الدكتور محمد العيسى

حصل الشاب “محمد أحمد العيسى” من مدينة بصرى الشام في الريف الشرقي من محافظة درعا، على شهادة الدكتوراه في الفيزياء الطبية، من جامعة ماربورغ في ألمانيا، في مجال علاج السرطان الإشعاعي، قبل أيام قليلة. ونشر خلال ذلك عدّة ابحاث في مجلّات علمية محكّمة، وشارك في العديد من المؤتمرات في دول مختلفة، قدّم خلالها نتائج أبحاثه ودراساته. 

تحدثتْ شبكة درعا 24 إلى الشاب “محمد العيسى” للوقوف على بعض المحطّات من مسيرته الحياتية والعلمية، ولا سيما نشأته في مسقط رأسه، ثم دراسته الجامعية والعليا، وحياته بعد العام 2011، واعتقاله، ثم اضطراره إلى مغادرة البلاد، إلى أن وصل إلى ألمانيا، والصعوبات التي واجهها هناك، كما حدثنا أيضاً حول أهدافه وطموحاته وأبحاثه العلمية.

إلقاء خاص لـ درعا 24 مع الطبيب النفسي خالد الحصان

الأمل في التغيير 

نشأ محمد العيسى في منزل يصفه بأنه يشبه غالبية المنازل في حوران، حيث أن الأولوية فيه دائماً هي الالتزام بمبادئ الدين السمحة، والعلم والتعليم. والده الأستاذ “أحمد العيسى” مُدرّس منذ بداية السبعينيات، وكان لذلك حافزاً وأثراً كبيراً في حياة الشاب. يقول: “لم يكن ضمن مخططاتي أن أكون طبيباً أو مهندساً، كما كان طموح معظم الأطفال، كنت أبحث عن اختصاص أحبّه، واستمتع بدراسته”. 

شارك في مرحلة مبكرة من عمره، بدورة بمجال فيزياء الفضاء والفلك، ووجد نفسه في هذا المجال، ويُرجع الفضل كذلك لأحد أساتذته في هذا المجال الأستاذ “أحمد بكر الحسين” من مدينة الشيخ مسكين، الذي يُعد من مؤسسي الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك والجمعية الكونية السورية، حيث عمل على تطوير “العيسى” علمياً في هذا المجال، وكان هذا السبب في اختياره لدراسة الفيزياء في جامعة دمشق.

بدأ دراسة الماجستير بعد الجامعة ضمن اختصاص الوقاية الإشعاعية، وهو ماجستير مشترك بين هيئة الطاقة الذرية وجامعة دمشق. وفي العام 2011 كان في السنة الثانية من الماجستير، وهي سنة الأطروحة، ونجح في مسابقة هيئة الطاقة الذرية، وبدأ بالعمل بالجانب التحضيري لرسالة الماجستير.

 يقول: “صبرت حتى أنهيت الماجستير بعد عام تقريباً، ومع ذلك كان خياري واضحاً بأن الثورة السورية لها الأولوية على الأهداف الشخصية، وكان لدي ككل الأحرار الأمل أن يتغير الوضع ونستطيع بناء سورية لنا وليست سورية العبيد”.

بعد أن أنهى “العيسى”:دراسة الماجستير بقي في مدينته بصرى الشام، وحاول تقديم المساعدات في تنظيم بعض الأمور المدنية، مع مجموعة من المتطوعين، يشرح: “في ذلك الوقت كان التحدي كبير والإمكانات بسيطة، لكن الأمل بالتغيير كان كبيراً“.

