لم تجد سناء، وهي خريجة تجارة واقتصاد منذ عامين، فرصة عمل ضمن اختصاصها، إلى أن صادفت إعلانًا يطلب خريجات اقتصاد للعمل كمحاسِبات براتب مغرٍ وساعات عمل قصيرة.
توجّهت سناء إلى المقابلة سريعًا، لكن خلال اللقاء لم تُطرح عليها أي أسئلة مهنية، لتكتشف لاحقًا أن طبيعة العمل تقوم على الخروج مع سائق للترويج لمنتجات الشركة، في وظيفة لا تمتّ للمسمّى الوظيفي بصلة، وتُقدَّم كفرصة بينما هي في الواقع إعادة توصيف لعمل ترويجي شاق، دون اعتراف أو حماية مهنية.
لا تُعدّ هذه الحالة استثناءً، إذ باتت الكثير من الإعلانات تطلب فتيات بشكلٍ حصري، وتحول حضور المرأة من خيار مهني إلى شرط أساسي في مجالات الترويج وخدمة العملاء، وكل ما يتطلّب تواصلًا مباشرًا مع الزبائن.
في كثير من هذه الحالات، تتراجع الخبرة والمؤهلات أمام معايير المظهر أو اللباقة، والقدرة على “التمثيل” أمام الجمهور، ضمن منطق سوقي يرى في المرأة واجهة أكثر مما يراها عاملة متخصّصة.
ويشير كثيرون إلى توسّع حضور النساء في مهن كانت تُعد سابقًا حكرًا على الرجال، ليس فقط بفعل كسر الصور النمطية أو مواكبة العصر، بل أيضًا نتيجة تحوّلات في سوق العمل تستثمر في هذا الحضور؛ من الترويج الصوتي والمرئي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى العمل كنادلات في تقديم الأراكيل أو في وظائف تتطلّب احتكاكًا مباشرًا مع الزبائن.
إقرأ أيضاً: عمل المرأة في درعا: بين نظرة المجتمع والإيمان بأهمية دورها
في كثير من المواقع الوظيفية المشابهة، تحصل النساء على فرص أكبر، ليس لأن الشروط أصبحت أكثر عدالة أو تمثيلًا، بل لأن معايير التوظيف تغيّرت بما يخدم منطق الجذب والربح، حتى وإن اصطدم ذلك بقيود اجتماعية ما تزال قائمة.
ويقول كثيرون إنهم ليسوا ضد عمل المرأة من حيث المبدأ، لكنهم يعترضون على طبيعة هذا العمل الذي يستغلها، ويفضّلون أن يكون ضمن بيئات محددة يرونها أكثر قبولًا اجتماعيًا، كأن تعمل كنادلة في مطعم مخصّص للعائلات مثلًا..
في ظل هذا الواقع، لا يبدو النقاش حول عمل المرأة هو القضية الأساسية، بل حول شكل هذا العمل وشروطه وحدوده. فحين تُقدَّم وظائف بلا توصيف مهني واضح، وتُستبدل المؤهلات بالشكل، ويتحوّل الجسد أو الحضور إلى أداة جذب، يصبح السؤال مشروعًا: هل هذه فرص حقيقية أم سوق يعيد إنتاج الاستغلال بواجهات جديدة؟
إعادة النظر في معايير التوظيف باتت ضرورة، لا لحماية صورة المجتمع، بل لحماية العاملات أنفسهن، وضمان أن يكون العمل خيارًا مهنيًا كريمًا، لا مساحة رمادية تُسوَّق فيها الحاجة باسم الفرص.
إقرأ أيضاً: معاناة المرأة في درعا من حرمانها من حقها في الميراث
النقاش هنا لا يتعلّق بحق المرأة في العمل، بل بمعايير التوظيف وحدود الاستغلال تحت مسمّى الفرص.
هل ما يجري هو كسر ضروري لحدود وعادات باتت قديمة؟ أم استغلال جديد للمرأة يُعاد تسويقه باسم الانفتاح؟ وهل تشجّع إعادة تعريف هذه الحدود، أم ترى ضرورة تثبيتها من جديد؟
شاركونا بآرائكم
إقرأ أيضاً: هل غيّرت الحرب في دور المرأة في سوق العمل؟






