في قاعة محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، وقف عاطف نجيب، الرئيس الأسبق لفرع الأمن السياسي في درعا، أمام القضاء بعد أكثر من 15 عاماً على أحداث ارتبط اسمه بها منذ بدايات الاحتجاجات في المحافظة عام 2011، حيث واجه تهما مرتبطة بالاعتقال والتعذيب والقتل.
وخلال جلسات الاستجواب التي بثها الاعلام الرسمي، نفى نجيب مسؤولية فرعه عن اعتقال الأطفال الذين كتبوا على جدران المدارس، ونسب اعتقالهم إلى فرع الأمن العسكري. إلا أن القاضي واجهه بشهادة أحد الضحايا، الذي كان يبلغ من العمر 16 عاماً حينها، وقال فيها إن نجيب حقق معه شخصياً وأجبر الأطفال على إعادة كتابة العبارة على الورق للتعرف على صاحب الخط.
المحاكمة التي بدأت علناً في نيسان/أبريل الماضي تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى درعا، لكنها تطرح أيضاً سؤالاً يتجاوز قضية نجيب: هل تستطيع المحاكمات ومسار العدالة الانتقالية تحويل مطالب الضحايا من الثأر والمحاسبة الفردية إلى مسار قانوني، والمساهمة بذلك في حماية السلم الأهلي ومنع إنتاج انتهاكات جديدة؟
محاكمة بعد سنوات من المطالبة بالمحاسبة
أُلقي القبض على عاطف نجيب في ريف اللاذقية في 31 كانون الثاني/يناير 2025، بعد عملية تعقب استمرت عشرة أيام، ونُقل لاحقاً إلى دمشق. وفي نيسان 2026 بدأت محاكمته العلنية أمام محكمة الجنايات الرابعة، وفق القوانين الجزائية السورية النافذة، في وقت لم يكن فيه قانون خاص بالعدالة الانتقالية قد أُقر. تم بتاريخ 11 اب / اغسطس 2026 الحكم عليه بالإعدام حضورياً لتورطه في جرائم ضد الإنسانية والقتل العمد والتعذيب المفضي إلى الموت إبان فترة توليه رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا.
وبالتزامن مع انطلاق المحاكمة، أعلنت نقابة المحامين في سوريا تشكيل لجنة قانونية متخصصة لتمثيل الضحايا وذويهم أمام المحكمة، في خطوة تتيح للمتضررين الدخول في القضية من خلال المسار القضائي.
المحامي والحقوقي السوري المعتصم بالله الكيلاني وصف، في مقابلة خاصة مع درعا 24، انعقاد محاكمة علنية بحضور المتهم ووجود ادعاءات شخصية من الضحايا بأنه انتقال من المطالبة بالعدالة إلى اختبار أدواتها فعلياً.
لكنه وضع شروطاً للحكم على نجاح التجربة، من بينها علنية الجلسات، وحق الدفاع، واستقلال المحكمة، ومشاركة الضحايا، وتنظيم الأدلة وتسبيب القرارات، مشيراً إلى أن أحد أبرز التحديات يتمثل في إجراء المحاكمة وفق قانون العقوبات السوري العادي، وليس ضمن قانون خاص بالعدالة الانتقالية.
العدالة ليست محاكمة واحدة
رغم رمزية قضية نجيب بالنسبة إلى درعا، فإن ملف الانتهاكات التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الماضية أوسع بكثير من قضية شخص واحد.
فقد شهدت المرحلة التي أعقبت سقوط النظام السابق القبض على عدد من الأشخاص المتهمين بارتكاب انتهاكات في المحافظة. ووثقت درعا 24 توقيف شخصيات أمنية وعسكرية مختلفة، بينها علاء غصاب السودي المعروف بلقب «قناص جوبر»، وشادي صمادي الذي كان قيادياً في «قوات الغيث» التابعة للفرقة الرابعة، وشادي ووسام بجبوج، وسامر أديب عمران الذي كان من مرتبات فرع الأمن العسكري في درعا.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أُلقي القبض على العميد السابق صالح عوض المقداد من بلدة غصم شرقي درعا. وقالت وزارة الداخلية حينها إن التحقيقات الأولية تشير إلى مشاركته في الحملة العسكرية التي شهدتها المحافظة عام 2018، قبل إحالته لاستكمال التحقيقات تمهيداً لعرضه على القضاء.
