تُشكّل الألغام الأرضية ومخلفات الحروب المنتشرة في أنحاء محافظة درعا خطراً كبيراً يهدد حياة العديد من سكانها، وقد باتتْ هذه الألغام واحدة من أسوء المآسي التي يعاني منها الأهالي، وخاصة في المناطق الريفية، حيث تسببت بوقوع العديد من القتلى والإصابات الخطيرة على مدى السنوات الماضية.

مخلفات الحرب

النسبة الأكبر من الضحايا، مدنيين

سقط 2729 ضحية بين قتيل ومصاب، جراء انفجار الألغام في سوريا خلال عام 2020، وفق تقرير أصدره التحالف الدولي للقضاء على الذخائر العنقودية والحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية (ICBL-CMC)، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان  وقد احتلت سوريا بذلك المرتبة الأولى حول أعداد الضحايا بالألغام الأرضية متقدمة على أفغانستان وكولومبيا لأول مرة.

 وأشار التقرير إلى أن 80 % من ضحايا الألغام الأرضية التي سجلها في عام 2020 كانوا مدنيين، وكان 50 % منهم على الأقل من الأطفال. يمثل العدد الاجمالي لعام 2020 زيادة بنسبة 20% عن عام 2019. وأوضحَ التقرير أنَّ حصيلة الضحايا التي سجلها في سوريا هي أعلى حصيلة ضحايا في عام واحد منذ أن بدأ المرصد بمراقبة حصيلة ضحايا الألغام في عام 1999.

اقرأ أيضاً: انفجار مادة من مخلفات الحرب تودي بحياة طفلين

وثقت درعا 24 في محافظة درعا منذ بداية العام حتى اليوم مقتل 18 مواطناً ومواطنة من المدنيين على الأقل، بينهم أطفال جراء انفجار مخلفات الحرب في مناطق مختلفة في المحافظة، فيما أُصيب ضمن الفترة ذاتها وللسبب نفسه، ما لا يقل عن 43 مدنياً بينهم تسعة من الأطفال.

كان آخرهم يوم أمس حيث انفجرت لغم أرضي من مخلفات الحرب في بلدة دير العدس في ريف محافظة درعا الشمالي، أثناء مرور شاحنة تُقل أكثر من أربعين عاملاً وعاملة في حصاد المحاصيل الزراعية، أسفرت عن أحد عشر قتيلاً وأكثر من ثلاثين مصاباً.

وزارة الداخلية السورية قالت عبر صفحتها على الفيسبوك، بأن وحدات الهندسة وجدت لغمين آخرين في ذات المكان، تم تفجيرهما، بالإضافة لإزالة لغم مضاد للدبابات على بعد ما يقارب ( ٢٥ ) متر من المكان

انفجار لغم أرضي بسيارة عمال في بلدة دير العدس
انفجار لغم أرضي من مخلفات الحرب بسيارة كانت تقل عمال معظمهم من الأطفال والنساء في بلدة دير العدس

اقرأ أيضاً: احتراق حصادة قمح بانفجار لغم من مخلفات الحرب

في حين وفقاً لإحصائيات منظمة الهلال الأحمر فقد وقعت حوالي 323 حادثة أسفرت عن إصابة 498 شخصاً بينهم نحو 158 طفلاً، وتوفي 174 شخصاً جراء الألغام منذ اجراء اتفاقية التسوية في درعا عام 2018، أما بيانات المشفى الوطني في درعا فتشير الى أن عدد المقبولين من المدنيين بسبب انفجار الألغام خلال الأربع سنوات الأخيرة بلغ حوالي 269 مواطناً، منهم 106 أطفال.

مخلفات الحروب تحرم العديد من الحياة والعمل

لم ينجُ أهالي محافظة درعا من خطر الألغام والمتفجرات التي خلفتها الحرب، فهناك العديد من المصابين يعيشون ظروفاً إنسانية وجسدية ونفسية بالغة الصعوبة، بعد أن تعرضوا لإصابات بالألغام افقدت بعضهم الحركة.

