تدفع بعض النساء في مدينة نوى مبالغ تصل إلى نحو 1.8 مليون ليرة سورية لإجراء عمليات الولادة القيصرية في المشافي الخاصة رغم توفر خدمات الولادة والقيصرية مجاناً في المشفى الوطني.
ولا يبدو القرار مرتبطاً دائماً بالحاجة الطبية إلى القيصرية بقدر ما يرتبط لدى بعض النساء بالثقة والشعور بالأمان والخوف من تجربة المشافي الحكومية.
اختارت رغد البالغة من العمر 20 عاماً مشفىً خاصاً لولادتها الأولى، ودَفعت نحو 1.8 مليون ليرة سورية مقابل عملية قيصرية.
تقول لـ “درعا 24” إن قرارها جاء بشكل أساسي بحثاً عن الراحة النفسية وشعورها بأن المسؤولية ستكون أكبر في حال حدوث أي طارئ داخل المشفى الخاص.
وتضيف أن تجربتها كانت جيدة وأن طفلها ولد بصحة جيدة ولم يحتج إلى الحاضنة وأن العملية مرت بسهولة.
أمّا سعاد البالغة من العمر 30 عاماً، فقد خاضت تجربتها الأخيرة في المشفى الوطني في نوى قبل نحو شهرين، حيث أجرت عملية قيصرية بسبب وضعية الجنين.
وتقول سعاد إن تجربتها كانت جيدة من حيث النظافة والتعقيم والاهتمام مشيرة إلى خبرة القابلات ودورهن في متابعة النساء إلى جانب الطبيب الجراح.
وتقارن سعاد تجربتها بتجربة شقيقتها في مشفى خاص وتقول إن تجربتها في المشفى الوطني كانت أفضل من وجهة نظرها لناحية النظافة والاهتمام.
وتشير أيضاً إلى أن بعض العادات الاجتماعية مثل “حلوان الولد” قد تؤثر أحياناً على العلاقة بين المريضة والكادر التمريضي بحسب ما تراه من خلال تجاربها. مشددةً على أن هذه الممارسات ترتبط بالعادات الاجتماعية ولا تعني بالضرورة أن تقديم المال شرط للحصول على الرعاية.

أكثر من ألف ولادة خلال ثلاثة أشهر
تشير الأرقام التي حصلت عليها درعا 24 من المشفى الوطني في في مدينة نوى، إلى تسجيل 1047 ولادة خلال أشهر حزيران وتموز وآب.
وسجل القسم خلال حزيران 228 ولادة طبيعية و106 عمليات قيصرية بإجمالي 334 ولادة.
وفي تموز سجل 245 ولادة طبيعية و113 عملية قيصرية بإجمالي 358 ولادة.
أما في آب فسجل 254 ولادة طبيعية و101 عملية قيصرية بإجمالي 355 ولادة.
وبذلك بلغ عدد الولادات الطبيعية خلال الأشهر الثلاثة 727 ولادة مقابل 320 عملية قيصرية أي نحو 69% ولادات طبيعية و31% عمليات قيصرية.

وتعذر على درعا 24 الحصول على أرقام الولادات الطبيعية والقيصريات في المشافي الخاصة في نوى خلال الفترة نفسها لذلك لا يمكن إجراء مقارنة رقمية دقيقة بين القطاعين العام والخاص من حيث أعداد الولادات ونسبة العمليات القيصرية.
أعداد النساء اللواتي يقصدن المشفى تشهد ازدياداً مستمراً
— الدكتور عقلة الحنفي
يقول رئيس المشفى الوطني في نوى د. عقلة الحنفي لـ “درعا 24” إن أعداد النساء اللواتي يقصدن المشفى تشهد ازدياداً مستمراً مشيراً إلى وصول نساء من مناطق بعيدة مثل غباغب وكفر شمس وداعل وإزرع، إضافة إلى نساء من محافظة القنيطرة.
ويضيف الحنفي أن هناك رضى كبيراً عن الخدمات المقدمة بحسب ما يلمسه المشفى مشيراً إلى أن المشكلة تظهر أحياناً عندما تفضل بعض النساء إجراء القيصرية مباشرة دون محاولة الولادة الطبيعية وهو ما يدفع بعضهن إلى التوجه للمشافي الخاصة.
