العنف ضد المرأة - الأنواع والآثار

تؤكد السيدة فاطمة من الريف الشمالي في محافظة درعا بأنّ بناتها الثلاثة تعرّضن للعنف بشكل متكرر. تقول في حديثها مع مراسلة درعا 24: “كل واحدة من بناتي لها قصة؛ زوجنا الكبيرة لابن عمها ما ظل حدا ما ضربها، زوجها وعمها وامرأة عمها، والوسطانية خريجة جامعة ومع أن وضع زوجها المادي كثير تعبان منعها تشتغل بشهادتها، وأما الصغيرة تطلقت بعد سنتين من زواجها والمجتمع ما بيرحم وحرموها من ابنها”، تتابع بحرقة وألم: “البنت تذبل أمام عيوني ولا استطيع فعل شيء لها”. 

أما أبو أحمد أحد الوجهاء في مدينة طفس فيؤكد للمراسل بأنه لا يكاد يمر شهر إلا ويتم توسيطه في قضايا عائلية، مثل الطلاق وضرب الزوجة والخلاف حول ميراث النساء وغير ذلك، يقول: “للأسف هذه الأمور كثرت في السنوات الأخيرة”.

العنف ضد المرأة في حوران

إجابةً على سؤال مراسل درعا 24 حول أكثر أنواع العنف ضد المرأة شيوعاً في حوران، أجاب الدكتور محمد. ع أستاذ جامعي في كلية التربية: “يمكن وضع أنواع العنف التي تتعرض له النساء في حوران بل في سوريا عموماً في فئتين، الأولى ذات جذور اجتماعية وثقافية وأهمها العنف الجسدي، وغالباً ما يكون من قِبل الزوج، والعنف الاقتصادي والإساءة النفسية والعاطفية، وفي معظم الأحيان يكون من أسرة الفتاة أو من أهل الزوج. الفئة الثانية طارئة على مجتمع حوران ظهرت و انتشرت في السنوات الأخيرة، كمُخرج من مخرجات الازمة السورية، ومن أمثلة هذه الفئة العنف الجنسي والتحرش. وفي السنوات الأخيرة ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي عرفت مجتمعاتنا ما يصطلح على تسميته بالعنف الرقمي أو الإلكتروني”.

أمّا من أنواع العنف الأخرى فهناك العنف الجسدي القائم على النوع الاجتماعي، الذي تُعرّفه الأستاذة نهلة العاملة الإنسانية في هذا القطاع، بأنه أي سلوك ينطوي على استخدام القوة الجسدية مُسبباً أذى للنساء، ويشمل ذلك الضرب باليد أو بأي أداة، العض، القرص، اللكم، الدهس، السحل، الدفع، وغير ذلك من الممارسات التي تسبب الأذى.

وترى الأستاذة نهلة أن أكثر أشكال العنف الجسدي شيوعاً في حوران يأتي من الأزواج بالدرجة الأولى مستنداً إلى موقف وموروث اجتماعي يتقبل ذلك أو يجيزه على أقل تقدير. وأحياناً يكون المُعنّف الأب أو الأخ أو أهل الزوج. وخلافاً لمجتمعات أخرى لا يمارس العنف الجسدي في حوران من قبل أرباب العمل أو زملاء العمل أو الجيران لاعتبارات اجتماعية.

العنف في المعتقلات

وعن العنف الجسدي في المعتقلات في سجون الأجهزة الأمنية تقول السيدة أشجان (اسم مستعار لناجية من الاعتقال): “عند اعتقالي لم يكن يخطر ببالي أن يقوم السجّان أو المحقّق بضربي، لكن هذا كان خلاف الواقع، تم تعذيبي وغيري من الموقوفات تعذيباً شديداً وبطرق مختلفة بما فيها الصعق بالكهرباء. خلال اعتقالي شاهدتُ وسمعتُ عن حالات موت لنساء تحت التعذيب”. 

إقرأ أيضاً: العنف ضد المرأة في درعا: أسباب عديدة وأدوار غائبة

العنف النفسي والعاطفي

وهناك نوع آخر من العنف ضد النساء يعرف بالعنف النفسي والعاطفي، تعرفه الاستاذة ريم الخالد (مرشدة اجتماعية) بأنه أي تصرف يقوم به المُعنّف ويؤدي إلى أذى عاطفي أو نفسي للمرأة أو الفتاة. ويشمل ذلك على سبيل المثال لا الحصر: الانتقاد المستمر، التنمر، الاهمال المقصود وغير المقصود، الشتم، العبارات المسيئة والجارحة، التهديد، التحكم العاطفي، نشر الإشاعات الضارة، وأي تصرفات أخرى يقوم بها المعنف لإيذاء المرأة او الفتاة عاطفيًا أو نفسيًا. 