المواطن (علاء الأسعد، 43 عاماً) وهو من الريف الشرقي لمحافظة درعا، بُترت إحدى قدميه جراء انفجار لغم أرضي، أثناء سيره في إحدى الأراضي الزراعية القريبة من بلدته، يقول في حديثه مع مراسلة درعا 24: “بينما كنت أسير برفقة أحد أصدقائي في الأراضي الزراعية القريبة من البلدة، انفجر فينا لغم أرضي، وكانت النتيجة أن بترت قدمي اليمنى وبترت ذراع صديقي وأصيبت عينه أيضاً إصابة بليغة”.

يتابع: “أنا أؤمن بأن ذلك قضاء الله وقدره، ولكن ما يجعلني أشعر بالأسى هو أنني أقف اليوم عاجزاً عن فعل أي شيء، فأنا لا أستطيع العمل، وهذا أكثر ما يحزنني”. مضيفاً بأن شقيقه في ألمانيا يساعده بمبلغ 100$ شهرياً، ولكنها غير كافية لسد احتياجات أسرته المكونة من 3 أطفال، مما يضطر زوجته للعمل بين الحين والآخر للمساعدة.

يقول: “لقد حوّل هذا اللغم حياتي إلى جحيم مطلق، وساءت أحوالي النفسية وضاقت الدنيا بي …، لا يمكن أن أصف الشعور بالعجز الذي أعيشه”.

 في منتصف مارس/آذار الماضي عثر مجموعة من الأطفال في إحدى بلدت ريف درعا الشرقي أثناء قيامهم بجمع قطع من الحديد من ‏أجل بيعها، على قنبلة عنقودية كروية الشكل، فقاموا بحملها بكل عفوية مع ما جمعوه من قطع حديدية ‏إلى داخل منزلهم، وأثناء قيام الأم بحمل تلك المواد بغرض تنظيف البيت انفجرت فيها تلك القنبلة، مما أدى إلى بتر ساقها.

‏تقول الأم عن تلك اللحظات العصيبة، وهي أرملة ولديها 4 أطفال: “عادةً ما يقوم أطفالي بجمع كل ما يمكن الاستفادة منه، من علب معدنية ونحاس وحديد، وذلك بهدف بيعه في سبيل توفير بعض المال، وفي أحد الأيام عاد الأطفال وهم ‏يحملون بعض القطع الحديدة والخردة ووضعوها في إحدى زوايا البيت، بعد أكثر من خمس ساعات قررت نقل تلك ‏الخردة من مكانها بهدف التنظيف، فحصل انفجار قوي وغبت عندها عن الوعي بصورة مؤقتة”.

‏تضيف:” وبعد أن استيقظت ‏شاهدت في عيون من حولي ما لم يستطيعوا إخباري به، لا أستطيع أن أصف شعوري عندما علمت بأن ساقي قد قُطعت، ‏لأن ذلك يعني إصابة أسرة كاملة بالعجز فأنا المعيل الوحيد لهؤلاء الأطفال من بعد وفاة زوجي، وبتر ساقي أفقدني القدرة ‏على ممارسة أي عمل مهما كان نوعه حتى أبسط الأمور مثل العناية بالأطفال. ساءت حياتي جداً بسبب تلك الإصابة، ‏وتغيرت المعادلة فمن معيلة لأسرة كاملة أصبحت اليوم عالةً على المجتمع وعاجزة عن تلبية احتياجاتي الخاصة”.

قنبلة عنقودية
قنبلة عنقودية

جهود خجولة لازالة مخلفات الحرب

‏لم تحظَ محافظة درعا بأي جهود حقيقية لمواجهة خطر هذه الآفة التي تحصد أرواح العديد من أبناء المحافظة وتهدد ‏حياتهم، فالجهود المبذولة على مدار السنوات الماضية لا تكفي لمواجهة هذه المشكلة، التي تهدد حياة الأهالي ‏وثرواتهم الحيوانية.