اقرأ أيضاً: العقيد يسرى القطاعنة لدرعا 24: النساء شريكات في بناء سوريا المقبلة
الخوف من المشفى أم البحث عن خدمة أفضل؟
تقول د. منار العيسى وهي طبيبة نسائية إن اختيار بعض النساء للمشافي الخاصة يرتبط في كثير من الحالات بالخوف والانطباع المسبق عن المشفى الوطني أكثر من ارتباطه بتقييم طبي فعلي للخدمة.
وترى العيسى أن المرأة ستختار المكان الذي تشعر فيه بالأمان فإذا وجدت خدمة جيدة في المشفى الوطني وبكلفة أقل فمن الطبيعي أن تتجه إليه، أما إذا كانت تعتقد أن الخدمة لن تكون جيدة حتى لو كانت مجانية فقد تفضل دفع المال في مكان آخر.
وبرأيها فإن استعادة ثقة النساء بالمشفى الوطني تحتاج إلى تحسين ظروف الكادر الطبي والتمريضي ووجود الكفاءات وحضور الاختصاصيين أثناء تقييم الحالات الطارئة.
وتشير إلى أنها صادفت خلال عملها حالات كان فيها التقييم الأولي غير دقيق، ما أدى إلى تأخر التعامل مع الحالة. مؤكدة أن وجود الاختصاصي في الوقت المناسب يمكن أن يكون حاسماً في بعض الحالات.
وترى أن المشفى الوطني يمتلك تجهيزات وإمكانيات جيدة، لكن الاستفادة منها تحتاج إلى كادر مؤهل وتقييم طبي دقيق وحضور مستمر للاختصاصيين وتنظيم ضغط العمل.

القيصرية ليست دائماً الخيار الأول
داخل المشفى الوطني تُشجَّع الولادة الطبيعية ولا تُجرى العملية القيصرية إلا عند وجود استطباب طبي، بحسب الكادر الطبي وإدارة المشفى.
وتقول الدكتورة العيسى إن بعض النساء يصلن إلى المشفى وهن مقتنعات بأن القيصرية هي الخيار الأفضل لهن بناء على رأي طبيب آخر، بينما يرى الكادر في المشفى أن الحالة يمكن أن تخضع لمحاولة الولادة الطبيعية والمراقبة.
وتشير إلى أن بعض الأطباء قد يجدون القيصرية أسهل وأسرع من متابعة ولادة طبيعية تحتاج إلى ساعات من التحريض والمراقبة لكنها تؤكد أن القرار يجب أن يستند إلى الحالة الطبية وأن المرأة ينبغي أن تعرف فوائد ومخاطر كل خيار قبل اتخاذ القرار.
وتوضح أن دور الطبيب هو شرح الخيارات للمريضة وترك القرار لها ضمن ما يسمح به التقييم الطبي للحالة.
ويقول الدكتور عقلة الحنفي إن فريق المشفى يشرح للنساء فوائد الولادة الطبيعية ومخاطر القيصرية ويحاول توضيح الخيارات المتاحة أمامهن.
التعقيم وضبط العدوى
وتشير طبيبة نسائية رفضت الكشف عن اسمها إلى أن ضغط العمل وكثرة الحالات قد يجعل بعض النساء يشعرن بأن مستوى الاهتمام أقل، مما يتوقعن خصوصاً عندما تكون هناك حالات طارئة تحتاج إلى الأولوية.
فيما توضح أن إجراءات مكافحة العدوى والتعقيم في قسم النسائية والولادة شهدت تشدداً أكبر خلال الفترة الأخيرة مع تحسن توفر المستلزمات الطبية.
وتقول إن بعض المستلزمات التي كانت تعاد معالجتها أو استخدامها في فترات سابقة بسبب النقص أصبحت تستخدم لمرة واحدة متى كانت مخصصة لذلك مع وجود متابعة من فرق مكافحة العدوى.
وبحسب الطبيبة هناك جولات ومتابعة لإجراءات التعقيم ومكافحة العدوى داخل القسم. مؤكدةً أن جزءاً من الخوف من المشفى الوطني مرتبط بضعف الثقة أكثر من كونه مبنياً دائماً على تجربة مباشرة.
