لم يعد “أحمد” وهو طالب جامعي يتوجه يومياً من مدينة بصرى الشام إلى مدينة درعا، يحسب يومه الدراسي بعدد المحاضرات التي سيحضرها فقط، بل بعدد الليرات التي سيحتاجها للوصول إليها.
يقول لمراسل درعا 24 إن أجرة الذهاب والإياب أصبحت تبلغ 34 ألف ليرة يومياً، بعد ارتفاع أجرة الميكرو باص (السرفيس) من 15 ألفاً إلى 17 ألف ليرة للاتجاه الواحد عقب رفع أسعار المحروقات في أيار الماضي.
ويضيف: “صرت أختصر كثيراً من المحاضرات حتى لا أزيد العبء على أهلي. الوضع أصبح يؤثر على دراستي بشكل مباشر”.
بحسب شهادات طلابية جمعتها درعا 24 من مدن وبلدات المحافظة، دفع ارتفاع أجور النقل كثيرين إلى تقليل حضورهم الجامعي أو الاكتفاء بالمحاضرات الأساسية، فيما بات بعضهم يؤجل مراجعاته الإدارية والأكاديمية بسبب كلفة التنقل.
ويقول طالب من مدينة الحراك إن الباصات العامة تبقى الخيار الأقل كلفة في مدينتهم، إذ تبلغ أجرتها نحو 10 آلاف ليرة بعد أن كانت 8 آلاف، لكنها غالباً ما تكون مكتظة بالركاب، كما أن مواعيد وصولها لا تتناسب دائماً مع الدوام الجامعي.
زيادات متفاوتة بين الخطوط
بحسب شهادات جمعها مراسلو درعا 24 من مناطق مختلفة في المحافظة، شهدت خطوط النقل ارتفاعات متباينة خلال الأشهر الماضية، كان آخرها ما ترتب بسبب زيادة الشركة السورية للبترول لأسعار الوقود.
ففي خط بصرى الشام – درعا ارتفعت الأجرة من 15 ألفاً إلى 17 ألف ليرة، وكذلك الحال على خط معربة – درعا.
أما على خط الحراك – درعا، فقد ارتفعت أجرة السرفيس من 15 ألفاً إلى 20 ألف ليرة، في حين ارتفعت أجرة الباص من 8 آلاف إلى 10 آلاف ليرة.
وعلى خطي تل شهاب – درعا ومزيريب – درعا ارتفعت الأجرة من 8 آلاف إلى 10 آلاف ليرة، بينما ارتفعت أجرة خط جاسم – درعا من 18 ألفاً إلى 22 ألف ليرة.
وفي خط نوى – درعا ارتفعت الأجرة من 12 ألفاً إلى 14 ألف ليرة، فيما ارتفعت أجرة السفر بين الحراك ودمشق من 30 ألفاً إلى 35 ألف ليرة، وبين طفس ودمشق من 35 ألفاً إلى 40 ألف ليرة.

ورغم اختلاف نسب الزيادة بين خط وآخر، إلا أن القاسم المشترك بين الركاب هو ارتفاع الكلفة اليومية للتنقل، سواء للدراسة أو العمل أو المراجعات الطبية والخدمية.
الموظفون بين الراتب وأجرة الطريق
لا يختلف حال الموظفين كثيراً عن الطلاب.
يقول موظف من بلدة الطيبة إن أجرة الباص ارتفعت من 8 آلاف إلى 10 آلاف ليرة، لكن المشكلة لا تتوقف عند التسعيرة فقط.
فبعد انتهاء الدوام الرسمي، يجد كثير من الموظفين أنفسهم أمام خيارين: انتظار وسيلة نقل قد لا تأتي، أو دفع أجور أعلى للعودة إلى منازلهم، خصوصاً في ساعات المساء.
ويضيف أن بعض السائقين يرفعون الأجرة في أوقات معينة بسبب قلة عدد الركاب والرحلات، ما يدفع كثيرين إلى البحث عن سيارات خاصة أو مشاركة الركوب مع معارفهم لتخفيف النفقات.
وفي الحراك، يقول موظف حكومي إن جزءاً كبيراً من راتبه الشهري يذهب للمواصلات، مطالباً بتوسيع خدمات النقل المخصصة للعاملين في القطاع العام.