هذه الاعتقالات تفتح الباب أمام المحاسبة، لكنها لا تشكل بمفردها عدالة انتقالية.
يقول الحقوقي الكيلاني إن العدالة الانتقالية لا يمكن اختزالها بمحاكمة واحدة، بل تشمل إلى جانب المحاسبة كشف الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات. ويرى أن محاكمة نجيب يمكن أن تكون بداية لمسار أوسع، بشرط إدماجها ضمن إطار وطني منظم وعدم إبقائها ملفاً منفصلاً.
عائلات تريد معرفة مصير أبنائها
بالنسبة إلى عدد من العائلات في درعا، لا تبدأ العدالة من قاعة المحكمة فقط، وإنما من سؤال لم تحصل على إجابة عنه حتى الآن: أين أبناؤنا؟
قالت والدة أحد المعتقلين في سجون نظام الأسد لدرعا 24 إنها لن تعتبر أن العدالة بدأت فعلياً قبل معرفة أماكن دفن الضحايا ومن أصدر أوامر اعتقالهم وتعذيبهم.
وتضع هذه الشهادة ملف المفقودين والمختفين قسرياً في صلب القضية. فمحاكمة المسؤولين عن الانتهاكات تمثل جانباً من العدالة، بينما يمثل كشف مصير المفقودين وإتاحة المعلومات لعائلاتهم جانباً آخر لا يقل أهمية.
وتظهر تعقيدات هذا الملف في قضايا أخرى مرتبطة بأبناء المعتقلين والمغيبين قسرًا. ففي نيسان/أبريل 2026، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل توثيق 314 طفلًا أودعتهم فروع أمن النظام السابق في دور رعاية تابعة للوزارة، قبل أن تؤكد في أحدث تحديث رسمي منشور، في 10 أيار/مايو، وصول 200 طفل إلى ذويهم، بينهم 110 أطفال كانوا مودعين لدى قرى الأطفال SOS و90 في دور رعاية أخرى، فيما تواصل اللجنة المختصة تدقيق 612 حالة لأطفال أُلحقوا بعائلات أخرى للتحقق من أوضاعهم.
ولا تتضمن البيانات الرسمية المنشورة توزيعًا لهذه الحالات بحسب المحافظات، إلا أن شهادة سكينة سلامة الجباوي، من بلدة برقة في ريف درعا، توثق إحدى الحالات التي وصلت إلى الإعلام. قالت سكينة إنها اعتُقلت عام 2018 مع زوجها وابنتهما هبة، وكانت حاملاً بطفلها الثاني. وخلال احتجازها فُصلت عن هبة ونُقلت الطفلة إلى دار رعاية في دمشق. وبعد خروجها، بحثت عنها الأم بمساعدة شقيقها، وزار شقيقها عددًا من دور الرعاية، من بينها قرى الأطفال SOS، من دون أن يعثر عليها. ثم تمكنت الأم بعد خروجها من الاعتقال بعام من استعادتها.
وأضافت الأم حينها أن هبة عادت إليها وهي تعاني نوبات خوف وبكاء، وأنها لاحظت على جسدها ندوبًا. وذكرت أن ورقة عثرت عليها في ملابس ابنتها حملت اسم “دار الرحمة”، وهو ما ربط إقامة هبة بالدار. لكن مديرة الدار نفت وقوع إساءة داخلها، وقالت إن الندوب لم تكن موجودة.
فيما وثق تحقيق مستقل أجرته SOS حالة خمسة أشقاء، تراوحت أعمارهم بين حديثي الولادة وخمس سنوات، أُودعوا في رعايتها عام 2014؛ وذكر التحقيق، استنادًا إلى إفادة موظف سابق مطلع على القضية، أن والدهم كان أحد قادة المعارضة في منطقة درعا، قبل أن يُعاد لمّ شمل الأطفال بوالديهم مطلع عام 2017 في سياق عملية تبادل.
