البطالة في الجنوب السوري: واقع يومي صعب وأرقام مرتفعة

البطالة في الجنوب السوري: واقع يومي صعب وأرقام مرتفعة
البطالة في الجنوب السوري: واقع يومي صعب وأرقام مرتفعة

تُعد البطالة اليوم واحدة من أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه السكّان في محافظة درعا وكامل الجنوب السوري، في ظل استمرار ضعف النشاط الاقتصادي وندرة فرص العمل. فبعد أكثر من 15 سنة من الاضطرابات الاقتصادية التي رافقت سنوات الحرب، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام خيارات محدودة للعمل، ما يدفع بعضهم إلى اللجوء إلى أعمال مؤقتة – في حال وجودها – كالعمل باليومية أو في الأسواق الشعبية لتأمين مصدر دخل.

يقول شاب من سكّان مدينة درعا في حديث لشبكة درعا 24 إن البحث عن عمل ما يزال مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة، موضحاً أن معظم الفرص المتاحة تقتصر على أعمال يومية أو مؤقتة لا توفر دخلاً ثابتاً.

فيما يوضح أحد الباعة في سوق شعبي بمدينة درعا أن كثيراً من العاملين في هذه الأسواق كانوا في السابق يعملون في وظائف ثابتة، لكنهم اضطروا إلى العمل في بيع البسطات بعد فقدان وظائفهم أو تراجع الدخل. 

ويشير العديد من الأهالي إلى أن البطالة لا تقتصر على فئة الشباب فقط، بل تشمل أيضاً خريجي الجامعات الذين يجدون صعوبة في العثور على وظائف تتناسب مع اختصاصاتهم، ما يدفع بعضهم إلى العمل في مجالات بعيدة عن تخصصهم.

اقرأ أيضاً: معاناة العمّال بالمشاريع الزراعية في درعا: أجور متدنية وظروف قاسية

الأرقام لا تعكس الواقع

رغم وضوح المشكلة في الحياة اليومية للسكان، للآن لا توجد إحصاءات رسمية حديثة حول البطالة في سوريا. إذ تعود آخر البيانات المتوفرة إلى المكتب المركزي للإحصاء الذي قدّر معدل البطالة في البلاد بنحو 23.7% عام 2022. وتُظهر بيانات العام نفسه أن عدد العاطلين في محافظة درعا يُقدّر بنحو 71 ألف شخص، وأما في السويداء نحو 67 ألفاً، بينما يبلغ عددهم في القنيطرة حوالي 25 ألف شخص.

كما تسجل الفئات الشابة النسبة الأعلى من البطالة، إذ تصل لدى الفئة العمرية بين 20 و24 عاماً إلى نحو 58%، وهو ما يعكس حجم الضغط على سوق العمل لدى الفئة الأكثر نشاطاً في المجتمع.

ورغم أن هذه الأرقام تعود إلى السنوات التي سبقت سقوط نظام الأسد، فإن كثيراً من الخبراء الاقتصاديين يرون أن الواقع الحالي ما يزال معقداً، في ظل استمرار ضعف الاقتصاد المحلي وتراجع فرص العمل.

وفي هذا السياق، قال وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار في تصريحات رسمية إن معدل البطالة في سوريا قد يتجاوز 60%، مشيراً إلى أن الاقتصاد السوري تعرض لدمار واسع خلال سنوات الحرب، وأن حجم الأزمة الاقتصادية “أكبر بكثير مما كان متوقعاً”.

كما تشير تقديرات اقتصادية إلى أن سوريا تحتاج إلى نحو 200 ألف فرصة عمل سنوياً فقط لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل والحد من تفاقم البطالة.

اقرأ أيضاً: العمال في درعا معاناة مستمرة وأجور متدنية

الزراعة بين الجفاف والقيود الأمنية

يربط خبراء اقتصاديون ارتفاع البطالة بعدة عوامل، من بينها تراجع النشاط الاقتصادي وضعف القطاعات الإنتاجية المحلية، وعلى رأسها القطاع الزراعي الذي يعد أحد أهم مصادر الدخل في الجنوب السوري.

يقول مزارع من ريف درعا الغربي في حديث لشبكة درعا 24 إن الزراعة التي كانت توفّر فرص عمل لآلاف العائلات في المنطقة شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال العامين الأخيرين، موضحاً أن موجة الجفاف التي ضربت المنطقة العام الماضي أدت إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وخسارة عدد كبير من المزارعين لمواسمهم.