تضيف الأستاذة ريم أن أكثر ما يمارس هذا النوع من العنف في حوران هو على ما يصطلح على تسميتهنَ بالعوانس (الفتيات كبار السن غير المتزوجات) وكذلك النساء اللواتي لديهن اعاقات معينة.

العنف الجنسي

من أنواع العنف الأخرى لكنها أقل انتشاراً في حوران، العنف الجنسي ويشمل حسب الأستاذة نهلة العاملة مع منظمات غير حكومية، الاعتداء الجنسي والاغتصاب والتحرش وأي تصرفات جنسية غير مرغوب فيها تتسبب في الإيذاء للمرأة.

المحامي أحمد الزعبي يؤكد أن هذا النوع من العنف لم يكن معروفاً في حوران قبل العام 2011 وحسب وصفه فإن البيئة الاجتماعية في حوران والتي هي بيئة ريفية محافظة لا تسمح بالتحرش بالبنات أو الاعتداء عليهن جنسياً وقلّما صادفتنا في المحاكم هكذا قضايا إلا أنه في السنوات الأخيرة للأسف صرنا نسمع عن حالات من العنف الجنسي في حوران مثل التحرش أو ما يعرف بالتلطيش ولا سيما للطالبات. 

يتابع الزعبي: “لا بدّ من الاشارة إلى استخدام الأجهزة الأمنية للعنف الجنسي ضد المعتقلات من أجل انتزاع الاعترافات و في كثير من الأحيان لترهيب المجتمع”. 

العنف الاقتصادي وحرمان المرأة من الميراث

 يعرَف العنف الاقتصادي بأنه “كل فعل أو امتناع عن فعل من شأنه استغلال المرأة أو حرمانها من الموارد الاقتصادية مهما كان مصدرها كالحرمان من الأموال أو الأجر أو المداخيل، والتحكم في الأجور أو المداخيل، وحضر العمل أو الإجبار عليه”.

وفقاً للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا يحدث العنف الاقتصادي ضد المرأة عندما يحرم الفرد النساء من الوصول إلى الموارد المالية، عادة كشكل من أشكال الإساءة أو السيطرة أو لعزلها أو لفرض عواقب سلبية أخرى على رفاهيتها.

الأستاذة ميرفت مدرّسة مادة التربية الإسلامية في إحدى مدارس الريف الشرقي تقول للمراسلة: “حرمان المرأة من الميراث أمر يمقته الإسلام ويحرّمه لكنه للأسف منتشر بشدّة في حوران بل في بعض المجتمعات الحورانية ينظر إلى المرأة التي تأخذ ميراثها من أبيها المُتوفى بأنها ارتكبت عاراً. وهذا بالإضافة إلى كونه جرأة على النصوص قطعية الدلالة قطعية الثبوت يُشكّل إساءة لكرامة المرأة وإنسانيتها لأنه ينطوي على اتهامها ضمنياً بعدم الأهلية لإدارة مواردها المالية وحياتها المعيشية”.

 و تتساءل الاستاذة في نهاية حديثها: “أين خطباء المساجد من هذه المسألة وأين أصحاب الرأي والوجهاء؟

إقرأ أيضاً: معاناة المرأة في درعا من حرمانها من حقها في الميراث

تتفق الأستاذة ريم الخالد المرشدة الاجتماعية مع هذا الطرح، لكنها تؤكد على وجود أشكال أخرى من العنف الاقتصادي ضد المرأة، مثل حرمانها من العمل أحياناً حتى لو كانت تحمل إجازة جامعية، مشيرةً إلى أن المجتمع في حوران بالعموم لا يرى دور للمرأة العاملة إلا في المجال الطبي والتعليمي.

العنف الرقمي

ومع انتشار التكنولوجيا والسوشيال ميديا ظهر نوع جديد من العنف ضد المرأة، يتعارف على تسميته بالعنف الرقمي أو العنف الإلكتروني. وبحسب الأستاذة نهلة العنف الإلكتروني هو أعمال عنف يتم ارتكابها أو التحريض عليها باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. يمكن أن يشمل ذلك الهواتف المحمولة والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني.

