عمالة الأطفال في درعا: مع ساعات الصباح الأولى في بلدة جلين، غربي محافظة درعا، يمرّ طلاب يحملون حقائبهم المدرسية أمام محل صغير لإصلاح الدراجات النارية والهوائية. خلف باب المحل، يقف عبد الرزاق، طفل لم يتجاوز الثالثة عشرة، وقد غطّت آثار الزيت يديه الصغيرتين، بينما ينحني لفكّ إطار دراجة نارية وصلت للتوّ إلى الورشة.
لم يعد عبد الرزاق، منذ نحو سنوات، واحداً من أولئك الأطفال الذين يعبرون الشارع نحو المدرسة كل صباح.
يقول مبتسماً لمراسل درعا 24: “تركت المدرسة من الصف الرابع”.
في جنوب سوريا، كما في كثير من المناطق التي أنهكتها الحرب والأزمات الاقتصادية المتتالية، بات مشهد الأطفال العاملين أكثر حضوراً. ففي البساتين الزراعية، ومحال تصليح السيارات والدراجات، وعلى البسطات الصغيرة المنتشرة في مدن وبلدات درعا، يعمل عشرات الأطفال لساعات طويلة مقابل دخل يومي يساعد عائلاتهم على البقاء.
عمالة الأطفال.. من المدرسة إلى الورشة
لم يكن قرار ترك المدرسة بالنسبة لعبد الرزاق خياراً شخصياً بقدر ما كان استجابة لواقع اقتصادي خانق تعيشه أسر سورية كثيرة، مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة.
يقول والده، وهو يراقب ابنه أثناء العمل: “لم يعد طفلاً، أصبح شاباً ويساعد في العمل، ويتعلّم مصلحة أفضل من الدراسة”. ثم يضيف بنبرة يختلط فيها التبرير بالحسرة: “كنت أتمنى أن يُكمل على الأقل المرحلة الابتدائية، لكن ظروف الحياة صعبة، وتشغيله أفضل من دفع أجرة عامل في المحل”.
ويرى معلمون في المحافظة أن هذا التحول من “تلميذ” إلى “عامل” أصبح جزءاً من المشهد اليومي. يقول أحدهم: “من الصعب أن ترى طفلاً كان يجلس في الصف يحمل اليوم أكياس خضار ثقيلة أو يفكك محرّك سيارة”. ويضيف أن ما يجنيه هؤلاء الأطفال من ليرات قليلة يومياً بات يشكّل بالنسبة لبعض العائلات مورداً أساسياً لتأمين الخبز والحاجات الأساسية.
ما يزال 90 % من السوريين تحت خط الفقر، بحسب تقريرات أممية، ويرجع تفاقم ظاهرة التسرب المدرسي في درعا إلى هذا الانهيار الاقتصادي، الذي دفع كثيراً من الأسر إلى إشراك أطفالها في سوق العمل كوسيلة للبقاء، في ظل غياب مصادر دخل مستقرة.
التسرّب يبدأ مبكراً
ورغم أن نسب الالتحاق بالتعليم الابتدائي في سوريا كانت مرتفعة قبل عام 2011، يؤكد عاملون في القطاع التربوي أن سنوات الحرب غيّرت هذا الواقع، خصوصاً في المناطق التي شهدت مواجهات ونزوحاً واسعاً.
وفي درعا، يبدأ التسرّب غالباً مع الانتقال إلى المرحلة الإعدادية، حين يصبح الضغط الاقتصادي على الأسرة أكبر، لكن الظاهرة باتت تمتد أيضاً إلى أطفال يتركون التعليم قبل إنهاء المرحلة الابتدائية، كما حدث مع عبد الرزاق.
تواصلت درعا 24 مع مديرية التربية والتعليم في محافظة درعا للحصول على إحصائيات حول أعداد الأطفال خارج المدارس، إضافة إلى البرامج التي تعمل عليها المديرية للحد من التسرّب المدرسي، إلا أن مدير التربية اعتذر عن الإدلاء بتصريحات.