من المحاسبة إلى السلم الأهلي
لا تقتصر أهمية العدالة الانتقالية على إنصاف الضحايا، بل ترتبط أيضاً بكيفية التعامل مع إرث سنوات طويلة من الانتهاكات، ومنع تحوّل المحاسبة إلى ثأر أو اتهام جماعي.
وأكد أحد وجهاء درعا أن من أهداف تدخل الوجهاء في الصلحات المحلية حصر المسؤولية بمن ارتكب الفعل، ومنع انتقالها إلى أفراد عائلته، بما يسهم في وقف سلسلة الثأر. أما الانتهاكات الواسعة، مثل التعذيب والقتل والإخفاء القسري، فتحتاج إلى مسار قضائي يحدد المسؤولية استناداً إلى الأدلة، ويمنع محاسبة أقارب المتهم أو سكان المنطقة التي ينحدر منها.
وتتقاطع هنا الصلحات المحلية مع القضاء في الحد من الثأر، مع اختلاف دور كل منهما: فالصلحات تساعد على معالجة نزاعات محلية، فيما يتولى القضاء النظر في المسؤولية عن الجرائم والانتهاكات.
اقرأ أيضاً: من الصلح إلى مواجهة خطاب الكراهية.. كيف نحمى السلم الأهلي في درعا؟
العدالة أم الانتقام؟
تزداد حساسية هذه المسألة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن أن تتحول المطالبة بمحاسبة شخص متهم بانتهاك إلى تعميم على مجموعة اجتماعية كاملة.
وهنا يصبح خطاب الكراهية عائقاً أمام العدالة نفسها؛ لأن الانتقال من اتهام شخص بناءً على أفعال وأدلة إلى اتهام جماعة كاملة ينقل القضية من المحاسبة إلى المسؤولية الجماعية.
وفي المقابل، فإن غياب المحاسبة أو تأخرها يمكن أن يترك لدى الضحايا شعوراً بأن القانون غير قادر على إنصافهم، ما يفتح المجال أمام المطالبة بالانتقام أو اللجوء إلى وسائل خارج القضاء.
لذلك لا يقوم السلم الأهلي على مطالبة الضحايا بنسيان ما حدث، وإنما على وجود مسار يستطيعون من خلاله تقديم الأدلة والمطالبة بحقوقهم ومعرفة الحقيقة، مع توفير محاكمة عادلة للمتهمين.
وفي هذا السياق، لا يقتصر دور الإعلام المحلي على نقل أخبار المحاكمات وعمليات التوقيف، بل يمتد إلى التوثيق والتحقق ووضع الوقائع في سياقها القانوني، بما يقلل من احتمالات تحولها إلى مادة للتحريض أو التعميم. وفي درعا، تابعت شبكة درعا 24 ملفات الانتهاكات والعدالة الانتقالية عبر التوثيق المستمر، والتقارير والمقابلات مع الحقوقيين والمحامين، ومتابعة عمل المؤسسات المعنية والملفات المرتبطة بالضحايا والمفقودين، بالتوازي مع تبني خطاب يرفض الكراهية والعقاب الجماعي.
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية أكبر في بيئة تنتشر فيها المعلومات والاتهامات سريعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ يمكن للإعلام المهني، من خلال التحقق من المعلومات، وحماية الضحايا والشهود، وتجنب الأحكام المسبقة، والتمييز بين الاتهام والمسؤولية التي يثبتها القضاء، أن يتيح نقاشاً عاماً يحفظ حق الضحايا في الحقيقة والمحاسبة، من دون أن تتحول التغطية إلى محاكمة شعبية أو أداة للثأر، وبما يعزز اللجوء إلى القانون بدلاً من الانتقام.
