دراسة بلا كتب: أزمة المقررات المدرسية ترهق أهالي مدينة نوى غربي درعا

طالب يكتب وظائفه - مدبنة نوى غربي درعا - تشرين الأول 2026
طالب يكتب وظائفه - مدبنة نوى غربي درعا - تشرين الأول 2026

في أحد الصفوف المدرسية بمدينة نوى في ريف درعا الغربي، يتشارك أربعة طلاب مقعداً خشبياً واحداً، ويحاولون متابعة صفحات الكتاب المدرسي الذي يحمله أحد زملائهم. يتابعون الشرح والأسئلة والتمارين من نسخة واحدة في محاولة لمواكبة الدرس رغم عدم امتلاكهم الكتب اللازمة.

ولا تنتهي المشكلة عند الخروج من باب المدرسة، إذ يضطر بعض الطلاب إلى التواصل مساءً مع زملائهم عبر الهواتف لمعرفة الدروس المطلوبة والواجبات المنزلية، في وقت يقترب فيه موعد المذاكرات بعد مرور شهر على بداية العام الدراسي 2026–2027، من دون أن يتمكنوا من الحصول على جميع الكتب المقررة.

وتواجه عائلات في مدينة نوى ومعظم مدن وبلدات محافظة درعا، صعوبة في تأمين الكتب المدرسية الناقصة بين البحث عنها في المكتبات والمحال التجارية، أو اللجوء إلى طباعتها على نفقتها الخاصة رغم ارتفاع تكاليفها مقارنة بقدرة كثير من الأسر على الدفع.

طالب يراسل عبر وتساب للدراسة وكتابة الوظائف - مدبنة نوى غربي درعا - تشرين الأول 2026
طالب يراسل عبر وتساب للدراسة وكتابة الوظائف – مدينة نوى غربي درعا – تشرين الأول 2026

شهر من البحث عن الكتب

يقول مروان لـ “درعا 24” إنه أمضى شهراً كاملاً في البحث عن الكتب الناقصة لابنه في الصف السابع وابنته في الصف الثامن من دون أن يتمكن من تأمينها رغم مراجعته المدرسة أكثر من عشر مرات.

ويوضح أن النقص يشمل كتب التاريخ والعلوم العامة إضافة إلى التربية الإسلامية، مشيراً إلى أن إدارة المدرسة أبلغته بأن الكتب غير متوفرة على مستوى المحافظة وأنها تتابع الأمر مع المجمع التربوي ومديرية التربية من دون وصول الكميات المطلوبة حتى الآن.

ويضيف هذا الأب أنه بحث عن الكتب في المكتبات بمدينة نوى ودرعا، قبل أن تنصحه إدارة المدرسة بالتوجه إلى دمشق والبحث عنها في إحدى المكتبات قرب باب مصلى، لكنه يخشى أن يتحمل تكاليف السفر من دون أن يجد الكتب التي يحتاج إليها أطفاله.

يتساءل: “إذا سافرت إلى دمشق ورجعت من دون شراء الكتب، فمن يتحمل تكاليف النقل والذهاب والإياب على كاهل عامل مثلي؟ وإن أردت طباعتها في مطبعة خاصة، فالتكلفة تصل إلى 400 ألف ليرة سورية قديمة (4 آلاف ليرة سورية جديدة). وتتجاوز ذلك، وهو مبلغ يعجز دخلي عن تأمينه”.

ويتابع مروان: “مضى شهر كامل والأولاد بلا كتب.. كيف يدرس الطالب للامتحان؟ وهل سيراعي المعلمون أن الطفل قضى كل هذه الفترة بلا مرجع؟”، مطالباً الجهات المعنية بالإسراع في تأمين الكتب وتوزيعها على الطلاب، حتى لو كانت نسخاً مستعملة، بما يتيح لهم متابعة دراستهم والاستعداد للمذاكرات من دون تحميل أسرهم أعباء مالية إضافية.

اقرأ تقريراً: مع بدء العام الدراسي.. كم تكلّف العودة إلى المدرسة أسرةً في درعا؟

مديرة مدرسة: نقص الكتب مستمر منذ العام الماضي

وخلال زيارة مراسل درعا 24 لإحدى المدارس في مدينة نوى، أكدت المديرة (فضلتْ عدم الكشف عن اسمها) أن طلاب الصف الخامس الابتدائي لم يتسلموا أي كتب مدرسية جديدة هذا العام. وأوضحت أن الطالب المجتهد يستطيع متابعة الدرس حتى في غياب الكتاب، من خلال الانتباه إلى شرح المعلم منذ بداية الحصة وتدوين المعلومات في دفتره ليتمكن من مراجعتها في المنزل، لافتةً إلى أن المدرسة تراعي ظروف الطلاب عبر عدم معقابة أو توبيخ مَن لا ينجز واجبه المدرسي بسبب عدم توفر المقرر.

