيا مثل فرقة الحمزة ولواء سليمان شاه، وتتمتع الأخيرة بقدرات لوجستية وإدارية كبيرة.
أما الفرقة 84 فتضم خليطًا من الإيغور والشيشان ومقاتلي آسيا الوسطى وبعض الألبان. أنشئت خصيصًا لاستيعاب المقاتلين الأجانب ضمن إطار منضبط، ويقودها حاليًا أبو محمد التركستاني تحت إشراف القيادة العامة، وتُسند إليها مهام القتال في المدن والمناطق الجبلية.
ترتكز التحالفات داخل الجيش غالبًا على أساس جغرافي وفكري؛ فالإيغور يحتفظون بصلاتهم بالحزب الإسلامي التركستاني، والشيشان بمجموعات سلفية قوقازية، بينما يشكّل العرب نواة الفصائل ذات التوجه الوطني والإخواني.
ويحظى الملف بدعم تركي–قطري سياسي ومالي، إلى جانب مراقبة أميركية مباشرة لضمان الشفافية ومنع الانتهاكات.
التحديات والمخاوف
رغم الطابع المؤسسي للدمج، تبرز تحديات جوهرية تهدد تماسك الجيش الجديد:
- الولاءات المتعددة: لا يزال الانتماء العقائدي والعرقي يشكّل حاجزًا أمام بناء هوية وطنية موحدة.
- الانضباط العسكري: يحتفظ بعض القادة بنفوذهم التنظيمي السابق، مما يضعف سلطة القيادة المركزية.
- الملف الحقوقي: تقارير عدة تحدثت عن تورط مجموعات أجنبية في حوادث قتل وانتهاكات، ما دفع القيادة الجديدة لتشكيل لجان رقابة ومساءلة.
- الهواجس الإقليمية: تخشى دول الجوار من انتقال عناصر متشددة إلى أراضيها أو تحوّلهم إلى خلايا عابرة للحدود.
- التجاذب الدولي: الدعم الأمريكي والتركي المشروط قد يتحول إلى عامل ضغط سياسي في حال فشل مشروع الدمج أو تفاقمت الانتهاكات.
هذه التحديات لا تهدد فقط تماسك الجيش الجديد، بل مستقبل الاستقرار الأمني في سوريا ما بعد الحرب.
الأبعاد السياسية والقانونية
تقدّم الحكومة السورية الانتقالية هذه الخطوة بوصفها مشروعًا وطنيًا لإعادة هيكلة الجيش لا تنازلًا عن السيادة، معتبرة أن استيعاب المقاتلين الأجانب أفضل من تركهم في معسكرات معزولة أو دفعهم إلى بؤر صراع جديدة. وذكر الرئيس الشرع عدة تجارب مماثلة كتجنيس فرنسا للمقاتلين الجزائريين المشاركين في الحرب العالمية الثانية.
في المقابل، تحذر منظمات حقوقية من تجنيس جماعي سريع لمقاتلين ذوي خلفيات جهادية دون تدقيق أمني وفكري شامل، وتدعو إلى مراقبة دولية للملف، خاصة بعد منح بعضهم مناصب حساسة في الاستخبارات والحرس الجمهوري.
أما الولايات المتحدة، فتتبنى مقاربة براغماتية تقوم على دعم سياسي مشروط مقابل التزام واضح بعدم تصدير العنف، وهو ما يفسر استمرار التنسيق الأمني المحدود بينها وبين دمشق الجديدة في ملفات الحدود والتهريب ومكافحة التطرف.
يرى مراقبون أن تجربة دمج المقاتلين الأجانب في الجيش السوري الجديد تُعد اختبارًا حقيقيًا لمفهوم “الجيش ما بعد الثورة” في الشرق الأوسط.
فمن جهة، أظهر هؤلاء المقاتلون خبرات قتالية ساهمت في حسم معارك مصيرية، ومن جهة أخرى يثير اندماجهم المكثف أسئلة عميقة حول الولاء والهوية والمحاسبة.
تبدو تجربة الجيش السوري الجديد في عام 2025 مثالًا نادرًا على محاولة دولة خارجة من الحرب إعادة بناء مؤسستها العسكرية من بقايا فصائل متنافرة ومقاتلين قادمين من عشرات الدول.
تحولت الفرقة 84 إلى رمز لهذه التناقضات: بين القوة والخطر، بين الانضباط والإرث الجهادي.
وفيما يحاول الرئيس أحمد الشرع تقديم نفسه كقائد إصلاحي يسعى إلى تأسيس جيش وطني جامع، يبقى مستقبل هذه التركيبة مرهونًا بقدرتها على التحوّل من تحالف عابر للجنسيات إلى مؤسسة وطنية سورية بحق.
الرابط: https://daraa24.org/?p=54963