اقرأ أيضاً: درعا بعد سقوط النظام: نحو العدالة الانتقالية ببطء 2/2
خطوات في درعا.. ولكن المسار ما يزال طويلاً
في الخامس من كانون الثاني/يناير الماضي، عقدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لقاءً حوارياً في محافظة درعا ضمن جولتها في المحافظات السورية، وقالت إنها تعمل بالتنسيق مع المحافظة لتأمين مقر لها تمهيداً لمباشرة عملها في درعا، ودعت أبناء المحافظة إلى المشاركة في المسار
وكان المحامي سليمان القرفان، رئيس فرع نقابة المحامين في درعا، قد تحدث لدرعا 24 عن العمل على افتتاح مكاتب لتوثيق الانتهاكات في قطاعات المحافظة الستة، بهدف إنشاء قاعدة بيانات تُقدم إلى هيئة العدالة الانتقالية.
ويرى القرفان أن جزءاً من المشكلة يتعلق بفهم معنى العدالة الانتقالية نفسها، إذ يختزلها كثيرون بالمحاسبة، بينما تشمل أيضاً جبر الضرر وتخليد ذكرى الضحايا ورد الحقوق، إضافة إلى ملفات المعتقلين والمختفين قسرياً واستعادة الممتلكات.
اقرأ أيضاً: العدالة الانتقالية لها أركان، فهل تتحقق في سوريا؟
هل يستطيع القضاء التعامل مع هذا الإرث؟
حجم الملفات التي خلفتها سنوات الحرب يضع القضاء أمام تحديات مختلفة عن القضايا الجنائية التقليدية، من حيث عدد الضحايا والمتهمين وطبيعة الأدلة والوثائق ومرور سنوات طويلة على بعض الجرائم.
ويرى الكيلاني أن قدرة القضاء على التعامل معها لا تتعلق بوجود المحاكم والقضاة فقط، بل باستقلال القضاء والخبرة الفنية اللازمة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة.
ويقترح إنشاء دوائر أو غرف قضائية متخصصة، وتدريب القضاة وأعضاء النيابة والمحامين، وتوفير حماية للشهود والضحايا، وتطوير آليات التعامل مع الأدلة الرقمية والوثائقية والطبية.
وهذه الضمانات لا تخدم الضحايا وحدهم، بل تحمي المتهم أيضاً؛ فالعدالة التي تقوم على الأدلة وحق الدفاع والمحاكمة العادلة تختلف عن العقوبة التي تستند إلى الاتهام أو الانتماء أو ضغط الرأي العام.
اقرأ أيضاً: العدالة الانتقالية طريق السوريين الطويل، هل يمكن إعادة الإعمار دونها؟ 1/2
القانون كبديل عن دورة الثأر
بعد سنوات طويلة من الانتهاكات، لا يمكن اختزال العدالة بالنسبة لأهالي درعا في القبض على عدد من المتهمين، كما لا يمكن الوصول إلى السلم الأهلي بتجاوز حقوق الضحايا أو مطالبتهم بإغلاق ملفاتهم.
التحدي هو الجمع بين الاثنين: محاسبة من تثبت مسؤوليته، وكشف مصير المفقودين، وجبر الضرر، وإعادة الحقوق، وفي الوقت نفسه منع العقاب الجماعي والانتقام من أشخاص بسبب صلاتهم العائلية أو المناطقية بمرتكبي الانتهاكات.
وتقدم محاكمة عاطف نجيب اختباراً مبكراً لهذا المسار. فإذا تحولت من قضية رمزية إلى محاكمة تستند إلى الأدلة وتتيح للضحايا المطالبة بحقوقهم وتحفظ للمتهم ضمانات المحاكمة العادلة، يمكن أن تؤسس لقضايا أخرى.
أما الاختبار الأكبر، فهو ألا تبقى العدالة مرتبطة بعدد محدود من الأسماء والقضايا، وأن يشعر الضحايا بأن القانون قادر على الوصول إلى المسؤول عن الانتهاك مهما كان موقعه، وأن المحاسبة تستهدف من ارتكب الجريمة، لا العائلة أو المنطقة أو الجماعة التي ينتمي إليها.
فكلما اتسعت مساحة العدالة، ضاقت مساحة الثأر
اقرأ أيضاً: مقاطع مسرّبة تُظهر انتهاكات جسيمة… وقيصر: “العدالة ليست خياراً بل حق”