إدارة مدرسة في مدينة نوى غربي درعا - تشرين الأول 2026
إدارة مدرسة في مدينة نوى غربي درعا – تشرين الأول 2026

وبينت المديرة أن تزويد المدارس بالكتب يجري على مراحل من مستودع الكتب في نوى، مشيرةً إلى أن عملية التوزيع خلال العام الماضي استمرت حتى شهر كانون الأول، أي إلى منتصف العام الدراسي تقريباً.

وأكدت أن النقص الحالي يشبه إلى حد كبير ما شهدته المدارس خلال العام الماضي، إلا أن المشكلة ازدادت هذا العام مع ارتفاع أعداد الطلاب بنسبة لا تقل عن 20%، بحسب تقديرها، ما يزيد الضغط على الكميات المتوفرة ويصعّب تأمين الكتب لجميع الطلاب.

المطابع الخاصة.. بديل مكلف

وفي ظل استمرار هذا النقص يلجأ بعض الأهالي إلى المطابع الخاصة، لكن ارتفاع تكاليف الطباعة يحول دون قدرة كثير من العائلات على ذلك. يبيّن أبو علاء، صاحب مطبعة في مدينة نوى، أن تكلفة طباعة الكتاب المدرسي الواحد تتراوح بين 25 و40 ألف ليرة سورية قديمة (بين 250 و400 ليرة سورية جديدة)، مشيراً إلى أن بعض الأهالي يراجعونه للاستفسار عن الأسعار لكنهم يتراجعون عن الطباعة بسبب التكلفة ويفضلون الانتظار.

مطبعة في مدينة نوى غربي درعا - تشرين الأول 2026
مطبعة في مدينة نوى غربي درعا – تشرين الأول 2026

ويضيف أن بعض الأهالي لا يستطيعون تحمّل التكاليف ما يدفعه أحياناً إلى توفيرها بسعر التكلفة مراعاةً لظروفهم، ناقلاً عن أحد الآباء الذين قصدوا المطبعة لطباعة الكتب أنه يفكر في إخراج أبنائه الخمسة من المدارس لتوفير نفقات تعليم ابنه الجامعي في ظل عجزه عن تحمل تكاليفهم جميعاً.

ويلفت أبو علاء إلى أن المعاناة قد تتكرر خلال الفصل الدراسي الثاني للمقررات المجزأة، ما قد يضطر الأهالي لدفع تكاليف جديدة، معتبراً أن تكرار النقص المتداول منذ العام الماضي يشير إلى عدم طباعة كميات جديدة كافية، رغم غياب المعلومات الرسمية.

مطبعة في مدينة نوى غربي درعا - تشرين الأول 2026
مطبعة في مدينة نوى غربي درعا – تشرين الأول 2026

مسؤول في المجمع التربوي: ننتظر الوزارة

من جهته، أقرّ مسؤول في المجمع التربوي بنوى بوجود نقص في الكتب المدرسية، موضحاً أن الكميات التي وصلت لا تكفي لتوزيعها على جميع الطلاب. ويؤكد أن المجمع ومديرية التربية لا يتوليان طباعة الكتب ولا علاقة لهما بذلك، عكس ما يعتقده بعض الأهالي.

فيما أوضح أن الجهات المعنية بانتظار إرسال الكميات المطلوبة من وزارة التربية لتوزيعها على نحو 45 مدرسة في نوى، حيث يختلف النقص من مدرسة لأخرى تبعاً للكميات المتبقية من العام الماضي.

مستودع الكتب في مدينة نوى غربي درعا - تشرين الأول 2026
مستودع الكتب في مدينة نوى غربي درعا – تشرين الأول 2026

وزارة التربية: لا توضيحات حالياً

وعند التواصل مع دائرة الإعلام في مديرية التربية للحصول على توضيحات بشأن أسباب النقص والموعد المتوقع لحله، طُلب إرسال الأسئلة للموافقة عليها، إلا أنه لم يتم الرد حتّى لحظة نشر التقرير.

تستمر أزمة نقص الكتب المدرسية في زيادة معاناة أهالي مدينة نوى، لتضع العملية التعليمية برمتها أمام امتحان صعب يُلقي بظلاله على تحصيل الطلاب مع اقتراب موعد المذاكرات والامتحانات. وبين الارتفاع في تكاليف الطباعة الخاصة والعجز عن إيجاد نسخ مستعملة أو التكفل بأعباء التنقل بين المحافظات، يجد الطالب نفسه محروماً من أبسط حقوقه التعليمية، فيما يواجه أولياء الأمور ضغوطاً مادية ونفسية غير مسبوقة. وبينما تغيب الحلول الفورية والردود الرسمية الواضحة من وزارة التربية، تظل آمال الأهالي معلقة على استجابة تنقذ العام الدراسي وتضمن وصول الكتاب لكل طالب قبل فوات الأوان.

اقرأ أيضاً: عمالة الأطفال في درعا: كيف تسرق لقمة العيش مقاعد الدراسة؟

موضوعات ذات صلة