يمكن أن تشعر النساء والفتيات اللاتي يتعرضن للعنف عبر الإنترنت بالخوف والذعر والقلق والاكتئاب، مما يؤثر سلباً على علاقاتهن ودراساتهن وعملهن وحياتهن الاجتماعية، وقد يتسبب في انسحابهن تماماً من الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

يقول مدير الموقع الالكتروني في درعا 24 عن هذا النوع من العنف أنه يشمل استخدام التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي للقيام بأنماط معينة من العنف والتحيُّر ضد النساء. يتضمن هذا النوع من العنف استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للتهديد والتشهير والتحرش والتنمر والابتزاز الرقمي والتسلط الإلكتروني وغيرها من السلوكيات الضارة التي تؤثر على حياة النساء.

وبحسب مدير الموقع: “يأخذ العنف الرقمي أشكالاً متنوعة، بما في ذلك: التهديدات عبر الإنترنت: تتضمن التهديدات بالعنف الجسدي أو اللفظي أو التهديد بنشر معلومات خاصة عبر الإنترنت.

  • التحرش الجنسي عبر الإنترنت: يشمل الرسائل الجنسية غير المرغوب فيها أو الصور الجنسية أو محتوى الإباحية المرسلة دون موافقة.
  • التشهير والابتزاز: يشمل نشر معلومات كاذبة أو محرجة عبر الإنترنت بهدف التشهير بالمرأة أو استخدام هذه المعلومات لابتزازها.
  • التنمر الإلكتروني: يتضمن إرسال رسائل تحريضية أو تنمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو التعليقات السلبية بغية إثارة الإهانة أو الإساءة للمرأة.
  • التحكم الرقمي والتسلط: يتضمن السيطرة على حسابات التواصل الاجتماعي أو الاتصالات الإلكترونية للمرأة دون موافقتها”.

أما الأستاذ في كلية التربية الدكتور م.ا فيرى أن هذا النوع من العنف ضد المرأة اسوأ من العنف التقليدي وأشد تأثيراً على المرأة معللاً ذلك بأن العنف باستخدام التكنولوجيا سهل الوصول وبالمتناول لجميع الفئات العمرية بما فيها المراهقين ويتيح للمعنف إخفاء شخصيته، و بالتالي المبالغة في الأذى دون الخوف من العقوبة ودون قدرة المعنفة في الدفاع عن نفسها لغياب التواصل الجسدي، الأمر الذي قد يصل بالمعنفة إلى مستويات متقدمة من الضرر تودي بها أحيانا إلى الانتحار.

إقرأ أيضاً: إقرأ أيضاً: العنف ضد المرأة: المجتمع يهاجمها والقانون لا يحميها

أشكال العنف الإلكتروني

ووفقا لصندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA هناك خمسة أشكال للعنف الإلكتروني ضد النساء والفتيات هي:

  •  المشاركة غير الرضائية للصور: الاستخدام والمشاركة لصور، سواء تم التلاعب بها أو حقيقية، دون موافقة صاحبتها بغرض الابتزاز.
  • انتحال الشخصية على الإنترنت: إنشاء ملف تعريفي مزيف وانتحال هوية شخص ما لأغراض مضرة، منها تدمير السمعة أو تهديد السلامة.
  • التنمر عبر الانترنت: المضايقات أو التحرش وإلحاق الضرر المستمر والمتعمد عبر الإنترنت، الذي يهدد أو يخيف أو يسيء إلى النساء والفتيات. يمكن ان يكون السلوك من فرد أو مجموعة كبيرة من الأفراد عبر الإنترنت.
  • الكشف العلني عن معلومات شخصية خاصة: نشر معلومات شخصية وحساسة بما في ذلك عنوان المنزل أو العمل وأرقام الهواتف وأسماء أفراد العائلة دون إذن.
  • الملاحقة عبر الإنترنت: المراقبة أو التواصل أو الملاحقة المستمرة وغير المرغوب فيها أو التهديد باستخدام بالوسائل التكنولوجية. يمكن أن تتحول الملاحقة عبر الإنترنت إلى ملاحقة خارج الإنترنت والعكس صحيح.