الاعلان عن مقابلة العيسى
من مقابلة الدكتور محمد العيسى

إقرأ أيضاً: الكابتن “وليد أبو السل” في لقاء خاصّ مع شبكة درعا 24: “كرة القدم وصلتْ اليوم إلى الحضيض”

“من نجا من الاعتقال سينجو من أي ظروف صعبة” 

في تلك المرحلة أثناء تواجد “محمد العيسى” في بصرى الشام، تم اعتقاله، ويوضح بأن السبب في ذلك كان “عنصرياً بحتاً” وضمن مخطط لتغيير ديمغرافي في مدينة بصرى الشام حينها، حيث كان يتم التضييق على الشباب وإخراجهم من المدينة، واحتلال المنازل والسيطرة عليها. ويؤكد الشاب بأن من قام باعتقاله هم عناصر من حزب الله اللبناني، ثم تم نقله للأمن العسكري في بصرى الشام، وبعدها الى الأمن العسكري في مدينة السويداء: “كل من رأيتهم في ذلك السجن كانوا من محافظة درعا، عدا بضعة شباب كانوا من مناطق متفرقة”.

يعتبر الشاب أن أيام اعتقاله كانت من أسوأ ما يكون في حياته، من الناحية النفسية والجسدية، ورؤية معاناة من حوله، وخصوصاً من كان لهم مدة طويلة في الاعتقال، حيث تم نقله بعد السويداء إلى فرع الأمن العسكري في كفرسوسة من ثم القابون وبعدها تم تحويله لسجن عدرا وإطلاق سراحه منه.

 كان للاعتقال حافز كبير في نفس الشاب، حيث يرى خروجه من هذه التجربة سليماً يستحق الحمد: “من نجا من الاعتقال سينجو من أي ظروف صعبة في حياته مهما كانت”، وعلى الرغم من ذلك فإنه يترك نوع من التأثر الدائم في النفس. 

ظل “العيسى” بعد الإفراج عنه لمدة ثلاثة أشهر في بصرى الشام، لكنّه لم يستطع خلالها العودة لمنزله، فكان الفيزيائي الحامل للماجستير حينها، تحت تهديد ميليشيا حزب الله اللبناني، فقرر الخروج إلى الأردن، ثمّ قّدم على فيزا دراسية، وخلال أربعة أشهر تقريباً، حصل على الموافقة وسافر إلى ألمانيا.

صعوبات واستمتاع بالعمل

تعدّ اللغة أولى الصعوبات التي تواجه الشباب السوري وغيرهم من المهاجرين العرب لدى وصولهم إلى الدول الأوروبية، بما في ذلك اللغة الألمانية التي يخبرنا “محمد العيسى” بأنها صعبة، وتحتاج لصبر، كما يلعب دوراً كبيراً في تعلّمها، العمر الذي يبدأ الإنسان فيه  في تعلّم اللغة. يؤكد أنه بذل كل جهده ووصل إلى المستوى الأخير، المطلوب للدراسة بالجامعة، وكان ذلك خلال سنة واحدة فقط.

كذلك من الصعوبات الأخرى التي واجهها أن النظام التعليمي في ألمانيا مختلف عن سورية، فالجانب العملي في ألمانيا أكبر، وسرعة العمل مختلفة، والإمكانات المتوفرة لا تقارن ابداً، وأي بحث أو عمل سيتم تقييمه عالمياً، وإذا لم يكن يقدم إضافة حتى على الجانب الاقتصادي والتطويري فلن يتم ولن يُمول، يشرح: “لهذا إيجابية كبيرة، وهي دمج الجانب الأكاديمي بالتطور الاقتصادي، وفي مجال الصناعة”.

عمل “محمد العيسى” لتجاوز صعوبات اللغة واختلاف نظام التعليم والاختصاص على مضاعفة الجهود، حيث الحل بدا له واضحاً: “لو أن الألماني أو من درس من البداية هنا، يحتاج أن يعمل 8 ساعات في اليوم، علي أن أعمل 12 ساعة في اليوم، وكذلك في أيام العطلة حتى أُقلل الفجوة بيني وبينهم، وبالفعل نجحت هذه الخطة”.