وتوضح د. منار العيسى أن توفر المستلزمات الطبية لا يعني وحده أن الرعاية ستكون أفضل. مشيرة إلى أن جودة الخدمة ترتبط أيضاً بطريقة استخدام هذه المستلزمات وبكفاءة الكادر والتقييم الطبي والمتابعة بعد العملية.
وتقول إن المشفى الوطني يمتلك كميات من المستلزمات المخصصة للاستخدام لمرة واحدة ومنها مستلزمات جاهزة ومعقمة.
وتضيف أن بعض المشافي الخاصة قد تلجأ نتيجة ارتفاع تكاليف المستلزمات إلى تقنين استخدامها أو إعادة تعقيم بعض الأدوات التي تسمح طبيعتها بذلك. مشيرة إلى أن المقارنة لا يمكن أن تقوم على توفر الأدوات وحده بل يجب النظر أيضاً إلى إجراءات التعقيم ومكافحة العدوى والرعاية والمتابعة.
وتؤكد أن حدوث مضاعفات بعد العمليات لا يعني بالضرورة أن سببها التعقيم وحده إذ يمكن أن ترتبط بعدة مراحل تبدأ من تقييم المريضة وإجراء العملية وتمتد إلى التعقيم والرعاية اللاحقة والمتابعة.
اقرأ أيضاً: واقع المشافي العامة في درعا: شكاوى متعددة وتكاليف عالية
خدمات مجانية وتحديات
من جهته يقول رئيس المشفى الوطني في نوى د. عقلة الحنفي إن هناك طبيباً اختصاصياً مناوباً على مدار الساعة في قسم النسائية والولادة إضافة إلى اختصاصي في عيادة النسائية خلال أيام الأسبوع باستثناء العطل.
ويضيف أن حديثي الولادة يخضعون لفحص من اختصاصي الأطفال وأن الطبيب يحضر إلى غرفة العمليات في الحالات التي تحتاج إلى ذلك. وخاصة الولادات المبكرة أو الحالات عالية الخطورة.
وبحسب الحنفي تُصرف الأدوية للأمهات والأطفال بحسب الحاجة وتتم متابعة الأم والطفل بعد الولادة. كما يقدم المشفى خدمات تنظيم الأسرة مجاناً ومنها حبوب منع الحمل واللولب والزرعة.
ويشير إلى تقديم وجبات للنساء المقيمات في القسم وإجراء عمليات نسائية أخرى إلى جانب القيصريات، مثل عمليات استئصال الأورام الليفية والرحم والأكياس.

لكن القسم يواجه في المقابل تحديات مرتبطة بضيق المساحة وقلة الأسرة حيث يضم سريرين فقط للولادة ما قد يؤدي إلى الازدحام عند ارتفاع عدد الحالات.
ويشير الحنفي كذلك إلى كثرة المرافقين داخل القسم ومحاولة بعضهم التدخل في عمل الكادر أو الضغط باتجاه إجراء القيصرية بسرعة.
وبينما تفضّل بعض النساء المشافي الخاصة بسبب شعورهن بالأمان أو رغبتهن بإجراء القيصرية مباشرة تظهر أرقام المشفى الوطني أن غالبية الولادات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة كانت طبيعية.
وبين تجربة رغد التي اختارت المشفى الخاص بحثاً عن الأمان وتجربة سعاد التي وجدت في المشفى الوطني تجربة جيدة تبقى مسألة الاختيار مرتبطة بعوامل متعددة لا يمكن حسمها من خلال تجربة واحدة.
فالخدمة المجانية وحدها لا تكفي لاستعادة الثقة كما أن دفع المال في مشفى خاص لا يعني بالضرورة الحصول على خدمة أفضل في كل حالة.
وتبقى جودة الرعاية مرتبطة بالكفاءة الطبية ودقة التشخيص وحضور الاختصاصيين والتعقيم وتوفر المستلزمات وظروف عمل الكادر والمتابعة بعد الولادة وهي عوامل تحتاج إلى تقييم يتجاوز الانطباعات الشخصية للنساء.
اقرأ أيضاً: المرأة أكثر المتضررين من سوء الواقع الصحي بدرعا