إقرأ أيضاً: قصة امرأة واجهت الحياة والمجتمع وحققت أهدافها

تأثير العنف على المرأة والمجتمع

تتعدد أنواع العنف ضد المرأة في البيئة الحورانية، و يترتب عليه آثاراً مدمرة للمرأة و الطفل والأسرة و المجتمع تحدثنا الدكتورة هدى علي عن تأثير هذا العنف على المجتمع: “العنف ضد المرأة هو تحدي خطير يواجه المجتمع في حوران وفي سوريا عموماً، وتترتب على هذا العنف آثار وخيمة على النساء، الأسر، والمجتمع بشكل عام، ومن أبرزالآثار النفسية التي تعاني منها النساء اللاتي يتعرضن للعنف، هو انخفاض الثقة بالنفس والقلق والاكتئاب وصعوبات في التكيف مع الحياة اليومية. يمكن أن يؤدي العنف النفسي إلى تدهور الصحة العقلية والعزل الاجتماعي. وهناك أيضاً الآثار الجسدية إذ يمكن أن يؤدي العنف الجسدي إلى إصابات جسدية حادة أو مزمنة، مما يتسبب في ألم وإعاقة وضعف دائم، بالإضافة إلى احتمالية الموت”.

وتضيف: “كما يتأثر توازن العلاقات الأسرية بشكل كبير، يزيد العنف من التوتر والصراعات داخل الأسرة، مما يؤثر على العلاقات الزوجية والعلاقات الأبوية وقدرة الأسرة على التواصل وحل النزاعات و يمكن أن يؤدي العنف إلى انفصال الأسرة وتفكك العلاقات الاجتماعية، ولا ننسى الآثار الاقتصادية حيث يمكن أن يؤدي العنف إلى تدهور الوضع الاقتصادي للنساء والأسرة بشكل عام، اذ يمكن أن تفقد النساء فرص العمل أو يتعرضن للإقصاء الاقتصادي بسبب الإصابات أو العجز”.

وتتابع: “نظراً لأن الأطفال هم أكثر فئات المجتمع ضعفاً فهم الأكثر تضرراً من أي نوع من أنواع العنف، حيث يمكن أن يتأثر التطور النفسي والعاطفي والاجتماعي للأطفال الذين يشهدون العنف ضد والدتهم. يزيد العنف من احتمال تعرض الأطفال للعنف في المستقبل، ويؤثر على مستويات التعليم والصحة النفسية لديهم”.

تختم الدكتورة هدى حديثها بقولها: “لا تتخيل أن ينجو المجتمع أو أي مكون من مكوناته من الآثار الكارثية للعنف ضد المرأة، العنف ضد المرأة يضرب البنى الاجتماعية والاقتصادية والاخلاقية لحوران ويهدد بقوة التنمية المستدامة والتطور”.

إقرأ أيضاً: مقتل شابة في مدينة طفس يكشف المستور حول ما يسمى جرائم الشرف في درعا

الأثار المترتبة على الزواج المبكر

إحدى الطبيبات النسائية في الريف الغربي تتحدث إلى مراسلة درعا 24 عن الآثار المترتبة على زواج الفتيات بسن مبكرة تقول: “يراجعني في عيادتي بشكل دائم فتيات صغيرات بأعمار أحياناً أقل من خمسة عشر عاماً متزوجات ولديهن حمل… وهذا في كثير من الأحيان ما يكون سبباً في أذى نفسي وجسدي إذ تصاب الحوامل بهذا السن بسوء تغذية وفقر دم وتكون احتمالية الإجهاض مرتفعة، هذا بالإضافة الى حرمان هذه الفتيات من التعليم وإصابتهن باضطرابات نفسية، بسبب أعباء الحمل ومسؤوليات البيت والزوج والأمومة المبكرة”.

إقرأ أيضاً: زواج القاصرات بدرعا يرتفع بشكل ملحوظ

يبقى العنف ضد المرأة في حوران ظاهرة اجتماعية خطيرة متعددة الأشكال والأنواع تعتري مجتمعاتنا وتهدد حياة النساء وتقيّد حقوقهن الأساسية. يُعتبر العنف ضد المرأة إساءة للإنسانية وانتهاكاً لكرامة المرأة وحقوقها كإنسان. إنه ليس فقط مشكلة فردية بل هو مشكلة هيكلية تضرب ببنية المجتمع.

رابط التقرير: https://daraa24.org/?p=40335

إذا كنتم تعتقدون بأن هذا التقرير ينتهك المعايير الأخلاقية والمهنية يُرجى تقديم شكوى

Similar Posts