اقرأ أيضاً: اليوم العالمي لوقف عمالة الأطفال، نحو حماية حقوق الطفولة وتوفير مستقبل أفضل له
مدارس متعبة وبيئة طاردة
في كثير من مدارس المحافظة، يواجه الطلاب مشاكل كثيرة وقد تلقت درعا 24 سابقاً العديد من الشكاوى حول ذلك ونشرت عنها عدّة مرات، من الاكتظاظ داخل الصفوف، والنقص في التدفئة خلال الشتاء، وغياب جزئي وأحياناً كلّيّ للكتب المدرسية، إضافة إلى نقص الكوادر التعليمية، ما يجعل المدرسة، وفق وصف عدد من الأهالي، “بيئة طاردة أكثر منها جاذبة”.
ويبلغ عدد المدارس في محافظة درعا نحو 960 مدرسة، بينها 11 مدرسة مدمّرة بالكامل، و76 مدرسة تحتاج إلى ترميم إنشائي جزئي، إضافة إلى 430 مدرسة تحتاج إلى أعمال صيانة متوسطة أو بسيطة.
وقال حمزة حورية، مدير المكتب الإعلامي في وزارة التربية، لوكالة سانا، إن توفير “بيئة تعليمية آمنة وصالحة لاستقطاب الطلاب” يُعد من أولويات الوزارة خلال المرحلة الحالية.
فيما تم ترميم المزيد من المدارس بعد هذا الإعلان، وفقاً لما نشرته صفحة “أبشري حوران” وهي حملة محلية عملت على جمع التبرعات لصالح الصحة والتعليم والمياه، ولكن لا يُعرف بدقة العدد النهائي للمدارس التي ترميمها حتى اليوم.
كثير من العائلات في درعا تقول إن التحسن الذي أعقب سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، لا يزال محدود الأثر على حياتها اليومية، ولم ينعكس بما يكفي على قدرتها على إعادة أطفالها إلى المدارس.
اقرأ أيضاً: عمالة الأطفال ظاهرة يضاعفها الفقر
ملايين الأطفال خارج التعليم
وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في تقرير نشرته مطلع العام الدراسي الحالي، إن أكثر من 2.4 مليون طفل في سوريا ما يزالون خارج مقاعد الدراسة، بينما يواجه أكثر من مليون آخرين خطر التسرب.
وفي تقرير نشرته مطلع العام الدراسي الحالي، أوضحت المنظمة أن الفقر، وانعدام الأمن، والنزوح، والإعاقة، تشكّل أبرز العوائق أمام التعليم، مشيرة إلى أن ثلث المدارس السورية لا يزال غير صالح لاستقبال الطلاب بسبب الدمار أو الأضرار أو استخدامها كمراكز إيواء.
وقالت ميريتشيل ريلانيو أرانا، ممثلة اليونيسف في سوريا، إن إعادة الأطفال إلى التعليم تتطلب جهوداً تشمل تأهيل المدارس، وتوفير المعلمين والمواد التعليمية والدعم النفسي، إضافة إلى إزالة الأعباء الاقتصادية التي تمنع الأسر من إرسال أبنائها إلى الصفوف الدراسية.
وأضافت: “التعليم حق أساسي لكل طفل، وهو مسار رئيسي للتعافي وإعادة بناء المستقبل”.
لكن بالنسبة لعبد الرزاق، يبدو هذا المستقبل بعيداً.
مع اقتراب المساء، يبدأ الطفل بترتيب أدواته داخل محل “البنشر”، بينما يمرّ أطفال آخرون أمامه عائدين من مدارسهم، يحملون دفاترهم على ظهورهم، في طريق العودة إلى منازلهم.

اقرأ أيضاً: مشكلة عمالة الأطفال في درعا، مقاربة للحل