 ‏(م.الشريف 45 عاماً ناشط اجتماعي) يشرح: “تعيش محافظة درعا ‏كابوساً حقيقياً جراء هذه المشكلة، التي صارت تهدد حاضر ومستقبل آلاف المدنيين وخاصة الأطفال، وتعاني ضعفاً ‏حقيقياً في الاهتمام من قبل الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، للحماية من خطر هذه المواد، إضافة إلى عدم وجود أي تحذيرات للوقاية منها، وطرق التعامل معها، على الرغم من انتهاء الحرب منذ قرابة الأربع سنوات، إلا أنه لا يوجد مراكز خاصة لدعم وتأهيل المصابين، وهناك ضعف في الخدمات الصحية وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي لهؤلاء.

يوضح “تبعات الألغام لا تقف عند الأسر فحسب، إنما تتعداها إلى المجتمع، حيث يصبح ضحاياها أكثر اعتماداً على المساعدة وأكثر عزلةً. إضافةً إلى الاضرار المادية المباشرة التي تلحق بأهالي المنطقة جراء الخوف من ‏ زراعة الحقول وحصادها.

فيما تشير “رهام برماوي” منسقة مشروع التوعية بمخاطر الألغام في منظمة الهلال الأحمر السوري في تصريح لموقع سناك سوري، أنه تم استهداف العديد من المناطق ‏الغربية في محافظة درعا وحوض اليرموك، كونها كانت منطقة نزاع وتوالى السيطرة عليها عدد من الفصائل المسلحة ‏منها تنظيم داعش، ‏ويتواجد فيها كميات كبيرة من مخلفات الحرب والألغام، إضافةً إلى بعض المناطق الشرقية مثل ‏بلدات الطيبة، أم المياذن، كحيل، صيدا، اللجاة، مدينة إزرع، ومناطق الريف الشمالي في مدينة الصنمين وبلدات كفر ‏شمس، ودير العدس.

‏وقد أوضحت أنه في بداية عملهم قاموا بإجراء تقييم احتياجات للمنطقة التي تحتوي على مخلفات ‏الحرب من ألغام واجسام متفجرة، ثم يتم اختبار المناطق حسب الأولوية، ومن ثم إجراء جلسات توعية للمجتمعات ‏المحلية للفئات الأشد تضرراً من مخلفات الحرب، ومعظم هذه الفئات تشمل الأطفال والمزارعين والكادر التدريسي ‏والمجتمع المحلي، عن طريق التنسيق مع المفاتيح المجتمعية بالمناطق للمساعدة بعملية التوعية، لأنهم محل ثقة في ‏المجتمع المحلي.

 ‏‏وختمت أن حملات التوعية تلعب دوراً هاماً في تزويد المجتمعات بالمعلومات الأساسية والعملية حول الألغام ‏الأرضية، وتساعد الأنشطة التوعوية المواطنين على إدراك طبيعة المخاطر الناجمة عن ذلك، واعتماد سلوكيات أكثر ‏أماناً لذلك لا بد من الجهات المسؤولة مضاعفة الجهود الرامية إلى حماية المدنيين من الخطر ومساعدة ضحايا الألغام لتحقيق الاكتفاء الذاتي.

بدوره وزير الخارجية السوري «فيصل مقداد» رئيس ”اللجنة الوطنية لنزع الألغام“ قال في اجتماع اللجنة الأول يوم أمس بحسب وكالة سانا الرسمية ”بأن الجيش قام بإزالة أكثر من 50 ألف عبوة ناسفة و84 ألف قذيفة غير منفجرة و45 ألف لغم متنوع وطهر أكثر من 55 ألف هكتار من أراضي الجمهورية العربية السورية من الألغام والذخائر المتفجرة“ 

وتبقى مخلفات الحرب في محافظة درعا وفي سوريا عامة تقتل وبشكل متكرر عشرات المدنيين غالبيتهم من الأطفال، وتُخلّف كذلك العديد من المصابين الذين يُصاب معظمهم بإعاقات دائمة طوال حياتهم، في ظل غياب الحلول الحكومية لكل ذلك. فإلى متى برأيك ستبقى الحرب ومخلفاتها تقتل السوريين وتزيد من معاناتهم؟

الرابط القصير: https://daraa24.org/?p=23630

المزيد من المنشورات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.