يتابع حول الأشياء التي ساعدته على تجاوز الصعوبات: “كنت أحاول الاستمتاع بعملي، وكان تواصلي مع بروفيسوري المشرف تواصلا رائعا، وهو معروف بصلابته وشدته من الجانب الأكاديمي، لكنه يحترم الاجتهاد فكان داعماً لي بشكل كبير، وله فضل كبير في تطوري وتعليمي”.

إقرأ أيضاً: مقابلة مع رئيس تحرير شبكة درعا 24

أبحاث علمية وتطلعات

كان موضوع البحث الذي عمل عليه “محمد العيسى” هو دراسة الجرعات الإشعاعية، والتعمق في هذا المجال من أجل جهاز جديد، يجمع بين جهاز المسرع الخطي وجهاز الرنين المغناطيسي، وبالتالي مشاهدة الورم مباشرةً، أثناء التشعيع، “ويعتبر هذا ثورة في علاج الأورام المتحركة، بسبب الحركات الفيزيولوجية في الجسم مثل علاج أورام الرئة، والتي تتحرك عند التنفس أثناء تشعيع المريض”، وفق تعبيره خلال المقابلة.

من ابحاث الدكتور محمد العيسى

نشر خلال مشواره العلمي ستة أبحاث علمية، منها أربعة كان فيها كباحث رئيسي. يشرح: “في اختصاصنا نشر الأبحاث، ليس بالموضوع السهل، فالدكتوراه تتطلب نشر بحث إلى بحثين، وأنا نشرت 6 ولا زال لدي ثلاثة قيد العمل، والأبحاث المنشورة بالاشتراك مع المركز الوطني الكندي للقياسات وهو من الأوائل في العالم بالاختصاص، وكذلك مع المركز الوطني الألماني للقياسات، والسبب في هذه الشراكات أن نتائج أبحاث العيسى  كانت ضرورية حيث تم اعتمادها في البروتوكولات الدولية لقياس الجرعات الإشعاعية في مجال علاج السرطان.

 شارك “العيسى” بعدد كبير من المؤتمرات في دول مختلفة، وقدم نتائج بحثه خلالها، وكانت تعتبر خبرة جديدة في الدول العربية، وقد عمل أيضاً في مشفى – بالإضافة للدكتوراه – حتى يحصل على شهادة الاختصاص كفيزيائي طبي: “هذا اتجاه مختلف وعادة يختار الطالب إما الدكتوراه أو الاختصاص أو يؤجل واحدة على حساب الأخرى، لكني عملت عليهما بنفس الوقت، وكان ذلك صعباً جداً”.

يسعى ابن مدينة بصرى الشام اليوم على المستوى المهني إلى تطوير قدراته العملية في مجال اختصاصه، والتعامل مع الأجهزة بشكل مباشر وعملي، والاستمرار بأبحاث أخرى، وتقديم أشياء أخرى يمكن من خلالها تقديم شيء يخفف من آلام المرضى.

 أما في سوريا فالعمل على هذه الأبحاث وتطويرها غير متاح، فهو يحتاج لإمكانيات كبيرة غير متوفرة، لكنه يأمل أن يستطيع تقديم شيء بمجال توفير الأجهزة، والعمل عليها، مما يخفف معاناة المرضى وأهلهم بشكل مباشر، لكنه يؤكد صعوبة ذلك في الوضع الحالي. 

ختم محمد العيسى الذي يتسم بلباقة الحديث والأخلاق العالية  المقابلة، بتقديم الشكر قائلاً: “أشكر عائلتي جميعاً، فهم سندي الدائم، وما وصلت له كله بفضلهم، بعد فضل الله سبحانه وتعالى، كما أشكر زوجتي على مساندتها لي واقدر صبرها وتفهمها على نوعية عملي، الذي يأخذ وقت كبير من حياتي، وشكراً لأهل حوران أهلي وعزوتي”.

مقابلة محمد العيسى مع تلفزيون سوريا

رابط المقابلة: https://daraa24.org/?p=40864

Similar Posts