ويضيف أن التحديات لا تقتصر على الظروف المناخية فقط، إذ أدى وجود القوات الإسرائيلية في المنطقة العازلة وداخل الأراضي السورية وسيطرتها نارياً على مساحات واسعة من هذه الأراضي الزراعية، إلى جانب منع المزارعين من الوصول إلى مساحات كبيرة من أراضيهم في وادي اليرموك والقنيطرة، إلى توقف العمل في أجزاء من الأراضي الزراعية وتراجع فرص العمل المرتبطة بها، سواء في الزراعة أو تربية المواشي أو في الأعمال الموسمية المرتبطة بالمواسم الزراعية.

ويشير اقتصاديون إلى أن القطاع الزراعي في الجنوب يواجه أيضاً تحديات أخرى، من بينها ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الموارد وارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة، ما يزيد من صعوبة استعادة هذا القطاع لدوره السابق في توفير فرص العمل.4

اقرأ أيضاً: الخبير الاقتصادي زياد الغزالي لشبكة درعا 24: “يفترض أن تُطرح المشاريع الاستثمارية الكبرى عبر مناقصات شفافة وعادلة ومفتوحة”

تحديات التعافي الاقتصادي

شهدت سوريا خلال العام الأخير تغيرات كبيرة بعد سقوط النظام السابق وبدء المرحلة الانتقالية، وهو ما فتح الباب أمام الحديث عن خطط لإعادة تنشيط الاقتصاد.

لكن خبراء اقتصاديين يرون أن تعافي سوق العمل لن يكون سريعاً، نظراً لحجم التراجع الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال أكثر من عقد من الصراع، إضافة إلى التحديات المرتبطة بإعادة بناء القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية.

وفي هذا السياق، أكد تقرير لمنظمة الهجرة الدولية (IOM) عام 2025 أن قلة فرص العمل تُعد من أبرز العوائق أمام عودة السوريين إلى مناطقهم، إلى جانب ضعف الخدمات الأساسية والبنية التحتية، ما يحدّ من قدرة المجتمعات المحلية على التعافي الاقتصادي.

وفي موازاة ذلك، أفاد صحفي شارك في لقاء جمع الرئيس السوري أحمد الشرع مع عدد من الإعلاميين والناشطين من مختلف المحافظات بأن الرئيس تحدث عن خطط اقتصادية للجنوب السوري رداً على سؤال حول أوضاع المحافظات الجنوبية من قِبل أحد الصحفيين من أبناء درعا. 

وبحسب ما نقله الصحفي، فإن الحكومة تعمل على خطة تنموية للمحافظات الجنوبية الثلاث تشمل مشاريع زراعية وإنشاء مدن صناعية، مضيفاً أن هناك مشروعاً آخر قيد الدراسة لم تكتمل معالمه بعد، لكنه “إذا تم تنفيذه فسيحل معظم مشكلات الجنوب السوري”.

اقرأ أيضاً: ازدياد معدلات البطالة في محافظة درعا

بين الواقع والآمال

ورغم الحديث عن خطط تنموية ومشاريع مستقبلية، يرى مختصون أن معالجة أزمة البطالة في الجنوب السوري تتطلب خطوات عملية على الأرض، تبدأ بدعم المشاريع الصغيرة وتنشيط القطاع الزراعي وخلق فرص عمل جديدة للشباب، إضافة إلى جذب الاستثمارات وإطلاق مشاريع تنموية قادرة على تحريك الاقتصاد المحلي.

وفي ظل محدودية فرص العمل، اتجه عدد متزايد من شباب الجنوب السوري خلال الفترة الأخيرة إلى الانضمام إلى التشكيلات العسكرية والأمنية الحديثة التابعة للدولة السورية، سواء ضمن وحدات الجيش الجديد أو قوى الأمن الداخلي، بحثاً عن مصدر دخل ثابت.

ويقول أحد وجهاء منطقة الشجرة بريف درعا الغربي في حديث لشبكة درعا 24 إن كثيراً من الشباب اختاروا هذا المسار بسبب غياب البدائل الاقتصادية وانعدام فرص العمل في الزراعة، موضحاً أن الانضمام إلى المؤسسات العسكرية والأمنية أصبح بالنسبة للبعض “الخيار المتاح الوحيد للحصول على راتب ثابت”. ويلفت إلى أن بعض القرى صار فيها في كل منزل شاب متطوع سواء بالأمن أو بالجيش. 

وفي ظل هذه التحديات، يبقى ملف البطالة أحد أكثر الملفات إلحاحاً بالنسبة لسكان الجنوب، الذين يترقبون تحسن الظروف الاقتصادية وعودة النشاط الإنتاجي بما يفتح الباب أمام فرص عمل أكثر استقراراً في السنوات المقبلة.

اقرأ ايضاً: التعيينات في المؤسسات الحكومية: من الكفاءة إلى المحسوبيات

موضوعات ذات صلة