السائقون: الزيادة لم تعوض الخسائر
في الجهة المقابلة، يؤكد السائقون أن الزيادات الأخيرة لم تحقق لهم أرباحاً إضافية بقدر ما حاولت التخفيف من آثار ارتفاع تكاليف التشغيل.
يقول “أبو محمد”، وهو سائق على خط تل شهاب – درعا، إن جميع عناصر التشغيل أصبحت مرتبطة بسعر الدولار، بدءاً من قطع الغيار والإطارات والزيوت، وصولاً إلى المحروقات.
ويضيف أن السيارة قد تنطلق ممتلئة بالركاب في اتجاه وتعود فارغة في الاتجاه الآخر، ما يقلل من العائد الفعلي للرحلات، فضلاً عن ساعات الانتظار الطويلة لاستكمال عدد الركاب.
أما سائق باص على خط الطيبة – درعا فيؤكد أن التسعيرة الحالية لا تغطي النفقات، مشيراً إلى أن عدد النقلات اليومية محدود، بينما تستمر تكاليف الصيانة والأعطال بالارتفاع.
وفي مدينة جاسم، يقول السائق أبو رأفت إن أجرة الخط ارتفعت من 18 ألفاً إلى 22 ألف ليرة، لكن ذلك لم ينعكس كدخل إضافي للسائقين بسبب التكاليف المرتفعة.
ويضيف أن السائقين على الخط ما زالوا ينقلون الطلاب بأجور أقل من التسعيرة المحددة مراعاةً لظروفهم، مؤكداً أن الحل من وجهة نظره يكمن في إعادة تخصيص كميات من المازوت المدعوم لوسائل النقل العامة.
وفي مدينة نوى، يقول محمد المفعلاني، سائق سرفيس على خط نوى – درعا، إن الأجرة الحالية البالغة 14 ألف ليرة لا تعكس حجم الارتفاع الذي طرأ على تكاليف التشغيل خلال الأشهر الأخيرة.
ويوضح أن أجرة الراكب كانت قبل نحو شهرين 12 ألف ليرة عندما كان سعر ليتر المازوت بحدود 8500 ليرة، بينما ارتفع سعر الليتر اليوم إلى نحو 12500 ليرة، في حين لم ترتفع الأجرة سوى إلى 14 ألف ليرة فقط.
ولا تقتصر الزيادات على المحروقات، بحسب المفعلاني، إذ ارتفعت رسوم الترسيم السنوية للمركبات من نحو 450 ألف ليرة إلى مليونين و300 ألف ليرة سنوياً. كما شهدت قطع الغيار والصيانة قفزات كبيرة، إذ ارتفع سعر محرك السيارة من نحو ألف دولار إلى قرابة ثلاثة آلاف دولار.
شاهد: لقاء سابق يرصد معاناة سائقي السرافيس والحافلات في كراج مدينة درعا الغربي
أزمة تتجاوز تسعيرة
تكشف الشهادات التي جُمعت من الركاب والسائقين أن أزمة المواصلات في درعا لا ترتبط فقط بالأجرة المعلنة، بل بمجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل ارتفاع أسعار المحروقات، وارتفاع تكاليف الصيانة وقطع الغيار، والاكتظاظ في بعض الخطوط، وقلة الرحلات في أوقات معينة، إضافة إلى العبء المتزايد على الأسر التي تعتمد يومياً على وسائل النقل للوصول إلى الجامعات ومقار العمل.
وبينما يرى الركاب أن أجور النقل أصبحت تستنزف جزءاً متزايداً من دخلهم المحدود، يؤكد السائقون أنهم بدورهم يواجهون ضغوطاً متصاعدة تجعل الاستمرار في العمل أكثر صعوبة.
وفي ظل استمرار ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القدرة الشرائية للسكان، تبدو المواصلات في محافظة درعا واحدة من أكثر القضايا المعيشية التصاقاً بالحياة اليومية، حيث يلتقي عندها همّ الطالب والموظف والسائق، دون أن يملك أي منهم حلاً كاملاً للأزمة.
اقرأ أيضاً: درعا: مطالب بمراجعة رسوم ترسيم المركبات وتبسيط الإجراءات الإدارية






