في ظل تزايد معدلات الفقر والبطالة، تعيش كثير من النساء ظروفاً ماديةً واجتماعيةً صعبةً، وطفا على السطح مشهد النساء العاملات المعيلات خلال الأعوام القليلة الماضية، خاصّةً في حالة وفاة المعيل أو الانفصال عنه، مما دفع بالكثير من النساء للبحث عن مصدر رزقٍ، بهدف الإنفاق على الأسرة، في مجتمع يعاني من ويلات الفقر والحرمان.

وقد أصبحت ظاهرة المرأة العاملة ظاهرة منتشرة في جميع أنحاء محافظة درعا، ويعود ذلك بشكل كبير الى ارتفاع نسب الأرامل والمطلقات خلال العشر سنوات الماضية، إضافةً إلى الظروف الاقتصادية السيئة التي تمر بها البلاد.

مصطلح المعيلة يُشير إلى تلك المرأة فقدت الزوج والأب والاخ والسند، ووجدت نفسها بمفردها في مواجهة الحياة وقسوتها ومرارتها وآلامها، تلك الحياة التي فرضت عليها أن تقوم بدور الأم والأب معاً، وتكرّس وقتها للبحث عن المال، لتسد به رمق أبنائها، وتصارع من اجل البقاء وتتخبط بين أزمات مادية خانقة وصعوبات اجتماعية سيئة، لتتحمل مسؤولية توفير المسكن والمأكل والملبس والعلاج والمصاريف الدراسية لأبنائها، مما يجعلها تركض وراء أي فرصة عمل، حتى وان كانت غير مناسبة ولكن الحاجة تضطرها لذلك.

 لم تيأس أم أحمد (35 عاماً) جراء الأوضاع الاقتصادية السيئة بل أخذت على عاتقها مسؤولية إعالة أسرتها المكونة من أربعة أطفال منذ 6 سنوات، بعد أن أصبحت وعائلتها بدون معيل، فهي تعمل جاهدة لتأمين لقمة عيشها بقدر خوفها ‏على أبنائها من الجوع، لهذا اتجهت إلى بيع الملابس، حيث تواصلت مع العديد من تجار الجملة، بدون أي تردد وتمكنت من ‏تأمين مبلغ بسيط، بدأت به عملها واستطاعت شراء الملابس وبيعها، وتأسيس عملها الخاص بها.

 ‏وعلى الرغم من انتشار فيروس كورونا إلا أنها لم تأبه بذلك، إذ عملت على انشاء مجموعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك لبيع المنتجات ‏وتسويقها، وقالت في حديثها مع مراسلة درعا 24 بأنها تحقق أرباح جيدة من بيع الملابس، وقد أصبح لها زبائن يتعاملون معها، وأنها سعيدة جداً بذلك ‏العمل، لأنها تمكنت من تأمين كافة احتياجاتها دون طلب المساعدة من أي شخص، وأشارت إلى أنها ترغب بتنمية مجال عملها وتطويره وتطمح بفتح محل خاص بها .

إقرأ أيضًا: المرأة السورية تحديات وصعوبات .. وإرادة لا تُكسر

 ‏تتعرض المرأة المعيلة للعديد من المشاكل التي لا تتناسب مع ظروفها المعيشية، وفيما تتكبد تلك النساء معاناة مستمرة ‏تحملهن النظرة الاجتماعية السلبية عبئاً إضافيا ثقيلاً، نتيجة الثقافة الاجتماعية السائدة وصعوبة حصولها على احتياجاتها ‏الأساسية، وتهميش دورها في الأسرة والمجتمع، إضافةً إلى عدم وجود دورات تدريبية لرفع مهاراتها وربطها بسوق ‏العمل.

 ‏تقول (م، د 40 عاماً) ‏بنبرة حزينة، “كنا نعيش حياة سعيدة مستورة، حين كان يعمل زوجي سائق سيارة إلى أن ‏أصيب يوماً بالحرب خلال السنوات الماضية، وبترت قدمه، وقعد عن العمل، ولم يكن لدي مدخرات مادية أنفق منها على ‏أبنائي، شعرت بالانكسار واليأس وخاصة أنني لا املك شهادة ولا اجيد أي من المهن، ثم بدأت افكر بالبحث عن عمل، لذلك ‏قررت أن أعمل في تنظيف المنازل والشقق السكنية، لقد كان الامر في البداية صعباً للغاية، وتخوفت من (القال والقيل)، ‏ولكني قررت اخيراً أن أسد أذني تماماً وأن التفت إلى عملي الذي يُدرُّ علي دخلاً جيداً، تمكنت من خلاله سداد كافة ديوني ‏وتأمين متطلبات أسرتي، وتأمين العلاج اللازم لزوجي دون الحاجة لأحد.

إقرأ أيضًا: المرأة الحورانية بين آثار الحرب والحالة المعيشية القاسية

 ‏تحدثت مراسلة درعا 24 إلى إحدى الاخصائيات الاجتماعية، التي قالت، بأن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الاسرة هي السبب الرئيس في ارتفاع نسب ‏الأسر التي تعيلها نساء خلال الأعوام القليلة الماضية، فالأسرة اليوم لا يكفيها معيل واحد، لذلك أصبحت مشاركة المرأة في ‏العمل حاجة ملحة وأساسية، إضافة إلى فقدان المعيل نتيجة الحرب التي عانت منها البلاد مدة عشر سنوات، وإن مشاركة ‏المرأة في العمل ساعد على تحسين مستوى معيشة الأسر، وتمكين أبنائها وبناتها من التعليم في الجامعات والمدارس.

‏وأضافت بأن ‏الضغوط الاقتصادية والالتزامات المادية، التي تحتاجها الأسرة هو ما دفع المرأة لاقتحام سوق العمل وامتهان العديد ‏من المهن منها بائعات خضار وعاملات نظافة، من أجل تأمين احتياجات الاسرة والتزاماتها المادية، فالمرأة لم تقف ‏مكتوفة الأيدي إزاء الأوضاع الاقتصادية المتردية، التي تحيط بأسرتها بل قاومت كل التحديات وقساوة الحياة فهي أكثر ‏قوة وقدرة على العمل الشاق، حين يكون لديها رسالة وهدف يتعلق بأبنائها، لذلك فهي تستحق من الجميع كل التحية والتقدير.

 ‏وختمت: “على الرغم من أن عمل النساء المعيلات يشكل عاملاً حاسماً في بقاء الملايين من الأسر على قيد الحياة إلا أنهن ‏يتعرضن للعديد من الانتقادات والصعوبات في سبيل الحصول على وظائف، دون أن يتوفر لهن الحد الأدنى من الحقوق القانونية”.

إقرأ أيضًا: زواج القاصرات: فتيات كبش فداء لأسرهن في ظل سوء الأوضاع وغياب المُعيل

إقرأ أيضًا: المرأة في درعا، انتهاك حقوقها، وقتلها في حالة الغضب!

https://daraa24.org/?p=16819

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.